ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان على طريق العرقنة؟

لبنان على طريق العرقنة؟

ادمون صعب، السفير

حسد اللبنانيون العراقيين وهم يشاهدون في نهاية الأسبوع الماضي سيارات خاصة بالإعلانات تجوب بيروت والمناطق بحثاً عن العراقيين الموجودين في لبنان، لإبلاغهم بالعربية والكرديةأن اليوم الأول من الانتخابات (الجمعة) سيخصص للعسكريين والسجناء والمرضى في المستشفيات. وكذلك للإعلان عن بدء المرحلة الأولى من اقتراع العراقيين المهاجرين والمغتربين في الدول العربية والأجنبية بحيث لا يُحرم من هذا الحق عراقي واحد، مسجّل اسمه في قائمة الناخبين ويحمل وثيقة هوية رسمية.

وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي تتولى الإشراف على العملية، بعيداً من تدخل الدولة، قد اتخذت جميع الإجراءات الآيلة إلى تأمين وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، كما أحدثت مراكز لـ«تثقيف المواطنين» وإرشادهم إلى طريقة الاقتراع بقوائم في ظل نظام انتخابي يعتمد النسبية في مجتمع متنوع اثنياً وطائفياً ومذهبياً وحتى ثقافياً، شبيه إلى حد بعيد بالمجتمع اللبناني.

نقول إن اللبنانيين الذين يعتبرون أنفسهم متقدمين على سائر العرب في الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في التعبير وكذلك في الاختيار، قد حسدوا العراقيين الغارقين منذ سبع سنوات في أوقيانوس من الفوضى والإرهاب والعنف الدموي كاد أن يفقدهم القدرة على التنفس، في ظل احتلال ظالم للبلاد تسبب في تدميرها، بدل مساعدتها على استعادة وحدتها بعد «تحريرها» من الحكم الصدامي الاستبدادي.

وقد أكبروا فيهم الشجاعة ليس على جبه العنف والإرهاب والإقبال بكثرة على صناديق الاقتراع، ودوي الانفجارات يملأ الأجواء، بل لأنهم لم يفقدوا إيمانهم بوطنهم، وسلكوا طريق العقل والمنطق، واحترموا إرادة الإنسان العراقي وتوقه إلى الاستقرار والتغلب على الصعاب، من طريق وضع قانون للانتخاب يعتبر الخيار الحر حقاً لا بد أن يُعطى للمواطنين، وأن يحصّن هذا الحق وتوفر له الحماية في مختلف مراحل العملية الانتخابية، على نحو لا يُحرم منه مواطن بداعي أنه ارتدى زياً عسكرياً ووقف حياته لخدمة شعبه، حتى الاستشهاد. كذلك لا يُحرم منه مريض اضطرته ظروفه الصحية لدخول المستشفى، أو سجين تعثرت به الخطى فوجد نفسه المعتقل وهو لا يزال يتمتع بحقوقه المدنية كاملة. ولا يحرم منه أيضاً المواطن الذي ضاقت به سبل العيش فشد الرحال إلى الدول العربية المجاورة أو إلى بلاد الله الواسعة، وحافظ على جنسيته العراقية ولم يقطع علاقته بالوطن. وهذه حقوق يشعر اللبنانيون بالغيرة الممزوجة بالحسرة، لأنهم حرموا منها بينما هي مؤمنة للمواطنين العراقيين الذين كانت صناديق الاقتراع تبحث عنهم في كل مكان.

ويزيد من حسرتهم أن الانتخابات العراقية قد جرت بأعلى درجة من الشفافية، رغم بعض المخالفات التي لا تخلو منها انتخابات في العالم الديموقراطي المتقدم، في حين أنهم عجزوا عن إنجاز مشروع معدل للانتخابات البلدية يتحداهم منذ مدة أن يجربوا الاقتراب وإن خطوات متواضعة من الاعتراف بحق جميع الفئات والأطياف التي يتألف منها المجتمع في أن يكون لها صوت في المجالس التمثيلية، وهو حق لها يكاد يكون مقدساً في النظم الديموقراطية، خصوصاً في المجتمعات المتعددة المذهب والإثنية التي يلائمها النظام النسبي أكثر من النظام الأكثري.

