ارشيف من :أخبار عالمية
الاليات الادارية والاجرائية التي تتبعها "إسرائيل" في عملية تهويد القدس وضمها (*)
عزمي بشارة / موقع عرب48
1- اختراع مفهوم القدس غير القابلة للتفاوض بتحويل القداسة إلى مفهوم سياسي.
2- تتبع الرواية التاريخية التوراتية في كل حي وجبل وكهف في القدس بحيث تعاد تسميته ويستهدف للاستيطان واعتبار سكانه ضيوفاً تمهيداً للتضييق عليهم وطردهم.
3- توسيع حدود المدينة لكي تشمل القداسة “الإسرائيلية” المحتكرة وغير القابلة للتفاوض أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
4- مصادرة الأرض من العرب وبناء المستوطنات.
5- تقليل عدد السكان العرب بالتهجير، وباعتبارهم مهاجرين دخلوا “إسرائيل”، ومصادرة “بطاقات الهوية”، كما تسمى في “إسرائيل” وثيقة الإقامة الدائمة في المدينة، بموجب قانون الدخول الى “إسرائيل".
6- فصل المدينة عن بقية الضفة الغربية بواسطة تغيير مكانتها القانونية، وتمييز مكانة سكانها عن باقي مناطق الضفة، وببناء حزام استيطاني حولها، ومؤخراً أيضا بواسطة الجدار العازل المحيط بالقدس والمسمى بالعبرية “غلاف القدس".
منذ عام 1917 اعتبرت الخارطة الهيكلية البريطانية غربي القدس منطقة نمو وتطوير، في حين اعتبرت المناطق الواقعة شرقي المدينة خارج الأسوار مناطق بناء محدود، أما البلدة القديمة داخل الأسوار فقد حظر فيها البناء. وقد باشر الانتداب البريطاني بضم مستوطنات يهودية الى القدس. أي أن فكرة توسيع المدينة لتشمل سكاناً يهوداً بأعداد أكبر، ومساحات بسكان عرب أقل قائمة منذ تلك الفترة. فقد ضم الانتداب عام 1947 كلاً من مستوطنة "بيت هكيريم" و"رمات راحيل" الى المدينة. وكانت وما زالت تبعد 4 كم عن البلدة القديمة. في حين تركت قرى عربية متاخمة لأسوار البلدة القديمة مثل سلوان والطور وصور باهر كقرى خارج الخارطة الهيكلية للمدينة، أي خارج تعريف المدينة.
وطبعا وسّعت “إسرائيل” المدينة في ما بعد لتصل إلى حدود بيت لحم جنوباً ورام الله شمالاً. وباتت القدس هي الخارطة الهيكلية للقدس، أو مناطق نفوذ بلدية القدس. وخلط هذا كله بموقع أورشليم التوراتي، الذي كان اليهودي يختم صلاته به “إذا نسيتك يا اورشليم تنساني يميني”. فهل كان المقصود قدساً سماوية تلتقي مع الأرض في يوم الدينونة، أم المقصود أورشليم أرضية غير معروفة الموقع، ويصعب تحديد اين كانت، إذا كانت؟ لا ندري. ولكن بالتأكيد لم يكن المقصود منطقة نفوذ بلدية القدس، كما تتحكم بها الائتلافات الحكومية المختلفة في “إسرائيل” منذ الاحتلال.
