ارشيف من : 2005-2008

الديمقراطية الأمريكية وفضيحة جديدة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية

الديمقراطية الأمريكية وفضيحة جديدة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية

بقلم بيوتر رومانوف(*)‏

لم تكن لدي أبدا أية أوهام بشأن أخلاقية مخابرات أي بلد كان في العالم. فعمل المخابرات بصراحة متميز وهو عمليا خارج إطار رقابة المجتمع المدني إضافة الى أن السياسيين هم أصحاب الطلبات الرئيسيين علما بأنهم لا يمكن أن يكونوا مثالا للنزاهة. ويرى البعض أن المخابرات تكاد تخرج باستمرار من تحت رقابة السلطة السياسية. ولكن هذا أكثر ما يكون مجرد سراب.‏

إذ أن المخابرات بالذات كثيرا ما تكون مانعة الصواعق عندما يتكهرب جو السياسيين. ويعمل الطرفان بالشكل التالي تقريبا: يطلب السياسيون من المخابرات بشكل سري شيئا ما وتقوم المخابرات بتنفيذ ذلك وإذا أُثيرت فضيحة مفاجئة تمحو المخابرات الآثار وتتحمل المسؤولية كاملة. ونادرا ما تصبح أسماء أصحاب الطلب أي السياسيين معروفة بالنسبة للرأي العام.‏

ومن المؤسف أن حتى الديمقراطية المتطورة والتعليمات الخاصة العديدة واللجان الخاصة لا تخلص أحدا من هذه المأساة. ومن الأمثلة العادية على ذلك الولايات المتحدة ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وترتبط بالمخابرات الأمريكية في الفترة الأخيرة سلسلة متتالية من الفضائح واحدة بعد الأخرى. وأذكر بعضها فقط بل إحدى أكثرها صخبا وأقصد تزوير المعلومات حول أسلحة الدمار الشامل في العراق. وجرى الحديث فيما بعد كثيرا عن أن البيت الأبيض تلقى معلومات غير دقيقة من المخابرات المركزية. إنه أمر مشكوك فيه. إذ أن البيت الأبيض حصل على ما كان يريد الحصول عليه بينما اضطرت المخابرات لتحمل المسؤولية عن كذب السياسيين.‏

ومن الممكن ألا نشك في أن الفكرة الفاضحة للسجون السرية في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي قد نشأت بموافقة البيت الأبيض. كما أن قاعدة غوانتانامو العسكرية التي تحولت الى سجن للأشخاص المتهمين بالإرهاب هي بالدرجة الأولى أيضا ليست وليدة المخابرات المركزية بل السياسيين الذين على علم جيد بأن المنطقة التي يتواجد فيها المعتقلون هي في الواقع منطقة لانعدام الشرعية. ولم تؤد احتجاجات منظمات حقوق الإنسان الدولية الى أية نتيجة.‏

ولهذا فإن أحدث فضيحة وهي انتحار ثلاثة سجناء في غوانتانامو طبيعية تماما. وبما أن الانتحار هو إثم كبير بالنسبة للمسلمين الأصوليين لذا فإن وفاة الثلاثة غامضة بالمرة. وتفجير الأصولي لنفسه مع العدو شيء بينما شنق نفسه في زنزانته بحبل من كساء السجن شيء آخر. ويبدو أن الأمريكيين سيضطرون عاجلا أم آجلا للاعتراف بأنهم جعلوا السجناء في حالة يأس شديد.‏

على أية حال نترك الرئيس بوش وشأنه. إن أكبر شيء مأساوي بالنسبة للديمقراطية الأمريكية يكمن في أن كل هذه العيوب وراثية أما الفضائح حول وكالة المخابرات الأمريكية فهي ظاهرة مستمرة مهما كان الشخص الذي يشغل منصب الرئيس الأمريكي. ولو قرأتم الصحف القديمة لوجدتم سلسلة مثيرة. بالمناسبة أن بن لادن هو وليدة المخابرات الأمريكية أيضا. وكل ما في الأمر أنه عبوة انفجرت في نهاية المطاف في أيدي الأمريكيين أنفسهم.‏

وتثار الفضيحة الجديدة عادة على أساس الأدلة غير المباشرة فقط لأن خبراء وكالة المخابرات يتمكنون من محو الأدلة المباشرة ولهذا يبقى دائما تقريبا ظل من الشك لدى المرتابين مهما كانت تأكيدات وسائل الإعلام. ولا يمكن الحصول على معلومات صحيحة إلا من الأرشيف. ومن المؤسف أن وثائق الأرشيف نادرا ما تُفتح وبعد مرور فترة طويلة.‏

على أية حال أن حتى الأرشيفات القديمة لوكالة المخابرات المركزية هي شيء نادر جدا. فمثلا تم مؤخرا الكشف عن 174 ملف سري لأرشيف وكالة المخابرات تعود لفترة الحرب العالمية الثانية. وتثبت هذه الوثائق كتلك التي تم الكشف عنها في عام 1998 الصلة المباشرة بين المخابرات الأمريكية والرايخ الثالث لألمانيا الهتلرية.‏

ومثيرة جدا المواد حول استخدام المخابرات الأمريكية للمجرمين النازيين بعد الحرب. وحصل على عرض للتعاون مع المخابرات الأمريكية بعد دحر ألمانيا النازية 23 مجرما نازيا.‏

وتدل الفضائح الحالية للمخابرات الأمريكية على أنها ليست من قبيل الصدفة إطلاقا.‏

(*) معلق "نوفوستي" السياسي‏

2006-10-30