ثم أليس معيباً في مجتمع كالمجتمع اللبناني الذي تقدمت فيه المرأة، وهي نصف المجتمع، في مختلف الحقول العلمية والسياسية والثقافية والاجتماعية، أن نجدها تصارع من أجل «كوتا» في الانتخابات يلوّح لها الرجل بـ20 أو 30 في المئة منها، بينما حقها هو في المناصفة مع الرجل، بعد زوال الذكورية في عالم تبوأت المرأة فيه أعلى المراكز، سواء في رئاسات الدول أم الحكومات أم البرلمانات، أم في المنظمات الدولية، وارتادت الفضاء صنواً للرجل ونداً له؟

ثم ألم تستوقفنا صيغة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي اقترحها وزير الداخلية زياد بارود وصارع من أجل اعتمادها في الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 7 حزيران الماضي، بغية إبعاد السلطة عن التدخل في مجرى الانتخابات، والحد من المال السياسي الذي قدّر ما أنفق منه على شراء الأصوات والمفاتيح والإعلانات، فضلاً عن الموازنات التي خصصت لإحضار المغتربين من جانب المرشحين المقتدرين في خرق فاضح للمساواة بين المواطنين. المال الذي قدر أنه راوح بين 725 مليون دولار، بحسب مصدر سعودي، ومليار وثلاث مئة مليون دولار، بحسب مصادر أخرى؟

ورب قائل: إن اللبنانيين لقادرون على وضع قانون مثالي للانتخاب، مواز في حداثته وعقلنته للقانون الإنكليزي لو لم يكونوا عبيداً للطائفية والمذهبية اللتين حجرتا عقولهم وسربلتا سبلهم.

أجل، لو كان اللبنانيون أحراراً، لكانوا اجترحوا المعجزات، وكان لهم نظام سياسي متقدم مواز لمستويات تعليمهم، ومتكافئ مع طموحاتهم التي يظهرونها عندما يخرجون من الشرانق الطائفية ويهاجرون ويتبارون في العلم والعقل والإنجاز مع سائر شعوب العالم المتقدم.

والمؤسف أن لبنان الذي تقدم العالم في النظام الانتخابي أيام العثمانيين ومنح شبابه من السن الخامسة عشرة، وليس الثامنة عشرة، حق الانتخاب، قد تراجع أيام الانتداب الفرنسي الذي وضع قوانين انتخابية ترمي إلى العزل والإبعاد عن المشاركة في الانتخابات للقوى الحية في المجتمع، خدمة لزعماء الطوائف ولا سيما المسيحية منها، وعلى الأخص الموارنة، بحيث ضم قانون الانتخاب الأول الذي صدر بموجب القرار 1307 عن وكيل المفوض السامي روبير دي كه في 10 آذار 1922، 30 نائباً موزعين هكذا: 17 مسيحياً و13 مسلماً.

وراح الفارق بين الطرفين يتقلص، إذ أن قانون 1960 ضم 99 نائباً: 54 مسيحياً و45 مسلماً. وصولاً إلى المناصفة، في مجلس الـ2009: 64 ـ 64.

لقد آن الأوان للبنانيين لأن ينضجوا ويتحرروا من الانتدابين، الفرنسي والسوري. الأول الذي وضعت في ظله القوانين الانتخابية المتخلفة التي أساءت إلى المسيحيين أكثر مما أفادتهم، إذ سلطت طبقة من السياسيين الفاسدين بينهم على شركائهم في الوطن مما أفقد المسيحيين السلطة والموقع.
إن النموذج العراقي يتحدانا جميعاً. فبماذا سنرد عليه؟

بقانون انتخابي يعيد الاعتبار إلى العيش المشترك الذي لم يعد فيه أي مشترك؟

2010-03-11