ارشيف من : 2005-2008

مـــــن تـــــاريـــخ "المــــوســــــاد"... الــلـــبــنـــانـــي

مـــــن تـــــاريـــخ "المــــوســــــاد"... الــلـــبــنـــانـــي

كتب سليم نصار(*) في صحيفة النهار البيروتية:‏

تعرضت بيروت صيف 1956 لسلسلة عمليات إرهابية كان مفتعلوها يركزون على ضرب الجوامع والكنائس. ومع أن الدولة في حينه حذرت من خطر السقوط في فخ الفتنة الطائفية، إلا ان النقمة الشعبية لم تغفر للمسؤولين قصورهم وعجزهم عن اكتشاف الفاعلين. ولما اشتكى مدير الشرطة آنذاك صلاح لبابيدي من ضآلة عدد العناصر التابعة لإمرته، فصلت له قيادة الجيش مئة جندي وزعهم باللباس المدني على شاطىء الاوزاعي. وبعد مرور أسبوعين تقريباً، تلقى لبابيدي اتصالاً هاتفياً من احد العناصر يخبره أنه رأى زورقاً مطاطياً يقترب من مسبح "سان سيمون" وينزل منه رجلان توجها سيراً على الاقدام نحو منطقة الشياح. وقال الجندي انه تعقبهما مع ثلاثة من رفاقه، وأن الأربعة ينتظرون الأوامر لمداهمة المنزل الذي تسللا إليه.‏

واجرى لبابيدي على الفور اتصالا بالرئيس كميل شمعون ليضعه في صورة التطورات، نظراً الى اهتمامه الخاص بمتابعة تفاصيل الخطة الأمنية. ولما تمت عملية الاقتحام عثر قائد الشرطة على حقيبة مليئة بالمتفجرات، وعلى خريطة تبين الأماكن المستهدفة. وأثناء التحقيق، اعترف العميلان بأن "الموساد" دربهما على استخدام المتفجرات، وأن عناصر لبنانية كانت تساعدهما على تنفيذ المهمة.‏

مطلع الأسبوع الماضي اعتقلت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني افراد شبكة ارهابية اسرائيلية تضم محمود رافع من حاصبيا وعميلاً آخر تمكن من الفرار الى اسرائيل يدعى حسين خطاب. وأكد جهاز التحقيق ان رافع اعترف بتنفيذ خمس عمليات اغتيال كان من ضحاياها: علي ديب وعلي صالح من "حزب الله" وجهاد نجل أحمد جبريل، والشقيقان محمود ونضال المجذوب من "حركة الجهاد الاسلامي".‏

ويُستدل من طبيعة هاتين الواقعتين ان اهداف اسرائيل في لبنان لم تتبدل منذ نصف قرن. والسبب انها اهداف سياسية ثابتة ترمي الى زعزعة الاستقرار، والى دفع البلاد نحو حروب طائفية تؤدي في نهاية الأمر الى التقسيم او الاقتسام.‏

ويعترف المؤرخون الاسرائيليون ان مؤسسي الدولة العبرية توقعوا ان يكون لبنان جبهة هادئة مسالمة على الحدود الشمالية، الأمر الذي شجعهم على بناء المطارات الحربية ومصانع السلاح في منطقة الجليل الأعلى. ولما تبين لهم العكس، قرروا تصدير عوامل التوتر والتشويش والقلق بطريقة منهجية متواصلة، وقد استخدموا من اجل تحقيق هذه الغايات جهاز "الموساد" الذي انشىء عام 1951.‏

صباح الأول من أيلول 1951، أعلن رئيس وزراء اسرائيل ديفيد بن غوريون عن انشاء جهاز "الموساد" بحضور كبار القادة السياسيين والعسكريين. وقال في كلمة الافتتاح إن الدولة الجديدة تحتاج الى هذه المؤسسة المستقلة عن وزارة الخارجية، من اجل حماية أمنها القومي. وقال أيضاً ان اسرائيل ستعجز في المستقبل عن مجاراة أعدائها العرب في موضوع الكثرة البشرية المتنامية، لذلك تمنى أن تعوض أعمال الاستخبارات الناجحة عن انشاء جيش ضخم لا تستطيع الدولة الفتية تحمل اعبائه الاقتصادية.‏

