ارشيف من : 2005-2008
كيف يقرأ وكلاء الضباط الأربعة تقرير برامرتز؟ (1)
عازوري: لماذا لا يُقدَّم طلب ثانِ لاسترداد الصدّيق؟
علي الموسوي
عاد وكيل الدفاع عن المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد، المحامي أكرم عازوري، إلى استئناف مهمّته الدفاعية بعد تعليق دام شهراً ونيّفاً، وتحديداً منذ 7 أيار الفائت، بسبب "استحالة ممارسة عمله القانوني وخشية أن يعطي مصداقية لعملية ظاهرها قضائي وواقعها سياسي فيضرّ بمصلحة موكّله ويعطي مصداقية لتوقيفه، فجاء التعليق إعلاناً لواقع وليس منشئاً له"، على حدّ تعبيره في حديث مع "السفير".
ويشرح عازوري ما دعاه للعودة إلى موقعه الطبيعي، وهو الذي خاض الكثير من المعارك القانونية مع أهل السياسة وكسبها ومنها قضية وزير النفط الأسبق شاهيه برسوميان، ويقول إنّ الملفّ شهد تطوّرات منها "اعتبار لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي البلجيكي سيرج برامرتز أنّ رواية جريدة "السياسة" الكويتية هي مجرد احتمال ولم تعد يقيناً غاية التحقيق تثبيته".
وما دفع عازوري إلى الاستنكاف ثلاثة أسباب يلخّصها بالآتي:
أولاً: كان التحقيق معطّلاً بسبب وجود الشاهد السوري محمد زهير الصدّيق حرّاً في فرنسا، ولا يُقدّم وفقاً للأصول، طلب لاسترداده، علماً بأنّ الطلب الأول الذي تمّ تقديمه كانت نتيجته السلبية معروفة سلفاً من قبل الحكومة اللبنانية، لأنّ الوضع القانوني في فرنسا يمنع على قضائها الاستجابة لطلب استرداد تقدّمه دولة تعترف بعقوبتي الإعدام والأشغال الشاقة. وبعدما رفض القضاء الفرنسي الاسترداد كان لزاماً على الحكومة اللبنانية أن تتقدم بطلب جديد لاسترداد الصدّيق مشفوعاً بضمانات بعدم تنفيذ حكم الإعدام في ما لو حكمت محكمة لبنانية على الصديق بتلك العقوبة، علماً بأنّ هذه الضمانات هي نظرية لأنّ المحكمة اللبنانية لن تحاكم الصدّيق، والمحكمة ذات الطابع الدولي لن تقبل على الاطلاق، بتطبيق عقوبة الإعدام. ولو أنّ الحكومة اللبنانية قدّمت الضمانات المطلوبة من القضاء الفرنسي لكانت مكّنت المحقق العدلي القاضي الياس عيد من استجواب الصديق كمدعى عليه، وسمحت للتحقيق بالتقدم إلى الأمام".
ويستغرب عازوري عدم تقديم طلب ثان لاسترداد الصديق، علماً بأنّ رئيس الجمهورية العماد إميل لحود أعلن مراراً وتكراراً عن استعداده لتقديم الضمانات المطلوبة فرنسياً في ما لو عرضت عليه وفقاً للآلية الدستورية الملائمة.
ثانياً: وجود توصية من اللجنة بتوقيف السيد، وقد ارتكزت إلى إفادتي الشاهدين السوريين الصديق وهسام طاهر هسام اللذين لم يتمكن القضاء اللبناني من استجوابهما. فالأول موجود في فرنسا والثاني غادر لبنان وتراجع إعلامياً، كما رآه المجتمع كلّه، عن إفادته بخصوص السيد، وما أزعجني هو أنّهما صرّحا للجنة التحقيق الدولية تلقائياً، بمشاركتهما في الجرم بطريقة أو بأخرى، ولكنّ اللجنة تركتهما حرّين بدلاً من توقيفهما، واعتبر أنّ في تركهما مخالفة خطيرة لواجبات المحقّق".
ويشير عازوري إلى ما سبق له أن أعلنه غداة توقيف موكّله وجاهياً بمذكّرة توقيف بتاريخ 3 أيلول ,2005 من أن توصية اللجنة "ليست ملزمة للقاضي عيد لأنّ قوّتها الإلزامية وقبول الحكومة اللبنانية بها، تتوقّف عند مستوى السلطة التنفيذية ولا يمكن أن تتعدّى عتبة غرفة المحقّق العدلي، إلا أنّه يبقى لهذه التوصية، على الأقل، قوة معنوية، علماً بأنّه برأيي، صدور مثل هذه التوصية من ضابط عدلي إلى قاض لبناني، هو عمل غير شرعي إنما حصل ويجب التعايش معه".
ثالثاً: تسييس توقيف اللواء السيد ودخوله ضمن التجاذبات الداخلية اللبنانية السياسية والإعلامية يجعل من الصعب على الدفاع والقضاء في آن معاً، التعامل مع وضع حدّ لتوقيف السيد بصفاء وموضوعية.
