ارشيف من : 2005-2008

خطاب السيد بالامس في صفحات اليوم : كلمات .. للعبرة

خطاب السيد بالامس في صفحات اليوم : كلمات .. للعبرة

في صحيفة النهار:‏

رحلة تسلم الجثامين من الناقورة إلى الضاحية والعائلات اللبنانية الملتاعة لم تبكِ‏

كتب رضوان عقيل:‏

ما هو سر نساء "حزب الله" عندما يحبسن الدموع في المآقي اثناء استقبالهن جثامين المقاومين؟‏

هذا ما حدث امس في مجمع سيد الشهداء في الرويس، كأنهن في عرس جماعي كان سيده حسن نصرالله وهو يستقبل مع قيادة حزبه جثامين وسام البواب وعلي شمس الدين ومحمد الموسوي.‏

منال في مطلع العشرينات، زوجة البواب، واسمه الجهادي "عبد الكريم". لم تبك. انتظرت جثمان حبيبها بعزة وافتخار وهو الذي كان لا ينفك يحدثها عن الاستشهاد.‏

وعندما اطل نصرالله ودخل قاعة المجمع هتفت باسمه مع الالاف من المشاركين. طفلهما ابن العامين والاشهر الثلاثة كان يتمتم: "والدي راح الى الجنة".‏

وتتدخل والدته، "سجل هذه الجملة الموجهة الى تيري رود – لارسن وقبله الى ارييل شارون، ولا اقول الى بعض اللبنانيين الذين يشككون في المقاومة".‏

خصصت "التعبئة العامة" في الحزب مكانا في المجمع لأسر المقاومين الذين رفعوا صور احبتهم الثلاثة وبعضها التقط مع نصرالله، ولوحوا بها مطولا رافعين العلم اللبناني ورايات الحزب الصفراء.‏

اما شقيقة شمس الدين فلم تتوقف عن الهتاف: "علي مفخرة الوطن وبطله ويكفيه اعتزازا انه من مدرسة نصرالله". وكان صوتها يرتفع كلما اقتربت منها عدسات المصورين. وكأنها تلعب على خشبة مسرح وتؤدي دورها بامتياز. لكن الحسرة تحرق قلبها رغم "فرحها" الظاهر.‏

انتظر هؤلاء حضور جثامين اولادهم بفارغ الصبر ليحضنوا ما تبقى من اجسامهم الطرية.‏

ادوا صلاة الصبح في مساجد النبي الشيت ويحمر وبرج الشمالي وتوجهوا جنوبا نحو الناقورة، والرذاذ المنبعث من امواج شاطئها الازرق خفف من لوعتهم على غياب فلذات قلوبهم. ولم تتوقف محطة "المنار" عن البث المباشر لرحلة هذه الثلة من الناقورة الى الضاحية الجنوبية، ناقلة الى اللبنانيين والعالم لقاءات مع هذه العائلات التي جددت البيعة للمقاومة وسيدها.‏

اتخذ الحزب احتياطاته العادية في محيط المجمع وداخله ولا سيما في حضور نصرالله واعضاء "حكومة" حزبه، فضلا عن مجموعة من نوابه و"سرية" من اصحاب العمائم البيض والسود. وتقدم الحضور الوزير يعقوب الصراف ممثلا رئيس الجمهورية اميل لحود والنائب اسماعيل سكرية ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري والوزير حسن السبع ممثلا رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة.‏

رفعت صور المقاومين الثلاثة الى جانب رفيقهم الرابع يوسف بركات الذي شيع في مسقطه زبقين في اليوم التالي للمواجهات الاثنين الفائت وكتبت في اسفل صورهم عبارة: "شهداء المقاومة حماة الاستقلال والوطن". وعندما أدخلت جثامينهم محمولة على الأكف مصحوبة بموسيقى النشيد الوطني، تسابق جمهور من الشبان على لمسها وتقبيلها. وسار خلفهم المسؤول عن الحزب في الجنوب الشيخ نبيل قاووق الذي يعرفهم جيدا وكثيرا ما ارتشف الشاي معهم في مواقعهم المتقدمة على الحدود.‏