فور انتهاء معارك حرب يونيو/حزيران 1967 أعلن رئيس الحكومة ليفي أشكول عن توحيد شطري القدس. ولكن الإعلان لم يجر بالصراحة التي تتم فيها المجاهرة والمفاخرة بالقدس الموحدة في أيامنا. فقد كانت “إسرائيل”، وما زالت متهيبة من أثر هذا الضم على الساحة الدولية. كما عارض أربعة وزراء من التحالف العمالي “المعراخ سابقاً” عملية الضم باعتباره قد يشكل عائقاً أمام السلام. وقد أصر بيجن الذي كان وزيراً في حكومة الوحدة الوطنية تلك على الكلام جهارة عن توحيد القدس. ولكن كانت هنالك خشية من استفزاز المشاعر العربية والإسلامية والمسيحية أكثر مما ينبغي بعد هزيمة. هنا نجد الفن والمهنية “الإسرائيلية” في الصياغات التي تبدو إجرائية وجافة ومحايدة وعديمة الضرر. فكيف بدا نص القرار؟ هكذا قررت الحكومة “الإسرائيلية” في جلستها من يوم 27 يونيو/حزيران 1967 التي ضمت فيها القدس الشرقية إلى “إسرائيل” في مخالفة صريحة قائمة على القوة لما يسمى القانون الدولي، الذي يحظر ضم الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها بالقوة: “إن تلك المساحة من أرض “إسرائيل” التي سيتم توصيفها في الملحق سوف تعتبر مناطق تطبق فيها أحكام القوانين والقضاء والإدارة النافذة المعمول في الدولة”. طبعاً لن تجد في القرار كلمة القدس. وكل ما تجده في الخرائط الملحقة هو قطاعات صغيرة ملونة تدل على المناطق التي سوف يطبق عليها القانون “الإسرائيلي”. ولن تجد كلمة القدس حتى في كلمة وزير العدل يعقوب شابيرا أمام الكنيست التعليلية لهذا المرسوم. لم يكن العناد ولا التباهي “الإسرائيلي” بشأن القدس قائما في حينه. ويبدو أنه ازداد مع مرور الزمن، وتناسب عكسياً مع الرغبة أو القدرة العربية على فعل شيء، وطردياً مع تلون ونفاق ما يسمى إيديولوجيا بالمجتمع الدولي.
وصادقت الكنيست على مرسوم الضم الحكومي. واكتفت بإدخال تعديلات على إجراءات الحكم والقضاء، المادة 11 (ب)، وكذلك على قانون البلديات بما يتلاءم وهذا المرسوم. في تلك الفترة كانت “إسرائيل” تبخل بالكلام، ولكنها كانت تخطط وتعمل وتصادر الأرض وتقيم المستوطنات. وكانت بموازاة ذلك وما زالت تدخل السكان العرب المحليين في متاهات العدالة والقوانين “الإسرائيلين”، حيث يصنع الإجراء بحد ذاته خبراً، أما النتيجة فدائما لصالح من يصادر الأرض. والنتيجة لا تصنع خبراً، فهي لا تدل على ديمقراطية “إسرائيل”. دولة الاحتلال تصادر بموجب قوانين، وهي نفسها التي وضعت القوانين التي تصادر بموجبها، وتهدم بموجبها البيوت، وتغير تضاريس المكان والسكان. ولكن في غياب أي فعل عربي وأي استراتيجية مواجهة بعيدة المدى، كما هي استراتيجية التخطيط “الإسرائيلية”، تحتكم الضحية لقوانين وضعها الفاعل.
يوم 30 يوليو/تموز ،1980 أي في عهد حكومة بيغن، أقرت الكنيست قانون أساس (أي بالعربية قانون دستوري) هو قانون “القدس الموحدة عاصمة “إسرائيل”” الأبدية. (ولنترك جانباً للحظة ذلك “الأبد” الذي تحوله “إسرائيل” كما تحول “التاريخ” إلى موظف أو مراسل عندها). كان بيغن قد طالب بمثل هذا القرار منذ أن ضُمت، وذلك بعد توقيع أول اتفاق سلام مع دولة عربية هي أكبر دولة عربية. وعلى إثر هذا القرار وُسعَت مساحة القدس البلدية من 5 .6 إلى 71،2 كم.
وفي العام 1993 جرى توسيع مدينة القدس مرة أخرى إلى 130،2 كم وفي العام 2005 أقرت الحكومة “الإسرائيلية” مخطط مدينة القدس حتى العام 2020 ويشمل أحياء استيطانية جديدة ومرافق وسكك حديد وشوارع ومناطق خضراء، وبتوسيع لمساحتها قدره 40% إضافية. وفي هذه الأثناء تحولت القدس الشرقية إلى مجموعة أحياء عربية تفصلها مستوطنات عن بعضها، ويحيط بها ما يقارب عشر مستوطنات. وشارك في هذا الجهد إضافة للدولة ولبلدية القدس مؤسسات يهودية عالمية وصناديق تمول شراءَ الأرض والمنازل حيث تصعبُ المصادرة، وجمعيات يهودية تخترق الأحياء العربية بيتاً بيتاً، وذلك بمتابعة أصحاب البيت المتوفين وورثته الموجودين في الخارج، وبتزوير الوثائق والإغراء المالي وغيره. لقد واجه سكان القدس العرب من دون مؤسسات حقيقية شبكة من المؤسسات القوية الغنية وطويلة النفس. وبقيت لجنة القدس التي أقامتها منظمة المؤتمر الإسلامي بعد الاعتداء على المسجد الأقصى بالحرق منصة للخطابات والبيانات . وحتى هذه شحت في الآونة الأخيرة.
