ارشيف من :خاص
في الذكرى الحادية والثلاثين للثورة الإسلامية: الرأسمالية والصهيونية أمام الانهيار القريب !
عقيل الشيخ حسين
منذ انطلاقتها، عام 1979، لم يكن بإمكان الثورة الإسلامية في إيران أن تكون مجرد ثورة محلية هدفها قلب النظام الشاهنشاهي. فبما هي إسلامية، ونظراً إلى كون الإسلام ديناً كونياً، كان من الطبيعي للثورة أن تكون ذات أبعاد عالمية.
ليس فقط لأسباب ذاتية تتعلق بطموحات الإسلام كما جسدته الثورة في إيران، بل أيضاً لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة التطورات على أرض الواقع العالمي.
وإذا كانت القوى المضادة قد استشعرت التداعيات الخارجية للثورة، في وضع كان تراجع حركات التحرر الوطني والقوي المعادية للامبريالية سمته الرئيسية (في العام 1979، قام السادات بزيارته الشهيرة لـ "إسرائيل"، وبعد ذلك بعشر سنوات انهارت المنظومة الشيوعية)، فقد وجدت في شعار "تصدير الثورة" مجالاً للتهويش على إيران بتهمة السعي إلى تقويض "الاستقرار" المفروض قهراً على المنطقة والعالم.
وبالطبع، تناست القوى المضادة حقيقتين مهمتين. الأولى توفر دواعي الثورة في جميع بلدان العالم لكون الأكثرية الساحقة من شعوب تلك البلدان تتعرض للسحق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي. والثانية أن كل ظاهرة في أي مكان من العالم تمتلك حظاً باختراق الحدود بقدر ما تتمتع به من قوة أو جاذبية.
صحيح أن مفهوم "العولمة" لم يكن قد دخل في التداول يوم تفجرت الثورة الإسلامية. فهذا المفهوم لم يظهر في الخطاب إلا كرديف للطموح إلى إقامة نظام عالمي جديد، بقيادة أميركا، بعد انهيار القطبية الثنائية. لكنه لم يكن قبل ذلك بدعاً من الأمر لجهته وجوده الواقعي.
فالعولمة هي نتيجة طبيعية لقدرة الظواهر على الحركة وقدرة الناس على الاتصال. وإذا كانت ثورة الاتصالات الحديثة قد فتحت الأعين على ظاهرة العولمة، فإن ذلك لا يعنى أنها لم تكن موجودة يوم كان الاتصال مقتصراً على وسائل أدنى. ألم يقل اليوناني القديم بأن حدود بلاده هي حيث يستطيع الوصول برمحه ؟ ألم تقم روما امبراطورية امتدت على شواطيء البحر التوسط من جميع جهاته ؟ ألم تقم امبراطوريات إسلامية – بالمعنى الامبراطوري ـ امتدت يوماً من الأندلس إلى الصين ؟ ألا يقول الإسرائيليون بأن دائرة أمنهم تمتد من جبل طارق إلى باكستان ؟ ألا تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى إقامة إمبراطوريتها العالمية ؟ ألم يكن السعي إلى العالمية هو الهدف المعلن أو المضمر لكل هذه الدول والإمبراطوريات ؟
بالمنطق نفسه، يحق للثورة الإسلامية في إيران، أن تكون ذات طموح عالمي، وأن تعمل من أجل انتصار هذا المشروع.
يبقى أن المشاريع، على اختلافها، تنتصر أو تحيق بها الهزيمة، بقدر ما تكون عقائدها وسلوكاتها منسجمة مع القوانين التي تحكم الوجود.
وبنظر الإسلام، تلك القوانين هي تلك التي تفضي إلى ملء العالم قسطاً وعدلاً بعد أن مليء ظلماً وجوراً. والثورة الإسلامية تقول بأنها تسير في هذا الاتجاه.
تقول وتفعل. وفعلها هو الذي يفسر صمودها في الحرب المعلنة عليها بألف شكل وشكل منذ انطلاقها. صمود وصعود. في الداخل الإيراني على صعيد البناء الجدي، على جميع الصعد. وفي الخارج، وبالدرجة الأولى، من خلال ما يشكله انموذجها من قدوة حسنة.
والمقتدون بنموذجها، هنا وهناك وهنالك، يصمدون ويصعدون ويقدمون، على اختلاف الظروف، نماذج تخترق الحدود والسدود والجدران الحجرية والفولاذية، وخصوصاً تفتح جدران القلوب. وهذه النماذج تشعشع، رغم التشويه و القمع والحصار والتعتيم الإعلامي، في أربع أقطار المعمورة.
أما القوى المعادية، فإن نماذجها في اندحار سريع. فالأزمات تضربها من جميع الجهات مالياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومعنوياً ونفسياً.
لكنهم لا يزالون يتمتعون بالقدرة على البطش. لكنهم دخلوا، ولأول مرة في التاريخ، في طور عدم الجرأة على اللجوء إلى البطش.
حاولوا مع إيران منذ العام 1979. وحاولوا مع سوريا ولبنان وغزة. لكن يبدو أنهم تعلموا من هزائمهم المرة عدم الجرأة على اللجوء إلى البطش، لأنهم يعلمون جيداً أن أية محاولة جديدة ستفضي إلى حتفهم.
في الوقت الذي تنزل فيه عشرات الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع لتأكيد التمسك بالثورة، وفي الوقت الذي تهوي فيه أفئدة المليارات من الناس إلى شوارع المدن الإيرانية، وفي الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الإيراني، رغم العربدات "الدولية" عن المزيد والمزيد من الصعود في مجالات التخصيب وغيرها من مجالات الخصب الأخرى... تتحول العقوبات والتهديدات إلى أسطوانة مشدوخة. لا بل إن آخر المواقف الأميركية قد دخلت في مرحلة الهروب والتراجع : نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، يقول الآن بأن باكستان، لا إيران، هي أشد ما يثير القلق الأميركي... ألا يؤكد ذلك صحة ما قاله الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، بمناسبة الذكرى الحادية والثلاثين، عن الانهيار القريب للرأسمالية والصهيونية ؟
قبل الذكرى الحادية والأربعين، يبدو أن الذكرى الثانية والثلاثين، ستحمل المزيد والمزيد من البشائر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018