ارشيف من :أخبار عالمية

خاص "الانتقاد.نت": "بين الجدار الفولاذي ومنع قافلات الإغاثة: أين يقف النظام المصري؟"

خاص "الانتقاد.نت": "بين الجدار الفولاذي ومنع قافلات الإغاثة: أين يقف النظام المصري؟"
يدور الآن في أذهان الوطنيين المصريين سؤال واحد... هو سؤال بسيط، والإجابة المنطقية عليه مؤلمة وقاتلة. السؤال هو ما الذي استفادته مصر من الأحداث التي سبقت مرور قافلة شريان الحياة إلى غزة؟ وما الذي استفادته من قمع أكثر من 1400 ناشط من المرور إلى غزة؟


المعقول أن تهب مصر للدفاع عن فلسطين باعتبار أن فلسطين عمق مصر الاستراتيجي كما أننا أبناء شعب واحد وأمة واحدة، مرتبطين بروابط عروبية ودينية وأخوية، وذلك كما تعلمنا من اللحظة الأولى لدخولنا المدرسة، لكن ما يحدث الآن بين مصر والفلسطينيين شيء يدعو إلى الألم والحسرة. والانسان سواء الفلسطيني أو المصري يكاد لا يصدق أن هذه الأحداث تجري على أرض مصر أم الدنيا. فالحدثان... سواء منع مرور القافلة، أو قمع الناشطين كلاهما مر ومهين، ولا يليق بمصر أن تلعب دورًا من شأنه أن يحط من قدرها كأخت كبرى للدول العربية خاصة فلسطين.


وكانت القنوات الفضائية قد بثت اشتباكات بين الأمن المصري وقافلة شريان الحياة 3 في ميناء العريش، وتسابق كلا الطرفين بالقول إن الاعتداء قد حدث من الجانب الآخر، ‬وبدت الحكومة المصرية متعسفة ومصرة على عدم دخول القافلة وتعطيلها من المرور إلى قطاع‮ ‬غزة. وتصاعد الخلاف بسبب اعتراض مصر على دخول حوالي خمسين سيارة،‮ ‬لا تحمل مؤنًا أو مساعدات من معبر رفح؛‮ ‬بحجة أن معبر رفح مخصص للأفراد وللمساعدات الطبية وأن مصر ليس لديها مانع من إدخال هذه السيارات عبر أحد المعابر التي يشرف عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي‮... في الوقت الذي رفض فيه النائب البريطاني جورج جالوي -الذي أخبرته الخارجية في وقت لاحق بأنه شخص غير مرغوب فيه في مصر- الذي كان يقود المفاوضات مع مسؤول أمني مصري كبير،‮ ‬وأبدى مخاوفه من قيام (إسرائيل) بمصادرة هذه السيارات وصمم على أن تمر السيارات من معبر رفح.


ولأن المسؤولين المصريين كعادتهم غير قادرين على إدارة أي أزمة تواجههم؛ بالإضافة إلى تعنتهم والتوتر السائد لدى أعضاء القافلة فقد انفجر الموقف، ‬وخرج المئات منهم عن شعوره وراحوا يقذفون الجنود بالحجارة ويفتحون البوابات عنوة، ‬مما اضطر رجال الأمن إلى التعامل معهم بالقنابل المسيلة للدموع والحجارة أيضًا، كما شاهدنا جميعًا.‬


في هذا الوقت لعبت تركيا تلعب دورًا لإنهاء الأزمة؛ خاصة أن من بين المشاركين في القافلة عددًا كبيرًا من الأتراك بينهم حوالي خمسة من نواب البرلمان على رأسهم مسؤول لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي وقد تحدث وزير الخارجية التركي إلى وزير الخارجية المصري، ‬لإنهاء هذه الأزمة والسماح بمرور القافلة‮..


‬وتوالت الأحداث... فانطلقت مظاهرة حاشدة في تركيا،‮ ‬وحاصرت القنصلية المصرية،‮ ‬وردد المتظاهرون هتافات تتهم مصر بالمشاركة في الحصار على‮ ‬غزة عن طريق الجدار ومنع القوافل الغذائية وإغلاق المعابر،‮ ‬وفي‮ ‬اليوم التالي تظاهر الفلسطينيون باتجاه الحدود مع مصر وتحديدًا بالقرب من بوابة صلاح الدين في رفح للتعبير عن استياء الفلسطينيين من اعتداء الأمن المصري على قافلة شريان الحياة‮ ‬3‮، وكانت النتيجة الحتمية سقوط ضحايا من الطرفين في أجواء مشبوهة ليس الإسرائيلي بعيد عنها.


