ارشيف من :أخبار لبنانية
أحـداث 2009 ترسـم اسـتحقـاقـات 2010 : العــراق محـاولــة بدايــة... والاحتــلال محـاولـة خــروج
"السفير" - فايز عجور
يدخل العراق عاما جديدا تحت الاحتلال. ويتوقع كثيرون ان يكون العام 2010 محطة بارزة في المشهد العراقي الشائك. اذ بينما ينتخب العراقيون في آذار المقبل برلمانهم الثاني في ما بعد الغزو، يفترض ان تكون «القوات المقاتلة» الأميركية قد انسحبت في آب المقبل، بينما يحتفظ نحو خمسين ألف جندي أميركي بمواقعهم في القواعد الكبرى.
وفي ظل هذه الاوضاع الحساسة لفرط هشاشتها، وخطورتها في آن، تطرح التفجيرات الانتحارية الدموية، التي استهدفت مؤسسات حكومية سيادية في بغداد، أسئلة حول من يقف خلفها واهدافه: هل هو بقاء الاحتلال، الذي وصف قادته العراق، بموقعه ونفطه، بأنه شريك استراتيجي لواشنطن في المنطقة، وهل ان المنفذين يستهدفون تخريب العملية السياسية وإدخال البلد في فوضى جديدة؟
وفي الطريق إلى الانتخابات البرلمانية فإن المخاطر تكبر يوميا: هل ستكون نزيهة وصحيحة التمثيل، وهل ستؤدي إلى تأليف حكومة «وحدة وطنية» مقبولة من الجميع، وما هو رد فعل الاحتلال الاميركي إذا ارتفعت حدة التفجيرات الدموية؟.
وكان الرئيس الأميركي باراك اوباما، أعلن بعد اجتماعه برئيس الحكومة العراقية نوري المالكي في بغداد في 7 نيسان الماضي، أن إعادة القوات إلى الولايات المتحدة «مرتبط بجعل العراق مكانا مستقرا وليس ملاذا آمنا للإرهابيين».
وأنهى وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس مؤخرا الجدل المتواصل حول بقاء الاحتلال من عدمه، موضحا، بعد تأكيدات أميركية كثيرة أن قوات الاحتلال ستخرج نهاية العام 2011، لكنه اضاف «لن يدهشني أبدا أن أرى اتفاقات بيننا وبين العراقيين حول مواصلة التدريب والتجهيز والإرشاد بعد نهاية عام 2011. إنهم يدركون على الأرجح أنهم لن يكونوا مستعدين». وكان قائد قوات الاحتلال الأميركي في العراق الجنرال راي اوديرنو تحدث عن العلاقة التي يأمل إقامتها مع بغداد، مركزا على تحويل العراق، بموقعه ونفطه، إلى شريك استراتيجي رئيسي لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط. وقال «لقد قدمنا الكثير من الأموال والتضحيات البشرية داخل العراق، والوضع الأمني يسير بالاتجاه الصحيح. لا نريد أن نفقد رؤية ذلك».
وفي الوقت الذي انخفض فيه معدل تواتر الهجمات عن ذي قبل ولم تعد الهجمات اليومية التي تسبب خسائر قليلة تحتل العناوين الرئيسية للصحف، فان التفجيرات الكبيرة، التي تستهدف مقار الوزارات السيادية، تأتي في فترة زمنية حساسة بالنسبة للسياسة العراقية. ويشتبه الكثير من العراقيين والمحللين في أن الانقسامات وصلت إلى حد ظهور تواطؤ بين المسلحين وقوات الأمن.
وكان رئيس البرلمان العراقي إياد السامرائي أعلن أن مسألة حدوث فراغ دستوري وتشريعي ستكون أمرا محتما بعد الانتخابات التي أعلنت المفوضية العليا للانتخابات أن المشاركين فيها، هم 106 كيانات و14 ائتلافا، أبرزها «وحدة العراق» ويضم حوالى 38 كتلة سياسية، و«ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، ويضم 36 حركة وتجمعا، و«القائمة العراقية» بزعامة رئيس الحكومة السابق اياد علاوي، وتضم 18 حركة وتجمعا، و«التحالف الكردستاني» ويضم 13 كتلة وحركة وحزبا، و«الائتلاف الوطني العراقي» بزعامة «المجلس الاسلامي الاعلى العراقي» ويضم 32 كتلة وحزبا ابرزها «التيار الصدري».
