ارشيف من :أخبار لبنانية

سياسة لبنانية بالقرب من مار مارون

سياسة لبنانية بالقرب من مار مارون
غسان مسعود - الاخبار

حلب الهادئة عادة استيقظت أمس على زحمة. فمنذ الساعة السادسة صباحاً توزّع عناصر الجيش وضباطه على مفارق الطرقات ليعيدوا رسم خريطة السير في المدينة. هكذا انتشر نبأ وصول رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون إلى المدينة. ومن امتلك الخبرية كاملة صار مرجعاً في الشارع: «ليس عون فقط بل العماد إميل لحود وسليمان بيك فرنجية». سائق الأجرة يقدّر عون كثيراً، لكن نبرته تتغير حين يتحدث عن لحود: «بالنسبة إلينا نحن السوريين إميل لحود رجل عظيم».

أكثر ما يلفت في حلب هو تلك المباني القديمة التي لا تعرف البويا المتراصة، المتداخلة كأنها مجمع لا ينتهي. في شوارعها، تتداخل أصوات الجيران، يتحادثون من شرفة إلى أخرى، «سألوني الناس» تتداخل مع «عبالي»، مرة يعلو صوت السيدة فيروز فوق صوت إليسا، وأخرى تكون الغلبة لإليسا. كلما دخل الزائر أكثر يزداد الدفء. حلب المتدينة تبيع المشروبات الروحية ولا شيء يميّز أحياءها المسيحية عن أحيائها المسلمة. زحمة السير الخانقة تدفع أحدهم إلى التساؤل لماذا لا يأتي الزوار بعد المغرب؟ لكن الغريب أن الزحمة لا توتّر العالقين فيها، فلا يكاد يعلو زمور واحد، ولا يخرج غاضب من سيارته مكفهر الوجه.

فندق الشيراتون يتّكئ على وزارة الثقافة السورية التي على يساره، فيه نزل الوفدان العوني والمردي. المردة يتقدمهم النائب سليمان فرنجية والوزير يوسف سعادة وصلوا إلى حلب، أول من أمس، براً، من طريق عكار ـــــ حمص. وصلوا مساءً فلم يجروا لقاءات سياسية حتى الصباح، إذ التقوا السفير الفرنسي في سوريا (سارع الوزير فرنجية إلى إخباره أن الشبه بينه وبين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كبير جداً)، ومستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان. شعبان تركت فرنجية مع الوزير السابق ميشال سماحة لتغادر إلى مطار حلب كي تستقبل الرئيسين إميل لحود وميشال عون. لحود وعون جلسا في الطائرة كلٌّ مقابل الآخر. إلى يمين لحود النائب السابق إميل إميل لحود وإلى يسار عون زوجته.

ومن كان في الطائرة أكّد أنهما استغلا كل دقيقة في الرحلة للنقاش. شعبان عقدت خلوة سريعة في صالون الشرف مع عون، لحود والوزير جبران باسيل.
في بهو الفندق، بدا الوفد العوني الرسمي كبيراً جداً: مجموعة كبيرة من النواب الحاليين والسابقين، ضحكة مروان أبو فاضل تتنقل من طاولة إلى أخرى.

السيدة صونيا ـــــ زوجة النائب ناجي غاريوس تخبر عن تفاؤلها بنجاح هذين اليومين. أمين سر التيار الوطني الحر، طوني مخيبر، مشغول كعادته بالتأكد من حسن سير الأمور. الوزير يوسف سعادة يكشف أنه لا يعرف أيّاً من المسؤولين السوريين. عينا الوزير السابق ميشال سماحة تدققان في التفاصيل وتعطي التوجيهات إلى المنظّمين. النائب نبيل نقولا يرحّب ببعض المعجبين السوريين، والنائب حكمت ديب يتفرج بابتسامة على المشهد كله من بعيد. واللافت هنا أن الرئيس لحود ووفده الصغير نزلا في فندق آخر.

معظم زوار حلب اختاروا تناول الطعام الإيطالي لا الحلبي، قبل أن يجمعوا صفوفهم للانطلاق إلى قلعة حلب في سيارات خاصة. وحتى في الباص لا بدَّ من بعض التعليقات: يلمح النائب سيمون أبي رميا شرطياً يتجاوز وزنه مئة وخمسين كيلوغراماً فيسأل كيف سيصل حضرته إلى منزله في ظل اضطراره إلى السير، فيجيب منسّق طرابلس في التيار بأن «أمثال هذا الشرطي من يجعلون نتنياهو يعدّ للعشرة». بدوره، يقدّم النائب السابق سليم عون قراءة لتاريخ قلعة حلب، يبهرها مسؤول التيار في الأشرفية.

النائب فادي الأعور لم يستطع الانتظار حتى تفكّ زحمة السير، فنزل من الباص مع النائب وليد خوري وانطلقا سيراً باتجاه القلعة. بضع خطوات وكان الوفد العوني الرسمي كله يتبعهما.

