ارشيف من :أخبار لبنانية
خاص الانتقاد.نت: حكاية أبريق الزيت.. وصلت الى الصيدلية
الدواء المزور في لبنان: موت لمن يرجو الشفاء ومكسب للتجار الطامعين
نادر عز الدين
زلزال هنا وهزّة هناك، حرب هنا وقتلى هناك، احتفال هنا وعزاء هناك... أخبار تتوالى على مدار الساعة من هنا ومن هناك. كوارث طبيعية نطلق عليها ما يسمى بالقضاء والقدر، ونستند في تبريرنا إلى المشيئة الإلهية، ونتمادى في كثير من الأحيان لنقول هذا غضب من الله. صحيح فمشيئة الله سبحانه وتعالى هي التي تتحكم بما يحصل في العالم، والله على كل شيء قدير. ولكن هناك ما يسمى أيضاً بالكوارث البشرية، أي ما يسببه بنو آدم من كوارث وزلازل من نوع آخر. ولبنان يشتهر بهذه الكوارث البشرية من جبل للنفايات هنا وتلوث بحري هناك وأدخنة المصانع التي تعطر سماءنا الزرقاء وتلبسها الوشاح الأسود... ولكن هناك كارثة من نوع آخر، ليس من السهل التحدث عنها والاستطراد فيها لما تحمله في طياتها من خفايا وعقد، ونترك لكم تخيل ما يمكن أن يواجهه أي شخص يفتح ملف الأدوية المزورة في لبنان!
فمافيا الأدوية المزورة بالمرصاد دائماً، وكيف لا تكون كذلك عندما نرى أن لا قدرة لأحد في ردعها؟! ففي غفلة من المريض المسكين الذي يطلب دواءً لمداواة مرضه، يتسرّب الدواء المزوّر، الخسارة قد تقتصر في حدها الأدنى على هدر المال، ولكن أحياناً يمكن للدواء المزور أن يكون قاتلاً إن لم يتم تدارك المخاطر سريعاً، صحيح أن الدواء لا يقتل بمحتوياته بشكل مباشر ولكنه ببساطة لا يداوي المرض، ما يؤدي إلى الموت!
التوعية والمعاقبة
نقيب صيادلة لبنان ونائب رئيس الاتحاد الدولي لنقابات الصيادلة الفرنكوفونيين د.زياد نصور رأى خلال مقابلة خاصة مع الانتقاد.نت أنه يمكن الحد من ظاهرة الأدوية المزورة من خلال التوعية وتفعيل عمل السلطة التنفيذية، مضيفاً "نحن كنقابة صيادلة نقوم بعملية تفتيش في كافة الصيدليات، ونحيل أصحاب الصيدليات المتعاملين بالأدوية المزورة إلى الجهات المختصة والمتمثلة بالسلطات التنفيذية والقضائية، فنحن لا نملك سلطة معاقبتهم".
وانتقد نصور ظاهرة انتشار الدواء في غير مكانه قائلاً "إن الأدوية في لبنان ليست موجودة فقط بالصيدليات ولكنها أيضاً بالمستشفيات، المستوصفات، الدكاكين، السوبرماركت.. وهذه الأدوية يجب أن تكون حصراً في الصيدليات".
وأكد نصور وجود احتمال كبير بأن تؤدي هذه الأدوية المزورة إلى الموت، مشيراً إلى أن بعض الأدوية ليست سوى بودرة غير ضارة، ولكنها لا تشفي المرض ولا تفعل ما هو مرجو منها.
تهريب الأدوية

تجار الموت لهم طرقهم في تهريب تحفهم المميتة، وهذا ما أكده كلام نصور الذي قال "إن التهريب ينشط ويرتفع منسوبه خلال الأزمات الأمنية، لا أحد يعرف بدقة الوسائل التي يتم التهريب بها، وعمليات التهريب يمكن أن تتم عبر النقاط الحدودية الرسمية". مضيفاً "أن الأدوية المزورة تدخل من البر ومن الجو ومن البحر بكونتينرات يمكن أن تحتوي الكثير من السلع، ما يسهل عملية التهريب".