كثر من السياسيين والمعلقين تحدثوا عن عملية الغجر وأبعادها وانعكاسها على الوضع الداخلي في لبنان سواء كانوا معها او ضدها، لكن قلة منهم ذكرت عائلات هؤلاء المقاومين، كأنهم ليسوا من لحم ودم.‏

حملهم رفاقهم وسط مسيرة حاشدة في قلب الضاحية التي اعتادت هذه الطقوس، اذ لم تفارقها منذ مطلع الثمانينات.‏

أدى نصرالله الصلاة على جثامين من درّبهم وأحبهم، وها هم يلتحقون بقافلة نجله هادي وسيعود هؤلاء اليوم الى قراهم على الراحات والأكف بعد ان أمضوا فصولا مضيئة على طول حدود الوطن التي لا تزال مشرعة لنيران العدو والصديق ومظليين ظاهرين ومستترين.‏

طعّم نصرالله خطابه بعبارات عامية يحاكي مشاعر الحضور واستهله بتعزية عائلات المقاومين وتقديمه التبريكات لهم، وتطرق بالطبع الى المواجهة الاخيرة في محيط بلدة الغجر. ولم تغب مواقفه عن السجال الدائر بين الاقطاب اللبنانيين الذين دعاهم الى عدم الاكتفاء بقراءة صحيفتي "تشرين" و"البعث" السوريتين بل الاطلاع على الصحف الاسرائيلية.‏

تحدث باعتزاز عن المشاهد التي ظهرت على شاشات التلفزة عندما دكت صواريخ المقاومة الموقع الاسرائيلي في الغجر. وليرفع حماسة الحضور ردد "ان المواجهة كانت دامية ووجها لوجه". وارتفع هنا هتاف "لبيك يا نصرالله". ويبقى اللافت في خطابه انه أصر على توجيه تحية الى الحكومة التي شاركت في الاتصالات الناجحة لاستعادة الجثامين.‏

وأيد ما ورد في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء. وعلق على "انتفاضة المازوت" الاخيرة والذين انتقدوا توقيتها بالقول "ان امر عمليات المقاومة من بيروت وليس من دمشق أو طهران". والرد الاعنف في خطابه كان في اتجاه أصوات مسيحية لم يسمها انتقدت سياسة "حزب الله" في الفترة الاخيرة فضلا عن علاقته بسوريا. وقال: "نحن على رأس السطح سنبقى اصدقاء سوريا وطهران. ومن يتهمنا نسأله من انت وما هو تاريخك قبل عام 1982 وبعده؟".‏

وعندما قاطعه أحد الحضور المتحمسين الذي جدد له ولاء البيعة مازحه نصرالله مبتمسا: "بدك تخليني كمّل".‏

في صحيفة الديار:‏‏

يا سيد المقاومة... يا سيد المواقف‏‏

شارل أيوب‏‏

يا سيد المقاومة... يا سيد المواقف... يا سيد حسن نصرالله.‏‏‏

أثلجت قلوبنا، أزلت الكرب والهم عن صدر الوطن.‏‏‏

كانت تقاسيم وجهك تخاطب وجدان الناس، كان الصدق في عينيك، كان الإباء على جبينك، كان ‏عرس الشهادة في كلامك، في موقفك يوم المؤامرات تحاك ضد الوطن، يوم الظلم الإسرائيلي يتحول ‏عدالة برأي الغرب، يوم المؤامرة على بلادنا تعتبر عدالة، يوم انتهاك السيادة يعتبر حقاً ‏للعدو الإسرائيلي.‏‏‏

جئت انت يا سيد المقاومة تحدد النقاط، تتصدى بإباء، بعنفوان، بعزة، بكرامة، بشهامة، ‏ببطولة.‏‏‏

خلتـك جبـل حرمون، شجـرة مـن شـجر الأرز، سـنديـانـة مزروعة من مئات السنين في بلادنا.‏‏‏

يا سيد المقاومة... أعدت الأمور الى نصابها خاصة عندما قلت للمتطاول انت مَنْ.. وعندما ‏قلت له اخبرني من أنت وما هو تاريخك.‏‏‏