ورغم أنه يفترض ان هذه الانتخابات محلية، فان المخاطر تبدو هائلة، سواء بالنسبة الى بغداد أو واشنطن، حيث ان انتخابات جديرة بالثقة ومن دون عنف كبير ستظهر أن تحسن الأمن ثابت.
ويختلف الخبراء الذين حاورتهم «السفير» حول تأثير تأخير موعد إجراء الانتخابات على الأوضاع السياسية والأمنية في العراق.
وتعتبر مديرة قسم الشرق الأوسط في معهد «كارنيغي» مارينا اوتاواي، ردا على سؤال حول تأثير تأجيل الانتخابات على الوضعين السياسي والأمني، انه لن «يكون لتأخير الانتخابات تأثير مهم، بالرغم من أن هذا الأمر انتهاك للدستور العراقي».
ويعتبر الخبير في معهد «واشنطن لشؤون الشرق الادنى» احمد علي لـ «السفير» أن جميع الأطراف السياسية في العراق متفقة على أهمية عدم تأجيل الانتخابات، لكنها كانت تحاول الحصول على أكبر مكاسب ممكنة من خلال المفاوضات حول القانون الانتخابي. ويضيف «الخطر الأكبر في تأخر حصول الانتخابات يتمثل بتصاعد حدة النبرة الخطابية، وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية، والذي من الممكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع الامني وخصوصا إذا ما شعر أي مكون بوجود محاولات لتهميشه سياسيا».
بيتر كوهاريس، الخبير في مركز «كوهاريس للحلول العالمية» ومركزه في واشنطن، يقول لـ «السفير»، «كالعادة في العراق، فان الوضعين السياسي والأمني متداخلان بحدة. وكلما فشلت العملية السياسية في حل الخلافات أو ظهرت على أنها غير عادلة بحق مكون على آخر، زادت حدة عدم الاستقرار، وهذا يعني من جهة ثانية أن الحكومة ستظهر على أنها ضعيفة أو حتى غير قانونية، وسيؤدي هذا إلى دعم اقل للحكومة او العملية الديموقراطية بالاجمال، ما سيؤدي الى تقليل قدرة الحكومة في الحصول على تنازلات او التوصل الى تسويات مع قيادات الاحزاب المختلفة. وهذا الامر سيجعل من الصعب على قادة الاحزاب السيطرة على العناصر المتشددة لديها، كما انها ستؤدي الى تصعيب مهمة الحكومة للقيام باجراءات امنية مشددة».
واضاف «من وجهة نظر امنية، فإن الصراع حول قانون الانتخابات ادى الى اغضاب اطراف مهمة من الشعب العراقي، وليس اقلهم السنة. ان تأجيل الانتخابات قد يؤدي الى اشعال المزيد من الشعور باليأس لدى غالبية اللاعبين. وكلما ظهر ان العملية السياسية لا تعمل كلما استثمر المتشددون عدم الرضا الشعبي. واذا كان هناك شك في شرعية الحكومة، اذا انتهت مدة ولايتها، قبل اجراء الانتخابات، فان هذا الامر سيؤدي الى مزيد من زعزعة الامن. لكن هذا الامر يعتمد على كيفية تقسيم المقاعد النيابية، وما اذا كانت نتيجة لتسوية جيدة، وما اذا كان هذا الامر سيؤدي الى دعم شعبي افضل، لهذا فإنه قد يكون لتأجيلها نتائج سياسية وامنية افضل على المدى الطويل، لكن المخيف هو ان مواقف الاحزاب المختلفة اصبحت اكثر تشددا».
وعما اذا كانت عملية تأخير اجراء الانتخابات ستؤدي الى تغيير في خطط واشنطن للانسحاب، تقول اوتاواي ان «الجنرالات الاميركيين يقولون ان لديهم الوقت حتى اواخر الربيع، ويمكنهم تأخير عملية الانسحاب قليلا. بعد ذلك، فهم يحتاجون الى بدء عملية سحب القوات بشكل سريع، وهذا يعني ان الانتخابات ستجرى بأمن أقل».
