ارشيف من :أخبار عالمية

سياسات أميركا العدوانية وراء عدم الاتفاق على تقليص الأسلحة الإستراتيجية

سياسات أميركا العدوانية وراء عدم الاتفاق على تقليص الأسلحة الإستراتيجية

"الانتقاد.نت" - عقيل الشيخ حسين

حدث خلال العامين الماضيين أن تطورت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة بشكل دفع كثيرين إلى الحديث عن العودة إلى ظروف الحرب الباردة. لكن هذا الحديث لم يلبث أن أخلى المجال للصمت بعد تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ مشروع الدرع الصاروخية. فهل يكون فشل الدولتين في التوصل إلى اتفاق حول اتفاقية ستارت 2 البديلة لستارت 1 فاتحة عودة جديدة إلى تدهور العلاقات بين البلدين؟

وكانت ستارت 1 التي أطلقت المفاوضات بشأنها عام 1991 بين الرئيسين، الروسي ميخائيل غورباتشوف، والأميركي جورج بوش الأب، وانتهى العمل بها في الخامس من كانون الأول / ديسمبر 2009، قد سمحت بتقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية التي يصرّح كل من البلدين بامتلاكها من عشرة آلاف إلى ستة آلاف لكل منهما. أما ستارت 2 التي بدأ التفاوض بشأنها عام 1993، فتهدف إلى إجراء تقليص أكبر تقتصر معه قدرات روسيا على 1100 من حاملات الرؤوس النووية (صواريخ عابرة، غواصات وطائرات إستراتيجية)، و1500 من هذه الرؤوس، وقدرات أميركا على 1675 و500 على التوالي.

وقد بدا في تموز / يوليو الماضي، خلال اللقاء الذي جرى بين الرئيسين، الأميركي بارك أوباما، والروسي ديمتري ميدفيديف، أن الأمور تسير بسهولة نحو تحقيق هذه الهدف، وانطلقت منذ ذلك التاريخ مفاوضات محمومة حول الترتيبات الضرورية، وحدد تاريخ الخامس من كانون الأول/ ديسمبر موعدا للتوقيع النهائي على المعاهدة.

لكن التوقيع تأجل، على الأرجح، لرغبة أوباما في الذهاب إلى حفل التوقيع بعد أن يكون قد أصبح من حملة جائزة نوبل للسلام.
وبعد أن حمل الجائزة، تواترت تصريحات كبار المسؤولين في البلدين عن قرب التوقيع الموعود. فقد أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف يوم الاربعاء في 15 كانون الأول / ديسمبر الحالي أن التوقيع النهائي على معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية، ستارت 2، بات قريباً جداً. وفي اليوم التالي، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، أن التوقيع بات مسألة وقت. وبعد ذلك بيوم واحد، أعلن كل فريق من طرفه، بأن من الضروري الانتظار إلى آخر الشهر الحالي.

ثم تبين أن الرئيسين الروسي والأميركي هما من أوعزا إلى فريقي المفاوضات بالتوقف عن العمل. وبالطبع صدرت من هنا وهناك تصريحات باللغة الخشبية أكدت استمرار الجهود المكثفة بهدف التوصل إلى الاتفاق المنشود.

ولم تتسرب أية معلومات عن الأسباب التي أدت إلى تأجيل التوقيع الذي لم يعد إجراؤه في آخر الشهر أمراً مضموناً تماماً. لكن تخمينات المراقبين تتركز على بعض النقاط الصعبة التي شكلت عوائق لم يتم تجاوزها خلال المفاوضات المحمومة التي جرت بين الطرفين خلال الأشهر الستة المنصرمة.
أبرز هذه العوائق يتمثل برغبة روسيا في تقليص عدد الصواريخ التقليدية البعيدة المدى، وعدم رغبة الولايات المتحدة في ذلك بسبب تفوقها في هذا المجال.
وارتياب روسيا، بعد إلغاء مشروع الدرع الصاروخية، بالمشاريع الدفاعية الأميركية البديلة في أوروبا، والتي من شأنها أن تشل قدرات روسيا الهجومية. فالحقيقة أن هذه المشاريع يمكنها أن تضرب، لمصلحة الولايات المتحدة، أسس التوازن الذي تسعى إلى تحقيقه معاهدات تقليص الأسلحة الاستراتيجية.
وهنالك أخيراً، وليس آخراً، ما انفتح أمام روسيا من أبواب للابتزاز، أو لملاحقة الكذاب إلى باب داره، على ما يقوله المثل، مع بروز أوباما كداعية للسلام الشامل وإلى عالم بلا أسلحة نووية. لأن مثل هذه الدعاوى تفترض وجود استعداد مفتوح لنزع الأسلحة استراتيجية كانت أم تقليدية.

والظاهر، فيما لو صدقت نيات أوباما، أنه لا يمتلك واقعياً ما يكفي من القدرة على تنفيذها. فالكونغرس والبنتاغون يتميزان بنزعتهما المحافظة حتى في ظل حكم الديموقراطيين، وهنالك إجماع بين المراقبين، أنهما لن يوافقا على المطالب الروسية... ما يضفي طابعاً من العبثية على كامل المساعي التاريخية في مجال نزع السلاح، تاركاً لأمثال أوباما، وبالتالي لسياسات العدوان والهيمنة الأميركية، فرصة تحصيل النجومية واللمعان في مجال الإعلام.

والظاهر أيضاً أن خلافات سياسية معروفة تتمثل بسعي كل طرف إلى امتلاك وسائل الهيمنة. لكن الغربيين الذين يعرفون مدى عمق الخلاف بين أصحاب القرار الأميركي، ومع إصرارهم على فكرة استمرار حكم الفرد، على الطريقة السوفياتية، يحاولون الإيحاء بوجود خلافات بين بوتين وميديفيديف، خصوصاً حول تنافر رؤيتيهما حول الملف النووي الإيراني.

وهنالك نقطة هامة تعكس النفاق الذي يحكم السلوك الأميركي في هذا المجال: شدد المفاوضون الروس على ما يعتبرونه تباطؤاً أميركياً في دفع المفاوضات إلى الأمام. كما لاحظ مراقبون آخرون أن أميركا "المتباطئة" على بعض المستويات تبدو مستعجلة، في المقابل، لإحراز تقدم في ملف تقليص الأسلحة النووية... بهدف خلق أجواء مساعدة للضغط على إيران التي يعمل الغربيون على إظهار برنامجها النووي السلمي على أنه برنامج عسكري.

وهنالك أخيراً النفاق الذي يحكم كامل مسيرة التفاوض بخصوص نزع السلاح. إذ، فيما لو صدقت النيات، ما معنى تفكيك بعض البلدان لترسانتها النووية مثلاً في وقت توضع فيه ترسانات بلدان أخرى، في طليعتها "إسرائيل"، خارج دائرة النقاش؟

ألا يقدم ذلك دليلاً على أن المشكلة لا تكمن في السلاح بل في نوازع التسلط والهيمنة وفي السياسات العدوانية التي تستخدم السلاح؛ والتي تظل قادرة، بفعل عدوانيتها، على الفتك والتدمير بأبسط أنواع الأسلحة؟ فهل يمكن مثلاً لأجهزة الإحصاء أن تقدم جردة حساب ولو تقريبية بأعداد ضحايا الحروب بالسيوف والرماح، والأوبئة المفتعلة، والكوارث "الطبيعية" المصطنعة، وسياسات الحصار والتجويع المبرمجة التي ارتكبت على مدى التاريخ، والتي ترتكب اليوم بوسائل تستفيد إلى الحد الأقصى من تقدم العلوم والتكنولوجيا؟


2009-12-21