ارشيف من :أخبار لبنانية

الأميركي يكتشف وظائف متعددة لسلاح حزب الله

الأميركي يكتشف وظائف متعددة لسلاح  حزب الله

جورج علم  - صحيفة السفير

قدّم وزير خارجيّة إيران منوشهر متكي شهادة حسن سلوك جيدة باللبنانييّن، مشيداً بذكائهم وقدرتهم على تأليف حكومة وفاق وطني، إلاّ أن كلامه المنمّق لم يخفّض من منسوب الحذر والريبة عند فريق واسع من اللبنانيين، لأن صورة إيران انطبعت بذاكرتهم بسلاح «حزب الله» الذي «يشكّل قضيّة مطروحة على طاولة الحوار الوطني» كما أبلغ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان نظيره الأميركي باراك أوباما عندما التقيا مؤخراً في البيت الأبيض.

ويملك متكي مثل هذا الشعور ويتحسسّه، ويعرف أن فريقاً واسعاً من اللبنانيين ينظر الى هذا السلاح على أنه إيرانيّ بامتياز، ومن وظائفه الرئيسيّة ان يشكّل خطّ الدفاع الأول عن البرنامج النووي ضدّ أي عدوان إسرائيلي قد يستهدفه.

ومع وصول الوزير متكي الى بيروت كان مساعد المبعوث الأميركي لعمليّة السلام في الشرق الأوسط فريدريك هوف قد اكتشف أن بعض قادة الفريق «الأقلوي» استحدث وظيفة ثانية لهذا السلاح هي محاربة التوطين، «وإذا كانت الوظيفة الأولى باتجاه إسرائيل، فالثانية باتجاه الداخل». وعندما راح يوسّع من دائرة اتصالاته للحصول على المبررات المنطقيّة لهذا الطرح، جاءه الجواب بأن هذا السلاح لن يصوّب الى صدور اللاجئين، بل ضد الجهات الخارجيّة التي ترفض حق العودة، وتسعى الى فرض التوطين كحل.
ويستخلص هوف ـ وفق بعض محدّثيه ـ بأن للسلاح هذا وظائف ثلاث: الدفاع في وجه الاعتداءات الإسرائيليّة، ومحاربة التوطين، والتصديّ لأي عدوان إسرائيلي قد يستهدف البرنامج النووي الإيراني. كما يستخلص بأن نصاب الإجماع اللبناني مفقود بعدما كشفت جلسات مناقشة البيان الوزاري في المجلس النيابي بأن عدد المعترضين من النواب على سلاح الحزب، لا يستهان به، ويمكن البناء عليه لتوسيع مساحة الاعتراض، ولذلك حرص على اكتشاف الفوارق والتباينات في مواقف العديد من الفعاليات من موضوع التوطين، ليستخلص بأنه مرفوض في مقدّمة الدستور، وفي الخطاب الرسمي، وفي المواقف والتصريحات المعلنة، لكنه في المجالس المغلقة لدى بعض الطوائف والمذاهب هو «مسألة فيها نظر» إذا ما استمر سلاح «حزب الله» بوضعيته الراهنة.

ووفق المعلومات المتداولة، فإن هوف اكتشف خلال جولته على عدد من المسؤولين والفعاليات أن زيارته جاءت مقيّدة بملاحظات ثلاث، الأولى: أن وصوله الى بيروت جاء متزامنا مع عودة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان والوفد المرافق من الولايات المتحدة، وقد قال كل ما عنده لإدارة الرئيس أوباما من ثوابت وهواجس لبنانيّة، كما التقى السناتور جورج ميتشل، «وعندما يستقى من النبع فما الحاجة الى الساقيّة؟».

الثانيّة: إن بطاقة التعريف التي يتداولها تؤكد على أنه مساعد المبعوث الأميركي «لعمليّة التسوية»، بدلاً من «عملية السلام»، وهذا ليس بخطأ لغوي او عرضي، بل هو متعمّد وعن سابق تصوّر وتصميم لإفهام من لم يفهم بعد، أن الإدارة الأميركيّة هي على موجة واحدة مع حكومة التطرف في إسرائيل، وبأنه لم يبق هناك شيء اسمه السلام العادل والدائم والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية ومرجعية مدريد، بل هناك حديث عريض عن «تسوية»، او «تسويات» حدودها سلاح القوة لكي تفرض سلام الأمر الواقع.
أما الثالثة فتتناول المهمّة، لقد جاء تحضيراً لجولة المبعوث جورج ميتشيل في المنطقة في النصف الأول من كانون الثاني المقبل، للبحث «في عمليّة التسوية السلميّة وحق عودة الفلسطينييّن».

وهنا يتحدث وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عن أن مبادرة أميركيّة ستبصر النور مطلع العام الجديد وتدفع بالتسوية ما بين الفلسطينيين والإسرائيلييّن نحو آفاق جديدة، إلاّ أنه آثر عدم الاسترسال في كشف خيطها، او الخوض في تفاصيلها. وجاء الى بيروت في عطلة نهاية الأسبوع المنصرم وزير خارجية الأردن ناصر جودة يسأل الرئيس سليمان عّما إذا كان قد سمع شيئاً من هذا القبيل خلال المحادثات التي أجراها مع الرئيس أوباما، وما إذا كان لدى إدارته ما تستعد لطرحه في محاولة لإخراج الوضع المأزوم برمته من عنق الزجاجة، إلاّ ان الجواب كان في العموميات، وربما حمل السناتور ميتشيل بعض الأفكار الجديدة، او بعض الخطوات التمهيديّة لمبادرة أميركيّة جديدة يمكن ان تقود الى تسويات في المنطقة.

وفي ظلّ هذه الأجواء يفيض برنامج تحرّك رئيس الحكومة سعد الحريري بالمواعيد والزيارات الى الخارج بعد «جولات الأفق» التي أجراها في كوبنهاغن مع رؤساء وفود الدول المشاركة في قمة المناخ، وخصوصا مع من هم أقرب الى فهم حقيقة ما يجري على المسار الفلسطيني، والمسارين السوري واللبناني.
يبقى انه إذا كان السلاح في عهدة طاولة الحوار، كما يقول الرئيس سليمان، فإن «الحزب» يريده في عهدة التوافق الوطني العام على الاستراتيجية الدفاعيّة التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات، ولم تحظ يومها بأي مقاربة تفاهميّة حول ماهيتها، نظراً لوجود خيارين متنافرين بين من يريد لبنان هانوي، ومن يريده هونغ كونغ، ومن يريده مقاوماً، ومن يريده مسالماً تواقاً إلى تسوية.

ويعود الحق لرئيس الجمهورية في ترتيب الطاولة، إلاّ ان الحوار سيكون منضبطاً هذه المرة. وتأتي الهالة السورية المعنوية لترخي بظلالها على الطاولة، من خلال المشورة في كيفيّة مقاربة الملفات المشتركة والمعقدة.

ومن السلاح المقاوم للعدو على الحدود الجنوبية، الى السلاح المقاوم لقرار اللاعودة للفلسطينيين، الى سلاح الموقف الذي تحضّ واشنطن الدولة اللبنانية على التسلّح به لمواجهة «سلاح قوى الأمر الواقع»، يبقى الهامش عريضاً أمام التفاهم اللبناني ـ السوري.

2009-12-23