من جهته، يعتبر علي ان «خطة الانسحاب ماضية ولا تزال قائمة، لكن من المرجح أن تتغير قليلا بسبب التأخير في موعد الانتخابات. ويمكن للخطة أن تتأثر ايضا اعتمادا على نوعية العملية الانتخابية من ناحية عدالتها ونزاهتها وخصوصا أهمية حصول تداول سلمي للسلطة بعد اعلان النتائج. لهذه الاسباب فقد أعربت القيادات العسكرية الاميركية في العراق عن وجود مرونة في الجدول الزمني والعملياتي لعملية الانسحاب».
اما كوهاريس فيعتقد انه «ما شيء اقل من الانهيار الكامل للوضع الامني وعودة العنف الطائفي كما كان في العام 2007 سيؤدي الى تغيير في خطط واشنطن للانسحاب. وعلينا ان نتذكر ان القوات الاميركية انسحبت من المناطق المدنية الرئيسية، وسيكون من الصعب جدا على أي طرف عراقي، خصوصا الحكومة الحالية، ان تطلب من الولايات المتحدة البقاء لوقت اطول، وان تعود وتتورط مباشرة في القضايا الامنية، وهو امر سيعتبر مهينا للعراقيين، كما انه لن يكون هناك دعم كبير في الولايات المتحدة لهذا الامر، خصوصا بعد اعلان الرئيس الاميركي باراك اوباما ارسال 30 الف جندي اميركي الى افغانستان».
وعما اذا كان يمكن القول ان هذه الانتخابات ستغير من العلاقة بين الطوائف العراقية، لان غالبية السنة الذين قاطعوا الانتخابات الماضية في العام 2005 سينتخبون الآن، تقول اوتاواي «ليس بالضرورة، لسببين: الاول انه حتى لو انتخب السنة باعداد كبيرة، فانهم لا يزالون اقلية. والثاني هو ان الاحزاب السنية منقسمة بشكل كبير، كما انها غير منظمة بشكل كبير، ولهذا فإن الاصوات السنية ستنقسم بشكل حاد».
علي يناقض اوتاواي الرأي. ويقول «نستطيع قول هذا. ومن الممكن ملاحظة وجود بوادر التغيير، رغم انه اسمي وليس حقيقيا، في العلاقات بين الشرائح المختلفة للشعب العراقي من خلال تفحص القوى المكونة للائتلافات الانتخابية الموجودة حاليا. فمعظم تلك التحالفات حاولت تطعيم تشكيلاتها بأحزاب من جميع المكونات. اضافة لذلك فإن المشاركة المكثفة والمتحمسة للقوى العراقية السنية في الانتخابات المقبلة من شأنها أن تعزز من تمثيلهم في مراكز القرار السياسي وتساعد على اعادة تشكيل العلاقات على مستوى الشارع العراقي. لكن هذه الخطوة سوف تمثل بداية متواضعة نظرا للحاجة الماسة لعملية شاملة تساعد على اعادة بناء الثقة بين مكونات العراق المتنوعة».
كوهاريس يأمل ان «يحصل هذا الامر بطريقة ايجابية»، موضحا ان «العراق يواجه تحديات هائلة، وهناك الكثير من القضايا التي لم تحل كان يجب على الولايات المتحدة ان تعالجها مع العراقيين منذ سنوات. لكن ما يجب على العراقيين ان يفهموه هو انه بالرغم من ان الانتخابات مهمة وقد يكون لها تاثير هائل على وجهة البلد، فلا شيء ثابتا. كل انتخابات تقدم فرصة جديدة لتغيير الوجهة. ان العلاقات بين الاحزاب والمحافظات مع الحكومة المركزية ستتواصل نتيجة للانتخابات والاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية. وهكذا هل ستغير الانتخابات من هذه العلاقات؟ بالتأكيد، لكن ليس بشكل دائم. ان الامر الرئيسي الذي يجب علينا تذكره هو انه عبر الموافقة على العملية الانتخابية ونتائجها على انها حرة ونزيهة، فانه حتى الذين يخسرون في انتخابات، سيؤثرون على المستقبل».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018