بالله عليك يا سيد المقاومة، لا تدافع بشأن قرار المقاومة، ولا تقل أنه ليس في دمشق ولا في ‏طهران بل هو في بيروت، فالشرفاء والأحرار يعرفون أن قرار المقاومة هو في بيروت، ويعرفون ‏ان قرار المقاومة في دم الشهداء، وأمس كان دم الشهداء غزيراً، ولم يكن في توابيت، بل كان ‏دم الشهداء أحمر قانياًً في عيون الناس، لهباً يتطاير، وبركاناً يتفجر في القلوب، ينتظرون ‏إشارة أو كلمة للدفاع عن لبنان، للدفاع عن العروبة، للدفاع عن العلاقة مع سوريا، ‏وللوقوف في وجه اسرائيل والمؤامرات.‏‏‏

اما المتآمرون، فإن اقتنعوا ام لم يقتنعوا بشأن مركز القرار، فلا يهمنا إن اقتنع يوضاس ‏اليهودي أم لم يقتنع، ولا يهمنا ان اقتنع يوضاس العربي اليهودي أم لم يقتنع.‏‏‏

يا سيد المقاومة.. بك نفتخر، وبالمقاومة نعتز وبالشهداء ودمائهم، ننحني أمامهم ونرفع ‏رؤوسنا في ذات الوقت، وان لبنان لمنتصر بوجودك يا سيد المقاومة وبوجود هؤلاء الأبطال في ‏المقاومة، شهداء أحياء وشهداء عند ربهم يرزقون.‏‏‏

في صحيفة السفير:‏‏

سؤال السيد الذي ما زال ينتظر الإجابة؟!‏‏

عمّار نعمة‏‏

لم تكن هي دموع الحزن تلك التي ذرفت غزيرة خلال عرس الشهادة الذي شهده مجمع سيد الشهداء امس، مع وصول جثامين الشهداء، الاحياء عند ربهم، وسام بواب وعلي شمس الدين ومحمد باقر الموسوي، بعد أن سبقهم أخوهم الرابع، يوسف بركات. كانت دموع العزة والفرح التي عكستها زغردات الزينبيات وهتافات الحسينيين، برغم الجراح العميقة التي خلفتها ملحمة الغجر، والتي ازدادت اعتزازاً بخطاب الامين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصر الله، مجدداً العهد والوعد.‏‏

انتظر الدامعون طويلا حتى وصول الجثامين الثلاثة بعد تأخر دام لنحو ساعتين اثر محطات عديدة سلكها الموكب منذ وصوله الى الناقورة من فلسطين المحتلة قبل ظهر امس، ثم عبوره مدن وقرى الجنوب، قبل استقباله استقبال الابطال في ساحة النجمة في مدينة صيدا في طريقه الى بيروت.‏‏

ملأ الخطاب الرسالة الذي حمله السيد، بعضاً من فراغ الوقت الذي خلفه ذلك التأخير، دفعه ذلك الى الاستطراد حيناً، أو التكرار على ثبات الموقف حيناً آخر. لم تمل الجموع التي قدرت بالآلاف وملأت مجمع أبي الشهداء، من الانتظار، فتسمرت أمام الصور الناطقة للشهداء الثلاثة الملفوفة بالورود، وسعدت للدلالات الرمزية والمفصلية، التي حملها السيد في خطابه الوجداني، فهتفت حتى بحت الحناجر، وبكت حتى جفت الدموع.‏‏

