ارشيف من :أخبار عالمية
قراءة في الخطة الأميركية الجديدة للتسوية على المسار الفلسطيني
حسان ابراهيم
تعتبر الخطة الاميركية لاستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني، كما اعلن عنها اخيرا من قبل وسائل الاعلام الاسرائيلية، اشارة الى توجه الادارة الاميركية نحو محاولة انهاء احد مكامن التوتر القائمة في المنطقة والتي ترى انها تشكل عامل حيلولة دون قيام اصطفاف عربي ودولي و"اسرائيلي"، لمواجهة ايران، في مرحلة حساسة جدا من الكباش الغربي الايراني، على خلفية برنامج طهران النووي.
ويمكن للادارة الاميركية ان تكتفي، بناءً على هذا الهدف، بكل ما يمكّنها من تحريك ملف التسوية مع الفلسطينيين، حتى من دون الوصول الى نتائج حقيقية، او ان يظهر مسار التسوية بانه وجد طريقا فعليا للحل، بل ويكفيها ان يجلس المتحاورون الى طاولة المفاوضات، دون الالتزام بأي شيء حقيقي وفعلي على ارض الواقع، وهذا ما تظهره رسالات الضمانات الموجهة اميركيا الى كل من السلطة الفلسطينية والكيان الاسرائيلي، وما تحملانه من تناقضات.
على اي حال، هل تقوى الخطة الاميركية ببنودها المعلنة والمسربة من خلال الصحافة الاسرائيلية، على ايجاد حلول للتسوية المتعثرة بين الفلسطينيين و"إسرائيل".. سؤال يتشعب إلى سؤالين متصلين: قدرة الطرفين على الوصول الى حلول للقضايا التي تسمى بقضايا الوضع الدائم، والقدرة على تنفيذها في نفس الوقت، وكلا المطلبين مرتبط بعضهما ببعض، فالحل دون تنفيذ يشبه حلول اتفاقية اوسلو وما تبعها من اتفاقيات مشابهة على مدى العشرين عاما الماضية، دون ان تؤدي من ناحية فعلية الى تحريك الاحتلال عن مكانه.
لجهة الفلسطينيين
خلال الفترة الماضية، وتماشيا مع الادارة الاميركية وطلباتها المتكررة من اسرائيل بتجميد الاستيطان كمقدمة للشروع في المفاوضات مع الفلسطينيين، اقدم ابو مازن على رفع السقف كثيرا، واشترط بدوره وقف الاستيطان كشرط لازم لا رجوع عنه قبل الجلوس الى الطاولة، لكن ضعفه واصرار الاسرائيليين، اديا الى تمييع هذا المطلب، وتغيير في المطلب الاميركي، لكنه كان قد ذهب بعيدا في عباراته حتى ان الشارع الفلسطيني سينظر الى تراجعه عنها كرسالة ضعف اضافية، تضاف الى رصيده المتعثر، في مقابل صبر ومنعة حماس في قطاع غزة.
من ناحية ثانية، يشير منطق ابو مازن وسوابقه، الى امكان تراجعه امام الضغوط، مع قليل من حفظ ماء الوجه، اذ يدرك ان لا حياة لمنطقه امام منطق المقاومة الا بالمفاوضات مع الاسرائيليين، وصولا الى اي نتيجة.. وهذا ما امّنته الخطة الاميركية الجديدة للبدء بالمفاوضات، من خلال الحث المصري والدول العربية "المعتدلة" التي ستؤمن له غطاء او سلّما لينزل عن الشجرة المرتفعة التي صعد عليها نتيجة لمواقفه السابقة، والتي لم تنسها الاذن الفلسطينية بعد.
معنى ذلك ايضا، ان مسألة الجلوس الى طاولة المفاوضات ستكون سهلة، برغم ما تحمله من تناقضات لجهة مواقف عباس، وبالتالي لن يكون من الصعب التقدير بأن الطرف الفلسطيني سيجلس الى الطاولة وسيترأسه بالفعل ابو مازن، في المفاوضات المقبلة، والمقدرة ان تبدأ في المرحلة المقبلة، مع الاسرائيليين.
لكن ما الذي ستحمله المفاوضات من نتائج، وهل يمكن لابو مازن، في حال توصلت اليها، ان ينفذها ويُمِرَّها لدى الجمهور الفلسطيني؟ انه سؤال يرتبط بمدى القدرة الفعلية على تحقيق هذه النتائج بشكل اساسي.
المطروح على السلطة الفلسطينية، بحسب الخطة الاميركية، اقرار للواقع "الحدودي" القائم حاليا بحسب خريطة المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، اي اقرار من السلطة الفلسطينية بأن الاستيطان شرعي، وان كل ارض جرى استيطانها والاستيلاء عليها من قبل جيش الاحتلال، وتحديدا بما يشمل الكتل الاستيطانية الكبرى الثلاث التي تضم معظم المستوطنات، سوف تضم الى "اسرائيل". كما تعني الخطة الاميركية الحالية وجوب الوصول خلال تسعة اشهر الى تعيين ما تبقى من ارض فلسطينية كجزء من الدولة الفلسطينية العتيدة، على ان يصار الى الاتفاق على اراض بديلة موازية للكتل الاستيطانية من ناحية جغرافية، اكبر الظن ستكون ارضا صحراوية قاحلة غير قابلة للحياة، ولا تريدها "اسرائيل"، وموجودة بالقرب من قطاع غزة، مع تأجيل ـ بطبيعة الحال ـ تسليمها للسلطة، لان غزة "محتلة" من "الارهاب الفلسطيني".