أول مدير اختارته حكومة بن غوريون لتنظيم جهاز "الموساد" وانتقاء عناصره، كان أيسر هاريل الذي استمر في هذا المنصب حتى آخر 1961. و"موساد" كلمة تختصر الأحرف الاولى ل"المنظمة المركزية للامن والاستخبارات". ويعتبرها خبراء هذا الميدان في مستوى "سي اي اي" و"كي جي بي" من حيث التنظيم والأداء ودقة المعلومات، والسبب ان "الوكالة اليهودية" فرضت على كل يهودي في العالم، لا فرق أكان موظفاً في البنتاغون مثل الجاسوس بولارد... أم طبيباً في الكرملين، انه لا بد له ان يؤمن وصول معلوماته السرية الى مركز الوكالة في نيويورك. ولما انشىء جهاز "الموساد" انتقلت هذه المهمة الى عهدته، الأمر الذي وفر له تقارير اكثر من خمسة ملايين متطوع يخدمونه مجاناً. ويروي العاهل الاردني الراحل حسين ان طبيبه البريطاني – اليهودي كان ينقل الى الاسرائيليين اسرار مرضه وخلاصة أحاديثه السياسية.‏

بعد انقضاء عشر سنوات تقريباً على تأسيس جهاز "الموساد"، انشأت اسرائيل ثلاث منظمات اخرى تُعنى بشؤون الامن وسلامة الدولة، هي: "الشاباك" و"أمان" و"شعبة الاستخبارات العسكرية". ومن المفروض ان تعمل الاجهزة الاربعة بتنسيق تام، خصوصا في العمليات التي تستهدف الفلسطينيين. مثال ذلك ان عملية "ربيع الصبا" التي قادها ايهود باراك اثناء اغتيال كمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر في بيروت... هذه العملية تعاونت على إعدادها وتنفيذها اجهزة "الموساد" و"الشاباك". وهذا ما حدث اثناء تصفية ابو جهاد في تونس، عندما تعاون الجيش مع "الموساد" على تحقيقها.‏

ويروي غوردون توماس في كتابه "جواسيس جدعون" كيف اشترك وزير الدفاع في حينه اسحق رابين يوم 16 نيسان 1988، في تصفية خليل الوزير (أبو جهاد)، فيقول: "بعد التأكد من الدور القيادي الذي يلعبه أبو جهاد في اضرام نار الانتفاضة الفلسطينية، قرر رئيس الموساد تصفيته بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية. وقبل ثلاثة اشهر من موعد التنفيذ، التقطت صور عدة للمنزل الذي يقطنه بواسطة عميل مدرب، وكان الغرض من ذلك نقل الشكل الهندسي الى مكان قريب من حيفا، حيث تم تركيب منزل خشبي مشابه. وهكذا استخدم المنزل البديل من أجل اداء تدريبات يومية قامت بها العناصر المكلفة بعملية التصفية. وقد اطلق جهاز الموساد على العملية اسماً شفرياً هو سيف، نظرا الى أهمية المواجهة المتوقعة".‏

"وفي الموعد المحدد لتنفيذ العملية اقلعت طائرة مدنية (بوينغ 707) من مطار حربي قرب تل أبيب وعلى متنها وزير الدفاع اسحق رابين وجنرالات عدة. في حين تسللت العناصر الضاربة قبل يوم واحد من طريق البحر واختبأت في ضاحية تونس العاصمة". واستنادا الى مصادر اسرائيلية مطلعة يقول غوردون في كتابه: "ان الطائرة التي أقلت رابين كانت مزودة بأجهزة متطورة جداً، بحيث أن آلات التنصت المزروعة في منزل قائد الانتفاضة، نقلت الى المراقبين من الجو صوت وقع الأقدام داخل غرف النوم. وكان رابين يراقب من الطائرة بواسطة عدسات مكبرة، كل ما يجري تحته على الأرض قرب سيارة المرسيدس التي قدمها ياسر عرفات لصديقه ابو جهاد في عيد ميلاده. وبعد خلع قفل البوابة الخارجية، واغتيال سائق المرسيدس بمسدس صامت، اقتحمت عناصر الموساد والجيش الاسرائيلي المنزل لتبدأ بقتل الحارسين، وتتوجه نحو غرفة الجلوس حيث كان أبو جهاد يشاهد برنامجاً تلفزيونياً. وقبل ان يهم بالوقوف عاجله احدهم برصاصتين في صدره، ثم اجهز عليه برصاصتين اضافيتين دخلتا في صدغه. ولما هرعت زوجته من غرفتها صارخة مولولة، فوجئت برجل مسلح ينهرها بالعربية ويهددها بالقتل". في اليوم التالي زعمت الصحف الاسرائيلية ان العملية استغرقت ثلاث عشرة ثانية فقط.‏