بين الأعوام 1948- 1967 صادرت “إسرائيل” الأراضي المملوكة من قبل عرب في القدس الغربية والبالغة 40% من مساحتها بموجب قانون أملاك الغائبين، الذي صادر أملاك العرب وجعلها في عهدة القيم على أملاك الغائبين. وهم المغيّبون المشرّدون في الحقيقة. وبعد عام 67 صادرت “إسرائيل” الأرض في القدس الشرقية. وما زالت تصادرها لبناء مستوطنات قسمت أحياء المدينة في شرقي القدس بمستوطنات مثل “رمات إشكول” وال”جفعاة تسرفتيت”، و”هار هتسوفيم”، و”نفي يعقوب”، و”جيلو” وغيرها، وفي الموجة الثانية لغرض بناء مستوطنات تحيط بالقدس الشرقية من كل جانب مثل: "بسجات زئيف" و”متسودات زئيف”، و”هار حوماه”، و”معاليه أدوميم”، و”عطروت”. وتفصلها عن باقي الضفة الغربية، بما في ذلك من تقطيع لأوصال الضفة كلها إلى قسمين، شمال وجنوب، يصعب التواصل بينها. وقد جرت هذه المصادرات بموجب قانون المصادرة لأغراض المنفعة العامة من العام 1953.
وفي ظل الإيديولوجية الصهيونية يشكل بناء المستوطنات مصلحة عامة تبرّرُ مصادرة الأرض ممن لا يستفيدون منها بل تقوم المستوطنات على أنقاض منفعتهم العامة، لتعلّمك “إسرائيل” أن القانون يمثل إيديولوجية، ويخدمُ مصالح وأهدافاً سياسية. وحتى لو تصرف القانونيون وكأن وظيفتهم غير سياسية. فهم سياسيون، ولكنهم سياسيون على سكة محددة، يسيرون عليها، لا يرون ولا يسمعون ما حولها. إن تفسير القانون الذي سن لأهداف سياسية، والمرافعة بموجبه، والحكم بحسبه بشكل “موضوعي ومحايد”، هي نشاطات سياسية لا موضوعية ولا محايدة. وعندما تسلم المحكمة “الإسرائيلية” العليا بمثل هذه القوانين، وتحكم على أساسها فإنها لا تحكم بحيادية ولا بموضوعية، بل تحكم كمحكمة احتلال “إسرائيلية” هي أداة رئيسية في تبرير وتغطية وتنفيذ عملية الأسرلة والتهويد وإزالة العوائق من طريق الاحتلال والاستيطان.
منذ العام 67 استولت “إسرائيل” على 85% من أراضي القدس الشرقية التي كانت تحت الحكم الأردني بفعل قوانين تملّك ومصادرة مختلفة. وقد تواطأ القانون والقضاء “الإسرائيليان” منذ ضم القدس في واحدة من أكثر عمليات الخداع القانوني فداحة في التاريخ. فقد وافقت المحكمة العليا “الإسرائيلية” بمجرد الضم أن يتم التعامل مع عرب هذه المدينة، سكانها الأصليين أباً عن جد، وأصحاب البيوت والأملاك فيها، وكأنهم قد دخلوا إلى “إسرائيل” كمهاجرين لتوهم. وموعد هجرتهم الى “إسرائيل” هو يوم ضمت القدس إليها. وبما أن القدس وبيوتهم نفسها صارت جزءاً من “إسرائيل”، فإنهم يعتبرون بسحر الفقه القانوني، في لحظة واحدة، وبين ليلة وضحاها وكأنهم دخلوا بيوتهم ذاتها كمهاجرين. وهكذا قررت المحكمة في قضية الدكتور مبارك عوض أن الولادة في القدس لا تمنح المواطن العربي إقامة فيها بالضرورة، ولا تمنع إبعاده عن المدينة بسحب إقامته المسماة في “إسرائيل” “بطاقة هوية”. وبموجب قانون الدخول الى “اسرائيل” يُمنَحُ المهاجرُ إقامةً، ولكن في حالة حصوله على إقامة في بلد آخر، أو في حالة حصوله على جواز سفر آخر، او في حالة مكوثه خارج البلاد لمدة سبع سنوات فإنه يخسر كمهاجر إقامته في البلاد. (وفي هذه الحالة يخسر الإقامة في بلده). هكذا بدأت عملية تطهير إثني لسكان القدس. وقد بلغ عدد المقدسيين الذي حرموا من بطاقة الإقامة في بلدهم في العام 2008 وحده 4577 مواطناً.