فاجأ "أبو هادي" الجميع بعفويته، فقاد هجومه المضاد، القاسي والعنيف، ضد المخونين، وسط الهتاف المعهود في مناسبات الحزب ب"يا الله يا الله احفظ لنا نصر الله" و"لبيك يا نصر الله"، رددتها عوائل الشهداء والجموع من دون كلل. وأعلن السيد بصراحة تجاوزت كل خطاباته السابقة بسبب خطورة المرحلة ودلالاتها العميقة "اننا لن نسكت عن ذلك بعد الآن"، وملخصاً رده على حملات التشهير المسعورة ضد المقاومة بسؤال بسيط، لكن بليغ، وجهه للبيب لعلّه من الاشارة يفهم. سأل السيد المتهجمين الذين تساءلوا خلال الايام الاخيرة عن توقيت العمليات العسكرية في مزارع شبعا، وهم أنفسهم الذين تساءلوا طيلة سنوات مضت عن جدوى المقاومة وتوقيت عملياتها والارتدادات التي من الممكن أن تجلبها الى الداخل اللبناني محذرين من "انقسام" البلاد (الموحدة دوماً حول المقاومة!) تجاه هذه القضية، بالتذكير بأن التحرير الاول العام 1985 تحقق خلال حرب أهلية دامية في البلاد. واذ أكد أن المقاومة الآن هي نفسها منذ انطلاقتها وستبقى كذلك، توجه بسؤال بليغ تجاه الطرف المخون للمقاومة، وجهه بالعامية ليؤكد أن منطق الاتهام هذا مرفوض من الآن فصاعداً من قبل الحزب، فالنقاش حتى في الثوابت بالنسبة الى "حزب الله" مسموح، لكن الاتهامات مردود عليها، وبات سؤال السيد للذي يتهم، مشروعا "أنت مين حتى توجه هذا الاتهام؟!". ضجت القاعة طويلا بالتصفيق على هذا الرد الذي سبقه نصر الله بتذكير "السياديين" بالانتهاكات الاسرائيلية التي لا تحصى للسيادة اللبنانية ليرسم من خلاله صورة المرحلة المقبلة وليخلص الى أن خطف جنود العدو مستمر، والمقاومة مستمرة طالما هناك احتلال وطالما هناك أسرى وطالما ان الخروقات الاسرائيلية السافرة والوقحة مستمرة، فكان تفجر الجماهير اذ ذاك بالهتاف "هيهات منا الذلة"، طبيعياً، مثلما كان التصفيق معبراً للتاكيد على قول السيد ب"مفصلية المرحلة"...‏‏

احتشدت الجموع وراءه إماماً للصلاة على أرواح الشهداء الاحياء، مثلما التفت حوله ولا تزال، قائداً للمقاومة، لينطلق موكب التشييع من المجمع مخترقاً الاحياء المجاورة وسط الدموع والورود والارز الملقى بغزارة من قبل النسوة على جانبي الطرقات ومن على أسطح الابنية المجاورة وسط قبضات مرفوعة من قبل شباب بعمر الزهور أكدوا "ان لبنان لم ولن يتغير" وان "المقاومة مستمرة برغم الظروف بل انها أقوى من ذي قبل".. لكن الاجابة عن ذلك السؤال الاهم هي التي بقيت غامضة بالنسبة للجميع: "من أنت يا من تجرأت على اتهامنا؟!".‏‏

في صحيفة السفير:‏‏

وسام بواب ... عفواً‏‏

عماد سعيد‏‏

وسام عفواً من أين أبدأ الكلام، من عصر يوم 21/11/2005 في مزارع شبعا المحتلة، أو من ولادة الأمل في 16/9/1982، او من أول مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال الصهيوني في ربيع العام 1972 في جنوبنا الحبيب.‏‏

عفواً وسام رضوان بواب، فالذاكرة قد تخون صاحبها ولذا لن استطرد في تقديم الاعتذار حتى لا أسهو عن ذكر اسم شهيد او عملية بطولية، ساعتئذ أكون قد وقعت في الخطأ الجسيم، فمثلكم ممنوع علينا ان ننسى اسماءهم ومآثرهم.‏‏

أعلم ويعلم معي الجميع ان مجرد الحديث معكم وعنكم يحتاج الى أسس وقواعد لا تتوافر فينا، لكن ذلك لا يسقط عنا واجب الاعتراف بتضحياتكم وتفوقكم علينا من دون أدنى شك، في حياتكم وشهادتكم، لكن العفو والتعالي عن الهفوات والأخطاء من شيمكم يا من ضحيتم بالحياة وملذاتها.‏‏

لذلك: نطلب منكم ومن سائر الشهداء الأبرار، الصفح عما ارتكبناه من أخطاء، فأنا من جيل المهزومين والمقهورين في آن معا، لذا لا نتساوى معكم وبالتالي فنحن أقل منكم شجاعة.‏‏