واللافت ان غالبية زعماء الدولة العبرية شاركت في عمليات خارجية لاثبات الكفاءة العسكرية قبل الكفاءة السياسية. مثال ذلك ان ايهود باراك تقمص دور غانية شقراء اثناء اقتحام منازل قادة المقاومة في رأس بيروت. وربما نفذ اسحق رابين عمليات عدة مشابهة لعملية تصفية ابو جهاد في تونس. وهذا ما شجع بنيامين نتنياهو على الاعتراف بأن "الموساد" نقله الى بيروت على رأس فرقة نسفت طائرات "الميدل ايست" الرابضة في المطار، علماً ان نتنياهو عام 1997 عرض مهمته للانتقاد اللاذع بسبب فشل عميلي "الموساد" في قتل خالد مشعل. وارسلت اسرائيل يومها ارييل شارون الى عمان بهدف التوسط مع الملك حسين من أجل انقاذ العلاقات، وكان الافراج عن الشيخ احمد ياسين هو الثمن الذي دفعه نتنياهو لإرضاء العاهل الاردني.‏

وكثيراً ما يتورط هذا الجهاز في عمليات خارجية اذا تبين له ان النتائج تخدم مصلحة اسرائيل. وكان اشتراك عناصره في خطف المهدي بن بركة في باريس عام 1965 قد تسبب في خلق أزمة بين رئيس الوزراء ليفي اشكول ورئيس "الموساد" مئير أميت، بعكس عملية خطف موردخاي فانونو التي كسبت تأييد اسحق شامير لأن موظف وزارة الدفاع كشف لصحيفة "صانداي تايمز" أسرار التسلح النووي في "ديمونا". وتقول جريدة "يديعوت احرونوت" (10/10/1997) ان رئيس الوزراء اسحق شامير اعترض على تكتم رئيس "الموساد" داني ياتوم لأنه حجب عنه تفاصيل عملية اغتيال امين عام "حزب الله" عباس موسوي، وخطة خطف مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد.‏

ويستفاد من مراجعة الحقبة التي اعقبت الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، ان ديفيد كيمحي هو المسؤول الأول عن زرع عناصر "الموساد" في لبنان. وكان في حينه يشغل منصب نائب رئيس هذا الجهاز، الأمر الذي ساعده على اقناع رئيسه اللواء اسحق جوفي بضرورة تسليح المجموعات المؤيدة لطرد الفلسطينيين واقامة سلام مع اسرائيل. وقد اختار كيمحي لتوطيد هذه العلاقة رئيس "القسم المسيحي" في دائرة الشرق الأوسط، شموئيل ابيتار، ووجد هذا اليميني المتطرف كل الدعم من رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير الدفاع ارييل شارون. وكان دائماً يردد في مكتبه في جونيه ان بيغن أوصاه خيراً بالمسيحيين المضطهدين لأنه يريد انقاذهم، بخلاف ما فعل زعماء أوروبا الكاثوليك اللاساميون. عقب طرد القوات الاسرائيلية من لبنان، ركز "الموساد" اهتمامه على المقاومة اللبنانية بعدما شغلته المقاومة الفلسطينية من لبنان مدة تزيد على الخمس عشرة سنة. خصوصاً بعدما أثبت "حزب الله" قدرة فائقة على اختراق الأجهزة الاسرائيلية، بحيث تمكن مرة من خطف ضابط احتياط يدعى الحنان تننباوم، ثم فرض عملية التبادل على شارون الذي سمح باطلاق سراح الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني وعدد من المعتقلين.‏

يقول المعلق الاسرائيلي رونين برغمان، إن كيمحي استخدم قصة حيرام ملك صور الذي ساعد في بناء هيكل سليمان، كي يقنع بيغن بأهمية تجديد العلاقة التاريخية مع اللبنانيين.‏

ولما خرج بيغن مهزوماً من بيروت والجبل والجنوب، تذكر ان الملك سليمان عجز عن دفع المستحقات لملك صور، لذلك منحه 12 قرية في الجليل الأعلى. ويقال في اسرائيل ان بيغن أنب شارون وكيمحي وابيتار على المغامرة العسكرية الفاشلة التي زجوا الجيش في أتونها، وقال لوزير دفاعه: اهرب قبل ان يطالب أهل صور باسترجاع قرى الجليل الأعلى!‏

(*) كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن‏

2006-10-30