في التوقيت الشتوي تفتح قلعة حلب أبوابها عند التاسعة صباحاً وتغلقها عند الرابعة. لكن هذه المرة تغيّر الدوام، إذ كان موعد الوصول عند الرابعة: متسلّقو القلعة استصعبوا المهمة بداية، لكن سرعان ما هانت مصيبتهم حين أخبرهم الزميل جان عزيز أنهم في الزيارة السابقة تجوّلوا مع الرئيس السوري بشار الأسد في مختلف أروقتها. الزميلة في الـ«أو تي في»، لانا مدور، تشفق على فتيان الكشافة الذين يرتدون ثياباً صيفية، فيما يُشغل المهندس العوني طوني دانيال باكتشاف ما هو حقيقي في القلعة وما قد جدّد.

قاعة العرش في قلعة صلاح الدين الأيوبي هي أكبر قاعة في حلب. في الصف الأول جلس في الوسط تماماً الرئيس إميل لحود وإلى يساره مطران حلب يوسف أنيس أبي عاد والنائب فرنجية، وإلى يمينه وزير الأوقاف السوري والعماد عون. أولى الكلمات كانت لوزير الأوقاف محمد السيّد، وهو بالنسبة إلى السوريين ابن عبد الستار السيد أحد أكثر وجهاء الطائفة السنّية تقدميّة وانفتاحاً على الحياة المشتركة. الوزير السوري أعلن باسم دولته أن منطقة براد حيث ضريح القديس مار مارون منطقة مقدّسة، وستعلن محمية أثرية، مشيراً إلى بدء التنسيق مع منظمة اليونسكو لوضعها على قائمة التراث العالمي.
 
أما مطران حلب، فأكد أن «الأخوة في هذا الوطن ليست كلمة جوفاء، بل هي حقيقة راهنة يحياها جميع المواطنين، في جميع مناحي الحياة»، شاكراً الرئيس السوري بشار الأسد على إظهاره الاهتمام منذ علم بمشروع كنيسة حلب لإظهار أماكن مار مارون. أما ختام الكلمات فكان مع الباحث غسان الشامي، الذي أخبر بعضاً مما أورده موثقاً في كتابه «في ديار مار مارون»، معدّداً آثار المسيحية الأولى التي تحتضنها سوريا، معتبراً أن «هذه التلال ليست مهد المسيحية فحسب، بل انطلاقة الحضارة الإسلامية والمهد الحضاري للعالم».

لاحقاً جال الضيوف على الصور التي التقطتها الشابة عبير غطاس، وعُرضت في القاعة. هنا، بدا واضحاً أن اهتمام الجمهور الحاضر بعون ولحود وفرنجية أكثر بكثير من اهتمامه بالصور. وكان لافتاً في هذا السياق تدافع السوريين المشاركين للتعرّف عن قرب إلى فرنجية، وخصوصاً الراهبات اللواتي أحطن به من جميع الجهات بضع دقائق، كان الوزير السابق يضحك خلالها «من قلبه». أما النائب السابق عبد الله فرحات، المشارك أيضاً، فأوضح لـ«الأخبار» أن دعوة خاصة ومباشرة وجّهت إليه، ولا علاقة له بالوفد العوني الرسمي، ولم يجرِ أي لقاء مع مسؤولين سوريين.

من قلعة حلب إلى الشيراتون من جديد. يتجه العماد عون مباشرة إلى جناحه والرئيس لحود إلى فندقه، أما فرنجية فيترأس طاولة، محيطاً نفسه بسيدتين ليبدأ النقاش. الموضوع الأول: موقف البطريرك من احتفالية مار مارون. الموضوع الثاني: ذكرى 14 شباط. الموضوع الثالث: العلاقة مع الرئيس سعد الحريري. ينضم الوزير جبران باسيل إلى «جمعة فرنجية» ومعظم نواب التكتل.

ومساءً، نقلت الوكالة الوطنية للإعلام قول فرنجية: «كنا نتمنى أن يترأس البطريرك نصر الله صفير الوفد إلى سوريا، ولكنّ للبطريرك حساباته الخاصة، وهذه الحسابات تفوق قدرتنا. لذلك، لا يمكننا أن نفهمها أو نفهم أبعادها».

وردّاً على سؤال عن رأيه في الردود السلبية تجاه زيارة الثلاثي لسوريا، قال فرنجية: «لماذا، هل جرت الزيارة سراً، أو هل فاجأناهم؟ هذا هو موقفنا وتاريخنا، وخصوصاً أننا نفتخر بمجيئنا إلى سوريا عندما يكون هناك تكريم لشفيعنا مار مارون في سوريا».

إلى الطاولة المجاورة لطاولة فرنجية، يجلس الوزير يوسف سعادة، يصغي باهتمام إلى كلام فرنجية، مراقباً تفاعل المتحلّقين حوله، قبل أن يلحظ النائب نبيل نقولا يتصوّر مع المعجبين، فتظلّل وجهه ابتسامة لطيفة.

في اليوم الأول لعون ولحود وفرنجية في حلب، كان واضحاً التساوي في الاحتفاء السوري بهم. مرَّ هذا اليوم دون لقاء الرئيس السوري بالثلاثي الماروني ـــــ الأولوية بالنسبة إلى السوريين ـــــ ما يعني أن حضور الأسد إلى براد اليوم حتميّ، إلا إذا كان هناك قرار بإبقاء المناسبة دينية بامتياز لإحراج من يصرّون على تسييس الاحتفالية.

2010-02-09