اما لناحية القدس واللاجئين، فتؤجلان الى ما بعد ذلك، على ان تحدد النتائج التي يتوصل اليه الطرفان في المرحلة الاولى (الحدود) ، كيفية البدء بتناولهما، مع اصرار اسرائيلي مسبق ومنذ الان على ان هاتين المسألتين غير قابلتين للتفاوض، بأي شكل من الاشكال.
يُنزع بموجب الخطة وبموجب الضمانات المقدمة من الادارة الاميركية لاسرائيل، حق السيادة على المجال الجوي الفلسطيني، حق السيادة على المعابر الحدودية وبين المناطق الفلسطينية، وحق العبور من والى القطاع من خلال المعبر الذي سيتحدد لاحقا بعد سقوط حماس مع الضفة، كما ينزع عن الفلسطينيين الحق بالمياه الجوفية كون معظمها يقع تحت الكتل الاستيطانية الكبرى، اضافة الى كون الدولة الفلسطينية مجردة من السلاح، الا بما يخدم ضرب الفلسطينيين ومنعهم من مواصلة مقاومتهم.
معنى الخطة الاميركية، اذا توصلت الى نتائج يجري التصريح عنها بالفعل سلفا، انه مطلوب من ابو مازن ان يقر للاسرائيليين، ويحتفل معهم ايضا، بضمهم للمستوطنات القائمة وتقطيع اراضي الضفة وتأجيل الحديث عن القدس وعن اللاجئين، اضافة الى تحديد دويلة منزوعة السلاح وغير قابلة بمعناه الخاص ان تكون دولة، وبرغم كل ذلك عليه ان يحتفل مع الاسرائيليين بانتهاء النزاع معهم، وعدم تجديد المطالب بأي حال من الاحوال.. بمعنى اخر، انهاء القضية الفلسطينية من دون مكاسب، والابقاء على كل مكاسب الاحتلال كما هي قائمة حاليا، من ناحية عملية.
اصل النتيجة المتوخاة من الخطة الاميركية، تشير الى رد فعل الشعب الفلسطيني، سواء رضي ابو مازن بها او لم يرض، ومن المقدر ان تلقى مصير الاتفاقات السابقة، حيث لا بيئة فلسطينية ملائمة لتنفيذها وامرارها، ما لم يُعمل على كسرها بالقوة العسكرية.
من ناحية الاسرائيليين
تعتبر الخطة الاميركية، اذا تحققت كما هو معلن عنها، نصرا للاحتلال ومنطق الاستيطان الاسرائيلي وفرض الارادة السياسية الاسرائيلية على الفلسطينيين. لم تكن اسرائيل لتحلم في يوم من الايام ان تصل الى حل للقضية الفلسطينية على هذا النحو، مع الاحتفاظ بكل فوائد الاحتلال للارض الفلسطينية، ومن دون دفع اي اثمان حقيقية حيالها، اي المحافظة على الارض المصادرة، وما فوقها وتحتها، وتأجيل شبه دائم بعد قيام ما يسمى بالدولة الفلسطينية لقضية القدس وللاجئين.
من الصعب ان تجد حكومة في اسرائيل، وحتى الحكومة اليمينية الحالية، صعوبة في إمرار تسوية كهذه امام جمهورها، بل ليس صعبا على رئيس الحكومة الحالية، بنيامين نتنياهو، ان يسلّك حلا كهذا، برغم امكان وجود بعض القوى المتطرفة والمغالية في تطرفها، الا ان لهذه المسألة حلولا اسرائيلية، اثبت في الماضي ان هناك قدرة على معالجتها، وبدائل اليمين الاسرائيلي، المتطرف تحديدا، موجودة وفي متناول يد نتنياهو، وتحديدا في حزب كاديما، الذي سيكون رهن اشارة الاميركيين لدخول الائتلاف ومساندة توجهات التسوية كما هي مطروحة.
برغم كل ذلك، فان الخطة الاميركية تسير على حد السيف، وستواجهها عقبات، اكثرها بروزا في الجانب الفلسطيني. فهل يقوى ابو مازن على امضاء تسوية مشابهة، وإن مضى عليها، فهل بامكانه ان يُمِرَّها، وخاصة في ظل وجود معارضة حقيقية لا يقوى عليها.
من المبكر الحديث عما ستحمله الايام، لكن في حال وصول الاطراف الى تسوية بناءً على الخطة الاميركية المعلن عنها حديثا، فان الاخطار على المنطق المقاوم ستزداد، ليس لجهة الضغوط الاحادية، بل ومن الدول العربية نفسها التي تزايد على اسرائيل في هذا المجال، والحديث هنا لا يتعلق بضغوط اقتصادية او مادية، بل وبضغوط قد تصل الى حد تفعيل خيارات عسكرية عربية، او عربية اسرائيلية مشتركة ضد قطاع غزة، وفرض الارادة السياسية " التسووية" بالقوة العسكرية على الفلسطينيين.. برغم ان الحديث عن ذلك ما زال مبكرا، ومبكرا كثيرا ايضا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018