ومؤخرا في مايو/أيار 2006 وافقت المحكمة العليا أيضاً على قانون بدأ كمرسوم يتجدد سنوياً، ثم تحول الى قانون لا يَمنَحَ بموجبه الزواجُ من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الحق بلمّ الشمل والإقامة في “إسرائيل” بما فيها القدس، أي ان المقدسي أو العربي من الداخل الذي يرتبط بابنة شعبه او التي ترتبط بابن شعبها برابطة الزواج يجب عليه أن يغادر القدس عملياً إذا إراد أو أرادت العيش مع العائلة.
وقد اتخذ القرار ببناء الجدار العازل حول القدس بطول 88 كم في اللجنة الوزارية لشؤون القدس يوم 11 مايو/ايار ،2002 وفيما عدا فصله للبيوت عن بعضها، وجانب من الشارع عن الجانب الآخر حرفياً، وإلغاء شوارع تاريخية مثل شارع القدس- رام الله، وتحويل أحياء وقرى بكاملها الى معازل، فإن الجدار أخرج من القدس 80 -90 ألف عربي من حملة بطاقة الهوية المقدسية أو “الإسرائيلية”.
وأخيرا يوم 11 مارس/آذار 2008 قررت الحكومة “الإسرائيلية” تسجيل عقارات فلسطينية في الطابو باسم اليهود الذين استولوا عليها من الحي المسمى مقدسياً باسم “حارة الشرف” وهو الملاصق لحائط البراق ويتاخم الحرم. لقد شرد سكان هذا الحي، وهجروا من بيوتهم لإقامة ساحة الصلاة عند حائط المبكى أو الحائط الغربي للهيكل كما يسميه اليهود، ولتوطين اليهود لإعادة مجال الحي اليهودي. وأصبح اسم هذا القسم من البلدة القديمة داخل الأسوار “الحي اليهودي”. وجرى مضاعفة مساحته عدة مرات. ولكن مع عملية التسجيل بالطابو حوّلت الأملاك المصادرة الى ملكية خاصة للسكان اليهود كأفراد، وذلك في سابقة تتكرر حالياً في عملية خصخصة أملاك الغائبين، اي أملاك اللاجئين داخل المناطق التي احتلت عام 1948، وذلك في تصفية قضية اللاجئين والقدس حتى من الناحية الشكلية. إذ أن “إسرائيل” تقوم ببعثرتها الى قضية ملكيات خاصة لأفراد مواطنين، بعد أن كانت أراضي دولة تعار لمواطنيها اليهود إعارة ولو لمدد 49 و99 عاماً. ولكن هذه الخصخصة تتم بحماية الدولة وبتخطيطها. هذه الخصخصة هي مشروع عام لتصفية ما هو عالق مثل قضية أملاك اللاجئين ومصير القدس الشرقية.
ولكن الخصخصة التي تقوم بها الأنظمة العربية هي ترك فلسطين للفلسطينيين، وما تقوم به السلطة الفلسطينية هو ترك القدس للمقدسيين ليصبحوا كالأيتام على موائد اللئام.
ومن هنا لا بد من قلب المعادلة. لكي تصبح كل القدس هي حرم شريف وكل فلسطين هي قدس، ولكي تكون القدس وفلسطين قضايا الأمة بأكملها وليس قضية الفلسطينيين وحدهم.
يصبح المنزل المعرض للهدم قضية كل المقدسيين إذا كانت القدس قضية الفلسطينين، وقضية فلسطين هي قضية العرب، وهو نفس النهج الذي لا يترك الفقر للفقراء ولا المرض للمرضى ولا التعليم للأهل وحدهم، إنه نفس النهج الذي يبني أمما وشعوباً. تكتسب قضية القدس هنا رمزية من نوع آخر تماماً.
(*) مقتطف من مقالة "حول القدس بايجاز شديد"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018