نعود إلى السؤال في البداية... ما الذي استفادته مصر من الأحداث التي سبقت مرور قافلة شريان الحياة إلى غزة؟ نعم دخلت قافلة شريان الحياة 3 إلى غزة،‮ ‬وكان يجب أن يتم ذلك منذ البداية بدون الدخول في هذه المهاترات أو تلك. لماذا تُصر مصر على حصار القطاع؟؟ ‬إن بقاء الحصار هدفه تركيع الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بالتسوية الإسرائيلية التي لا تضمن قيام دولة أو عودة حقوق.


أما عن الشق الثاني، وهو النشطاء القادمون من جميع أنحاء العالم... حوالي 1400 ناشط من ثلاثة وأربعين دولة، لا تربط الأغلبية العظمى منهم بغزة رابطة دين ولا لغة ولا عرق ولا تاريخ.. تركوا ذويهم في مناسبة هامة، وهي عيد الميلاد المجيد، وأعياد رأس السنة، قدموا إلى القاهرة على نفقتهم الخاصة ليعلنوا للعالم اجمع ‬تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولكن يا لهول ما لاقوه.


في البداية منع تواجد أي حافلات لتقلهم إلى العريش ومنها إلى رفح، فهدد النظام المصري السائقين بسحب رخص قيادتهم، وحتى التهديد بسحبهم هم شخصيًا إلى مقار امن الدولة.


مرورًا بمنع الناشطين من التظاهر أمام سفاراتهم، وسحب جوازات السفر الخاصة بهم، والتهديد بترحيلهم، والى هذا الحد كان الأمر محتملاً؛ حتى برغم حصار مظاهراتهم أمام مقر الأمم المتحدة للسماح لهم بدخول غزة.


استنجد بعض النشطاء بقرينة رئيس الجمهورية فسمحوا لمئة فرد فقط بالدخول، ليخرج الوزير أبو الغيط بقوله: "لقد سمحنا للنشطاء بدخول غزة، أما المشاغبين منهم فلا"... هذا بالإضافة إلى نداء واضح وُجه لهم من داخل قطاع غزة "لا تحضروا"... فدخل فقط بعض النشطاء الذين لهم أقارب في الأرض المحتلة، وآخرون لتصوير بعض الأفلام الوثائقية، والذين وجدوا في هذه الفرصة فرصة لا تُعوض.

ثم حدثت الطامة الكبرى باعتداء قوات الشرطة المصرية على الناشطين أثناء تظاهرهم بميدان التحرير للسماح لهم بالمرور إلى غزة؛ فأُصيب من أصيب، وسُحل من سُحل، أمام كاميرات العالم كله، وعلى رؤوس الأشهاد.

استقبلوا العام الجديد أمام مبنى المجمع بالميدان ذاته بالشموع تعاطفًا مع غزة، وفي اليوم الأول من العام الجديد أثبتوا أن المستحيل ممكن حين قاموا بمظاهرة استمرت لساعات أمام السفارة الإسرائيلية.


وكانت النتيجة وفاة ناشطة فرنسية بسبب إضرابها عن الطعام، ورحل النشطاء الأجانب عن مصر مقررين تنظيم المظاهرات والاعتصامات وكافة أشكال الاحتجاج أمام السفارات والقنصليات الإسرائيلية في جميع أنحاء العالم في عطلة نهاية الأسبوع من 16-17 كانون الثاني/ يناير لمواصلة إحياء الذكرى السنوية للاعتداء الصهيوني الوحشي على قطاع غزة الذي استمر 3 أسابيع في العام الماضي لإظهار التضامن العالمي مع الفلسطينيين.


لقد أصبحت مصر أمام العالم هي المسؤول الأول عن حصار غزة.. بجدارها الفولاذي الذي يساهم في تشديد هذا الحصار، بدعوى أن بناء هذا الجدار هدفه (حماية الأمن القومي للبلاد)،‮ ‬دون الوعد بقرار باستمرار فتح معبر رفح،‮ ‬ولا بمطالبة (إسرائيل) بفتح المعابر الخمسة التي تغلقها باتجاه الحدود مع مصر.


كما أصبحت مصر هي المسؤول الأول عن امن (إسرائيل).. ذلك الكيان الغاصب الذي لا يرضخ للقانون الدولي، ولا يحترم قرارات الشرعية الدولية.. وذلك بهدف واحد هو أن ترضى (إسرائيل) عن النظام المصري لتمرير التوريث.


إن عدونا هو الكيان الصهيوني وأمريكا التي تساندها وتدعمها،‮ عدونا ليس فلسطين،‮ ‬فلا يجب البحث عن عدو بديل، أو استسهال أن يكون العدو فلسطين‮.

(إسرائيل) هي الرابح الأكبر، فقد وجدت بديلاً يحاصر الفلسطينيين بجدار فولاذي، أو هدم أنفاق، أو منع قوافل، بدون عناء تتحمله، وذلك مقابل ثمن بخس.. ليس هذا فقط، ولكنه أيضا غير مضمون.


"الانتقاد.نت"- القاهرة

2010-01-16