ارشيف من :أخبار عالمية

أوروبا وأميركا: شلل شبه كامل بسبب الثلوج!

أوروبا وأميركا: شلل شبه كامل بسبب الثلوج!
عقيل الشيخ حسين
هنالك رياضات وهوايات كثيرة تعشقها هذه الفئة أو تلك من الناس في الغرب. ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن التزلج على الثلج يحظى بولع جميع الفئات بلا استثناء. ولشدة الولع، كثيراً ما يحدث، عندما تقل نسبة تساقط الثلوج، أو حتى في الفصول التي لا تتساقط فيها الثلوج، أن يعمدوا إلى استمطار الثلج الصناعي، بتكاليفه الباهظة، لممارسة هذه الهواية/الرياضة العزيزة على القلوب.
لم تكن بهم حاجة للجوء إلى مثل هذه الوسائل في الموسم الحالي. فغزارة تساقط الثلج أججت قريحة الدعابة عند واحد من مراسلي التلفزة. ففي تغطية إخبارية عن الثلوج التي شلت حركة أحد المطارات، دعا ذلك المراسل المشاهدين إلى عدم الظن بأن ما يشاهدونه هو حقل من حقول التزلج. لأنه في الحقيقة أحد مدارج المطار.
والحقيقة أن الثلوج لم تتراكم هذا العام فوق مدارج المطارات والشوارع وسكك الحديد وسطوح المباني، بل غطت كل شيء في أوروبا وقسما كبيرا من أميركا الشمالية بشكل غير مسبوق. ولا حرج، فقد بلغت درجات الحرارة في بعض المناطق العشرين والثلاثين درجة تحت الصفر.
وإذا كان اهتمام وسائل الإعلام قد تركز على تأثيرات العواصف الثلجية على حركة المسافرين، فلأن فترة الأعياد، الميلاد ورأس السنة، تشهد حركة ما فوق عادية في انتقال الناس من بلدانهم إلى بلدان أخرى.
أوروبا وأميركا: شلل شبه كامل بسبب الثلوج!مؤدى القول ان مئات الألوف من الأشخاص قد حصروا، لساعات طويلة، ولأيام أحياناً، في محطات القطارات والمطارات والسيارات والقطارات المعطلة على الطرقات السريعة في أوروبا وأميركا الشمالية. منهم ألفا شخص حصروا في القطارات داخل النفق الذي يمر تحت بحر المانش ويربط بين بريطانيا والقارة الأوروبية. وقد رفعت قضايا أمام المحاكم لتحديد المسؤولين عن عدم تلافي هذه المشكلة.
ولا ندري ما إذا كان هؤلاءا أسوأ أو أفضل حظاً من أولئك الذين، بمئات الألوف أيضاً، فاجأتهم العواصف الثلجية، واضطرتهم إلى إلغاء رحلاتهم ليجدوا أنفسهم محصورين في منازلهم ومحرومين بالتالي من السفر إلى حيث كانوا يرغبون بالسفر.
وبالمناسبة نفسها، ألغيت آلاف الرحلات الجوية وعلى السكك الحديدية. كما ألغيت مباريات كثيرة في كرة القدم وغيرها من الرياضات. وما زاد الطين بلة أن الثلوج تسببت بقطع أسلاك الكهرباء في بعض المناطق، ما أدى إلى حرمان مليوني شخص من التيار الكهربائي في جنوب فرنسا مثلاً، لمدة ساعة كاملة!
وقد يبدو هذا الحدث الأخير مضحكاً لأولئك الذين اعتادوا مثلنا على انقطاع التيار بشكل شبه دائم. لكن ذلك كارثي حقاً، بالنسبة للغربيين الذين لا تقتصر علاقتهم بالكهرباء على الإنارة ومشاهدة المسلسلات، بل تتعدى ذلك إلى تسخين المياه والتدفئة وتعبئة بطاريات السيارات الصديقة للبيئة، حيث يكونون بحاجة ماسة إليها خصوصاً عندما تحاصرهم الثلوج ويفتك بهم البرد القارس.
نعم يفتك. فقد توفي 49 شخصاً في بولونيا، و27 شخصاً في أوكرانيا، وبلغ عدد الوفيات 80 حالة في أوروبا و50 في الولايات المتحدة، وكل ذلك بسب البرد، وخلال عطلة نهاية الأسبوع وحدها.
أكثر الضحايا ينتمون إلى الفئة الموصوفة بأن أصحابها ليست لديهم أماكن سكن ثابتة. بمعنى أنهم يسكنون هنا وهناك، في زوايا الشوارع، وتحت الجسور، حيث يفترشون قطعاً من الكرتون أو أكياس البلاستيك. وعدد هؤلاء ليس بالقليل. مئة ألف في فرنسا وحدها. منهم 360 شخصاً ماتوا من البرد في شوارع فرنسا العام الماضي. لا لأن فرنسا لا تقدم لهم المآوي الجماعية، بل لأن الحياة داخل هذه المآوي أشد صعوبة من الحياة خارجها، على ما يقولون.
ولا تقتصر الأضرار على الضحايا االبشرية، فخسائر وسائل النقل والمرافق السياحية والهيئات المشرفة على مباريات كرة القدم بمليارات ومليارات الدولارات. وتمتد الأضرار لتشمل، بسبب توقف وسائل النقل، تزويد المدن بالمواد الضرورية. فقد توقف توزيع الحليب والأغذية الأخرى في العديد من المدن الأوروبية...
هنالك بالطبع وسائل وتقنيات لمكافحة الثلج. لكن الجرارات والملح الذي يرش في الشوارع بكميات ضخمة لا يكفي لزحزحة المشكلة المترامية الأطراف. وقد لجأوا لتمكين بعض الطائرات من الإقلاع إلى استخدام الماء الساخن في إذابة ما عليها وعلى المدرجات من ثلوج متراكمة. وقد أرسل أكثر من 800 جندي إلى مدينة ميلانو الإيطالية للمشاركة في إزالة الثلوج.
إنها حرب قاسية جداً بين الطبيعة والإنسان. بالثلج حيناً وبالفيضانات والجفاف والحرائق والزلازل أحياناً أخرى. ومهما ارتفعت فيها الخسائر المادية، فإن الخسائر البشرية، على مستوى الضحايا والمعاناة، هي ما يستدعى الانتباه وبذل الجهد.
وبالفعل، انبرى الأمير وليام، ولي عهد التاج البريطاني، إلى معايشة المشكلة على أرض الواقع. فقد قرر أن يمضى ليلة كاملة، على طريقة المحرومين من المأوى. فاختار زاوية في أحد الشوارع، وأمضى الليل بطوله على قطعة من الكرتون، وتحت درجة حرارة في حدود الأربع درجات تحت الصفر، لكي يفهم بشكل أفضل ما يعنيه النوم في الشارع في عز البرد القارس. وخلص إلى النتيجة التالية: من غير الممكن أن نتخيل المعاناة جراء ليلة واحدة، فكيف نتخيل المعاناة عند من يقضون كل لياليهم في البرد القارس. وبالطبع، عبّر الأمير عن أمله بأن يتمكن من توفير مساعدة أكبر.
2009-12-23