وعن إمكانية الحد من تهريب الأدوية المزورة أكد نقيب الصيادلة زياد نصور أن "الطريقة الوحيدة للحد من هذه الظاهرة هي عبر التشدد من قبل السلطات التنفيذية وإصدار الأحكام، والتنفيذ المباشر عبر إقفال أي مكان تباع فيه الأدوية المزورة". وذكر نصور أن نقابة الصيادلة بصدد التحضير لحملة توعية خاصة بالموضوع بعد نجاح الحملة التي قامت بها في شهر آب من العام 2008 برعاية وزير الصحة محمد جواد خليفة.
كارثة جديدة تحل على المرضى كشف نصور النقاب عنها تتمثل بوضع الدمغة الخاصة بالادوية الاصلية (الهولوغرام)على الادوية المزورة، وهنا يصبح الأمر مشكلاً حتى على الصيدلي، ولا يمكن بسهولة كشف الدواء المزور، فعلى سبيل المثال لا الحصر كشف نصور عن دواء amlor والذي بدأت حكايته مع اختلاف اللون في العلبة بين الاصلي والمزور، اليوم بات لا يمكن فضح التزوير فيه الا عبر كسر حبة الدواء ليظهر الجزء الابيض منها في الاصلي بينما يتحول الى الاصفر في الدواء المزور.
ما هو الدواء المزور؟
منتج صنع عن قصد ليضلل المستخدم النهائي، سواء كان مريضاً أم مسؤولاً صحياً، وهذا التعريف يسمح بالتفرقة بين الأدوية المنخفضة الجودة، فكل الأدوية المزورة جودتها سيئة، ولكن ليس كل دواء سيئ الجودة مزور. وحسب الخبرة فمن الممكن تزوير أي دواء، ويتوجه المزورون إلى حيث يوجد طلب كبير أو ربح كبير كأدوية السرطان والأيدز. وبكل بساطة إذن فإنّ الدواﺀ المزوّر يعني "لا دواء"، إنه مقلّد من الخارج تماما كالدواﺀ الأصلي ومزوّر من الداخل، أي لا يوجد داخله أي مواد فاعلة، مصنوع بقصد الغش والربح، مجهول المصدر، من دون علم السلطات الصحية، ويمكن أن يطال الجميع، فالبعض يعتبره عن جهل أنه ارخص، أو أنه لم يدفع الرسم الجمركي أو أنه مخالف لبراﺀة الاختراع، فيما هو قضية صحة عامة بامتياز.
قيل الكثير في لبنان حول الأدوية المزورة في الآونة الأخيرة، وأصدرت وزارة الصحة عشرات القرارات في السنوات الثلاث الأخيرة لسحب أدوية مزوّرة من الأسواق، والكل يدرك أن المكافحة المرتجاة تحول دونها عقبات كثيرة ترتبط بمجمل تعقيدات الوضع اللبناني، فعمل وزارة الصحة الذي يتم السعي لتطويره يبقى حتى اليوم دون
القدرة على تأمين تغطية مُرضية لكل مسارب التهريب والمؤسسات المعنية به. والضغوط الممارسة من جهات مجهولة معلومة لتغطية فضيحة مستشفى هنا وصيدلية هناك تبقى لها الكلمة العليا.
تقصير من الأجهزة المختصة؟ أم وسائل تهريب يستحيل كشفها؟ استهتار بحياة المواطنين؟ أم جشع تجار لا يعرفون الرحمة؟ من يقف خلف تهريبها؟ ومن يحمي هؤلاء؟ وهل أصبحت أسماء المستشفيات والصيدليات أكثر أهميّة من حياة إنسان لا همّ له سوى الشفاء؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018