وسام، اسمح لي أيها الشهيد ان أخاطبك بدون ألقاب فأنت اكبر منها وأكبر منا.‏‏

أيها الكبير... أيها السبّاق الى جنّات الخلود، حيّ أتت وقريب أكاد أشعر بنبضك يروي قلوبنا بدمك الذي يرسم لنا طريق النصر على المحتل الصهيوني.‏‏

وسام أنت بطل صنعه الوطن، فكنت أحد نجومه البارزين من حولك أبطال آخرون كلهم نجوم في سماء وطن يسعى للتحرر وشعب لا يرضى إلا العزة والكرامة والأمان.‏‏

سلام عليك وعلى هلال بواب، وهادي نصر الله، ونزيه قبرصلي، ومحمود مونس وعلى جميع الشهداء الأبرار إلى يوم الدين.‏‏

في صحيفة المستقبل :‏‏

لبّوا الدعوة إلى الإباء‏‏

قبل أن يطلبها "الوعد الصادق"‏‏

مهى زراقط‏‏

هناك لا مساحة مرئية للحزن.. قد تراه فقط في الثياب السوداء للنسوة. وإذا أمعنت النظر قليلاً تجده في عيون مبللة لسيدات اخترن الصمت في انتظار وصول جثمان الشهيد.‏‏

كلهن كنّ تحت الأنظار أمس.. لم ترحمهن عدسات المصوّرين الراغبين في الحصول على "لقطة" قد لا يتيحها التنظيم المفرط. مساحة صغيرة أمام الصحافيين عليهم أن يخرجوا منها بخبر.. والخبر بالنسبة للكاميرا يجب أن يكون دمعة أو قبلة.‏‏

لكنهن لسن راغبات في إظهار الدموع.. حتى قبل أن يطلب منهن السيّد حسن "الإباء"، سبقنه إلى تأكيد إبائهنّ..‏‏

أخت البطل‏‏

"قبّليه في الصورة.. انظري إليها.." يقول المصوّر لزوجة الشهيد وسام البوّاب.. تمتثل لتعليمات المصوّر الذي يحاول أن يثير مشاعرها أكثر لكنه لاينجح في إنزال دموعها.. فما ترغب في الكلام عنه يعنيها بقدر ما يعنيها المكان الذي استشهد زوجها فيه.. تتحدث بإباء عن حوادث سير تعرض لها زوجها وكان ينجو منها "وكان يقول لي إنه نجا لأن الله وعده بالموت شهيداً.. وها قد تحقق وعد الله"..‏‏

تضيف لدى السؤال عن وجود أولاد: "ابني عمره عامان ونصف.. بات يعرف أن والده عند الله في الجنة".‏‏

أما شقيقة الشهيد علي شمس الدين، فترفع صورته أمام العدسات وتحكي قبل أن يوّجه إليها أحد السؤال: "أنا أخت البطل.. خيي كان قائد المجموعة.. رفع رأس السيد حسن.. عليه ضربة بـ 7 لا تخيب".. تحكي وتلوّح بيدها إلى مكان بعيد عن عدسات المصورين، تلحق بعينيها لتجدَ صورة شقيقها المعلّقة على المنصة.‏‏

والدة الشهيد محمد الموسوي وزوجته لم تكونا قد وصلتا بعد.. كانتا تستقبلان جثمانه في الناقورة وستصلان مع الجثامين تقول قريبته الشابة، وهي شقيقة أربعة شهداء. تضيف "نحن نتعامل مع الاستشهاد بناء على الآية القرآنية الكريمة: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله". تشرح ويبدو من لهجتها أنها ترغب في ايصال الصورة إلى لبنانيين يبدو أنهم لم يعودوا يعرفون لماذا قد يستشهد شاب في الجنوب اللبناني.‏‏

من أنت؟‏‏

وكلّهم هناك كانوا يريدون أن يقولوا الشيء ذاته، وأن يوصلوا الرسالة نفسها. كانوا ينتظرون أن يحكي السيد "ليسكت الألسنة التي تتناول المقاومة والشهداء بالسوء.. هؤلاء الذين ما عادوا يجدون في الاسرائيليين عدوّاً.." يقول أحد الشباب العاملين على التنظيم..‏‏