وينتقد عازوري وزير العدل الدكتور شارل رزق على تصريحه الأخير لوسائل الإعلام بتاريخ 11 حزيران الجاري، والذي نقل فيه موقفاً عن التحقيقين اللبناني والدولي حول رغبة هذين المرجعين في استمرار التوقيف، ويرى أنّه "أتى نتيجة لهذا التجاذب، فضلاً عن أنّه موقف صادر عن جزء من السلطة التنفيذية برسم القضاء اللبناني وهذا لا يساعد الدفاع على القيام بمهامه على أكمل وجه".
وفي قراءته لتقرير برامرتز الثاني، يعتبر عازوري أنّ أهم نقطة فيه هي "تعامله مع رواية جريدة "السياسة" الكويتية كاحتمال، بعكس سلفه الألماني ديتليف ميليس الذي تعامل معها كيقين، فلم يكن ميليس يحقق بمن اغتال الحريري أو كيف حصل ذلك، بل كان يصبّ كلّ جهوده ليثبت أنّ هذه الرواية حقيقية وتعامل معها على أنّها يقين".
وهذه الرواية شهيرة، وتظهر أنّ الشاهد السوري محمّد زهير الصديق ساحر ومهمّ وقناص فرص. فقد نشرت في تلك الصحيفة بعد عشرة أيام من جريمة الاغتيال، واستعادها موقع "إيلاف" الالكتروني، وتتضمّن أنّ الشاهد الصدّيق كان حاضراً الاجتماعات التي قرّر فيها الرئيس السوري بشار الأسد، ورئيس الاستخبارات العسكرية السورية اللواء آصف شوكت، واللواء جميل السيد اغتيال الرئيس الحريري، كما أنّه كان موجوداً عندما تولى السيد مع بعض الضباط الثلاثة الآخرين الموقوفين التخطيط لعملية الاغتيال في شقة يملكها في حي معوض في منطقة الضاحية الجنوبية، كما أنّه كان حاضراً برفقة السيد وضباط آخرين في مسرح الجريمة في محلة عين المريسة بتاريخ 14 شباط 2005 و"اطمأنوا" إلى نجاح العملية!.
ويتوقّف عازوري عند تقنية الاغتيال، ويقول إن "ميليس قام بعمل جيد من خلال الكشف على مسرح الجريمة واستثمار قضية الاتصالات الهاتفية المدفوعة سلفاً التي رافقت الحريري وتوقّفت عن العمل بعد دقائق من اغتياله"، ولكنه يكشف أنّ المحقّق العدلي القاضي الياس عيد هو من اكتشف هذه المسألة الحسّاسة وزوّد لجنة التحقيق الدولية بها وليس رئيس اللجنة ميليس.
ويضيف أنّ برامرتز لم يعد النظر في الجانب التقني من تحقيق ميليس، بل استثمره استثماراً جيّداً وبنى عليه، وهو في هذا المجال جاء عمله استمراراً لسلفه المذكور، غير "أنّ الفارق الأهم هو أنّ برامرتز تعامل مع المسؤولية السورية عن الاغتيال وكذلك مع رواية "السياسة" على أنهّا واحدة من احتمالات متعدّدة، فهو لم يستبعد إطلاقاً المسؤولية السورية، وإنّما قال صراحة بأنّه يحقّق في اتجاهات متعدّدة منها المسؤولية الأصولية والدافع الشخصي والدافع الاقتصادي، وهو في ما يفعله يتصرّف مهنياً لأنّ من واجب المحقق أن يخوض في جميع الاحتمالات من أجل استبعادها والاحتفاظ باحتمال واحد بعد التحقيق وليس قبله".
مذكّرة التفاهم تعطّل القضاء
وما استوقف عازوري في التقرير أيضاً هو الإشارة إلى أنّ لجنة التحقيق تعيد النظر في مذكّرة التفاهم الموقّعة بين وزير العدل، وكان آنذاك القاضي خالد قباني، واللجنة بتاريخ 13 حزيران ,2005 ويذكّر بأنه سبق له بأنّ تقدم باسم اللواء السيد بطعن أمام مجلس شورى الدولة بالمادة السابعة من المذكرة والتي كانت تسمح، عملياً، للجنة بحجب الأدلة عن القضاء اللبناني، في حين تقوم اللجنة بإعطاء توصيات بالتوقيف للقضاء اللبناني الذي يصبح نتيجة هذه التوصيات أسيراً لموقف ليس بالضرورة مطلّعاً على جميع حيثياته، فتتعطّل آلية إخلاء السبيل بحيث يصبح الموقوف موقوفاً في الظاهر من سلطة قضائية، ولكنّه في الواقع من سلطة بوليسية ليست خاضعة لإشراف القضاء".
ويأمل عازوري أن يعاد النظر في هذه المذكّرة من ناحية جعل آلية التعاون بين اللجنة، وهي ضابطة عدلية، وبين القضاء اللبناني الذي أوقف بالقانون اللواء السيد، "آلية تراعي معايير المحاكمة الدولية، المعايير العادية التي وضعتها الأمم المتحدة".
المصدر: السفير 20/6/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018