فالجو السياسي الذي تلا العملية، والانتقادات التي وجهت إلى الرد "القاسي" و"التصعيدي" من أطراف داخلية كانت حاضرة في ذهن كل عنصر من الحزب.. كل كلمة توجه إلى الصحافيين تنطلق من هذه الخلفية.‏‏

ولذلك لا يعود لافتاً أن يعلو التصفيق مصحوباً "بالصفير" مرتين في مجمّع سيّد الشهداء، الذي لم ترتفع فيه غالباً إلا صرخات التكبير والهتافات الحزبية والدينية على مدى سنوات.‏‏

في المرة الأولى كان نصرالله يسأل كل من يتهم الحزب في وطنيته "من أنت؟ ما هو تاريخك؟ ما هي علاقاتك؟ ماذا قدمت لهذا الوطن؟‏‏

وفي الثانية، كانت جثامين الشهداء تدخل إلى المجمّع على وقع النشيد "الوطني اللبناني" ونشيد "المقاومة الإسلامية"... وعندها فقط انهمرت الدموع الحبيسة في المُقل.‏‏

وبين المرتين، هتاف تكرر أكثر من غيره "الموت لاسرائيل".. ونظرات تتناقل بين الحضور ليتأكد كل شخص أن الآخر يسمع ما يقوله السيّد ويؤكد عليه خصوصاً مع إجراء المقارنة بين الصياد اللبناني المخطوف والمظلّي الاسرائيلي "لو كان الشباب توفقوا بالمظلي الاسرائيلي ماذا كان فعل المجتمع الدولي؟‏‏

سؤال لم يطرحه أحد.. وقد لا يفكّر به أحد.. لكنهم أمس، كانوا جميعاً يطرحونه مع عشرات الأسئلة المماثلة التي باتت في عرف الآخرين "لغة خشبية".. ليؤكدوا بعدها إباءهم والتزامهم بالحزب الذي سيبقى قوياً.. "فهكذا وعد السيّد والسيّد عندنا هو الوعد الصادق"..‏‏

في صحيفة اللواء :‏‏

ثلاثة شهداء في وطن ما "قبل وبعد":نعوش صفراء لا تحتاج الى بطاقة تعريف!‏‏

كتبت سلام ناصر الدين:‏‏

بات المشهد "مألوفا": هم ثلاثة شهداء... ثلاثة وجوه... ثلاث عائلات ووطن تتقاطع فيه أنفاس الدماء مع "ملهاة" العبث.‏‏

لم تكسر خضرة عينيها الدامعتين من حدة الابتسامة التي غلّفت تهاني الاستشهاد: النسوة حضّرن عدة "الزينة" باهتمام بالغ..." حبق وقرنفل وورد واغصان زيتون وأرز"، تشرح احداهن وهي تحمل سلة مطرزة بـ "الدانتيل" الابيض ودمعتين.‏‏

توضح باختصار "ملابسات" الدموع: كل الشهداء ولادنا".‏‏

هم ثلاثة شهداء... ثلاثة وجوه ثلاثة حماة للاستقلال والوطن ووطن يتنازعه ظرفا زمان: "قبل وبعد" من دون ان تتغيّر وجهة الحنين: "ان المقاومة الاسلامية في لبنان التي عرفتموها منذ عام 1982 هي نفسها قبل 2000 وبعد العام 2000، قبل 11 ايلول وبعده، قبل غزوة افغانستان وبعدها، قبل غزو العراق وبعد غزو العراق، قبل خروج القوات السورية وبعد خروج توابيت تحمل ثلاثة شهداء.. ثلاثة وجوه ووطناً على أكف الراحة.‏‏

تعود الزوجة ذات العينين الخضراوين ثلاث سنوات ونيف الى الوراء، تاريخ زفافهما، حيث الصورة لم تتغير الا بفارق ثوب اسود: "بحِس متل يوم عرسنا... كل أمنيتو يشارك بعملية استشهادية نوعية وكان له ما اراد"، تطمئن زوجة الشهيد البواب نفسها.‏‏

ثلاثة توابيت صفراء ترفع "نزيف الذاكرة" الى اعلى الدماغ فيما السواد يجتاح رائحة الحبق المنثور وأوجه اليتامى والثكالى وبعض عيون.‏‏

يحمل التابوت الاول عنوان شهادة وسام رضوان البواب من صور - البرج الشمالي مع دفتر ابوة دوّن طفولة علي ابن السنتين وثلاثة اشهر وخضرة عينين زوجة تغرف "كمشة" ورد وأرز من سلال الوحدة، تنثرها على زوجها الشهيد.‏‏

يتهادى التابوت الثاني على وقع النشيد الوطني اللبناني ونشيد حزب الله وتعبق صور على شمس الدين (26 عاماً) بين ايدي النسوة اللواتي ينظمن صفوفهن لنثر "عيدية" الشهادة على "احياء" اللحظة.‏‏

يجتاز "الصندوق الاصفر" المسافة المختصرة للقاء المضني: "على بطل ... بعث رسالة لإسرائيل... رفع راس السيّد حسن ورفع راسنا".‏‏

تحمل شقيقة الشهيد المتشحة بالسواد علماً اصفر صغيراً وسبحة وصورته: "قالوا ع "ال.بي.سي. عملية انتحارية.. هيدا شهيد... علي البطل خيي قائد المجموعة".‏‏

وتستكمل حديثها المضني: "سلاح المقاومة.. بدنا نضل نقاوم" وتؤكد ان "الرسالة وصلت" بعد خمس سنوات من التحاق شقيقها بصفوف حزب الله وبعد ان التقط صورته التذكارية بزيه المقاوم وبعد ان شق غبار سيفه في عنق المعركة.‏‏

يتهادى التابوت الثالث بتؤدة: يغطي "الصندوق الاصفر" وجه محمد باقر الموسوي الشهيد. القوات السورية، قبل الـ 1559 وبعد الـ 1559... وهذا الحزب هو نفسه في صلابته وارادته وشجاعته" تتردد كلمات السيد صاخبة في غمرة الشهادة.‏‏

اختلطت معادلة "المسيرة" ليمسي عيد الاستقلال محطة لبادرة "حسن سلوك" من قبل حزب الله الذي استنفد صبره بعد 100 قذيفة اسرائيلية سقطت في محيط قرى وبلدات شبعا حتى "نخلّي الناس تعيد"، وفق قول أمينه العام السيد حسن نصر الله.‏‏

استنفد الصبر مراميه البعيدة وأمست المعركة "وجهاً لوجه" وفي "الخط الامامي" لتفقد القيادة الشمالية في الجيش الاسرائيلي السيطرة لمدة 45 دقيقة: المعلومة تستأثر بهمّة المشيعيّن وترديداتهم: "لبيك يا نصر الله.. لبيك يا نصر الله".‏‏

يسأل علي ابن السنتين وثلاثة اشهر عن أبيه الشهيد وسام رضوان البواب ذي النظرات الواسعة: "وين بابا؟ راح عالجنة؟"، وتكتنف وجوه النسوة المتشحات بالسواد ملامح عمر شاب في تابوت اصفر يحمل شهيداً... ثلاثة و"تتيتم" الزوجة الثكلى مرة اخرى وتستقر الـ 25 عاماً في عين شقي صغير يحصي نبضات طفولته في حضن اليتم.‏‏

"الحمد لله.. كنا كتير فرحانين بس خبرنا.. وكنا محضرين لهاالشي ومعوّدين.. اخوتي اربع شهداء واخوتنا كلهم على هالطريق"، تقول ابنة خاله الغارقة في الهدوء.‏‏

المشهد "المألوف" لا يحتاج لكثافة كلمات: "الشهداء هم الوجه الطبيعي لمسيرتنا وليسوا حدثاً عابراً يعبر الموكب خزّان الانتظار... تعبر الجثامين الى نزيف طازج لذاكرة غير بعيدة ولوطن على مرمى بندقية.‏‏

ثلاثة شهداء.. ثلاثة وجوه ووطن غير مرتهن: "نحن اشرف وارفع وانقى واصفى وأخلص وأطهر من ان يجرؤ احد على اتهامنا في خلفيتنا الوطنية".‏‏

ثلاثة شهداء.. ثلاثة وجوه.. ثلاثة صناديق صفراء يتقدمها العلم اللبناني ولا تحتاج الى بطاقة تعريف.‏‏

2006-10-30