ارشيف من : 2005-2008

ما الذي لم يقله حزب الله وحركة أمل حول تقرير ميليس؟

ما الذي لم يقله حزب الله وحركة أمل حول تقرير ميليس؟

بري: سنفرّ من الفتنة كما فررنا منها سابقاً‏

ما الذي لم يقله حزب الله وحركة أمل حول تقرير ميليس؟‏

عماد مرمل‏

بلغة مدروسة، عبّر حزب الله وحركة أمل عن رفضهما لتقرير ديتليف ميليس وفق الصيغة التي خرج بها إلى النور. جاء نص البيان المشترك للتنظيمين مقتضبا ومكثفا، خلافا لعادة البيانات الحزبية، ولكنه كان كافيا ليعكس "الحد الأدنى" من موقفهما إزاء التقرير "الذي لم يوصل اللبنانيين الى الحقيقة المنتظرة، ويحتاج إلى مزيد من التحقيق الجدي والقضائي المستند الى الوقائع والأدلة الملموسة بعيدا عن التوظيف السياسي".‏

وإذا كانت متطلبات مراعاة الوضع الداخلي الهش قد جعلت التنظيمين يبتعدان عن استخدام لهجة حادة في التعبير عن موقفهما العلني، إلا أن المطلعين على فحوى النقاشات بين قيادتيهما يؤكدون ان رأيهما الحقيقي في تقرير ميليس أقسى مما ظهر في البيان المشترك، وهو وصل إلى من يهمه الامر وخصوصا رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي التقى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعيدا عن الاضواء إضافة الى اجتماعه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة.‏

وبموازاة ما يكتسبه مضمون موقف الحزب والحركة من أهمية، فإن الشكل الذي اعتمد في تظهيره لا يقل أهمية، وقد كان لافتا للانتباه في هذا السياق حرصهما على بلورة قراءة واحدة للتقرير عكستها "مرآة" الاجتماع المشترك للقيادتين، الامر الذي أُريد منه القول إن مفاعيل التحالف بين الجانبين ما تزال سارية المفعول وإن المعادلة التي طُبقت في التعامل مع الانتخابات النيابية ورئاسة مجلس النواب واختيار وزير الخارجية تنطبق أيضا على تقرير ميليس.‏

هذا التباين في تقييم التقرير بين "التحالف الشيعي" من جهة و"تيار المستقبل" من جهة أخرى، يضيف بطبيعة الحال عقدة جديدة الى العلاقة المتأزمة أصلا بينهما نتيجة تراكم مجموعة من الاشكاليات منذ فترة، والتي كان السيد نصر الله قد عبر عن بعضها قبل أيام حين انتقد لجوء البعض إلى تجاوز مؤسسة مجلس الوزراء في العديد من الملفات الاساسية.‏

وقد أبلغت قيادة الحزب رئيس الحكومة مباشرة بمآخذها على سلوكه في الفترة الاخيرة حيال بعض المسائل الحيوية، وهي مآخذ قائمة أيضا لدى الرئيس بري الذي يعتبر ان الاولوية الآن ليست لترسيم الحدود مع سوريا بل لترسيم خطوط حمراء حول ثوابت لا يجوز تجاوزها.. ونُقل عن بري قوله خلال الاجتماع الاخير لقيادة "أمل": نحن سنفر من الفتنة كما فررنا منها سابقا، ولن نقع تحت وطأة التهويل، وإذا كنا نشدد على الحكمة في التعاطي مع التحديات وندعو الى امتصاص الانفعالات، فإن على الآخرين كذلك أن يلجموا بعض الامور التي لا تؤدي الى نتيجة.‏

وتنبه أوساط مطلعة في "التحالف الشيعي" الى خطورة "الاستقواء" بمنطق الاكثرية من أجل اختزال الآخرين ومحاولة فرض سياسات معينة، لافتة الانتباه الى ان هناك توافقا في لبنان على ان العدد لا يعتد به في صناعة القرارات وتحديد الاتجاهات "وإلا فإن مبدأ الاكثرية إذا اعتمد في استحقاق يصبح مباحا ومتاحا اعتماده في كل الاستحقاقات.. إنه سيف ذو حدين".‏

وفي ما خص بنية تقرير ميليس، تعتبر الاوساط انه تقرير مسيّس مليء بالفجوات، بما ينفي عنه أي صفة قضائية وبالتالي فهو لا يوحي بالثقة، وما عزز الشكوك مسارعة الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل الى توظيفه لشد الخناق على سوريا، من دون انتظار التثبت من الشبهة، لا بل ان "النية في التوظيف" ظهرت حتى قبل صدور التقرير من خلال الحركة الدبلوماسية التي سبقته لوزيرة الخارجية الاميركية كونداليسا رايس.‏

وتشير أوساط "التحالف الشيعي" الى ان حركة أمل وحزب الله معنيان بالدفاع عن سوريا بما تمثله كمعقل أخير للممانعة في المنطقة، على مستوى الانظمة، ومن هنا كان حرصهما على التأكيد في البيان رفضهما بالمطلق لفرض العقوبات على سوريا، بعيدا عن نظرية الفصل بين النظام والشعب التي روّج لها البعض في لبنان.‏

وتدعو الاوساط الى التوقف بانتباه عند ما ورد في بيان التنظيمين لناحية "الموافقة على تمديد عمل لجنة التحقيق الدولية حتى 15 كانون الاول"، معتبرة ان تحديد السقف الزمني يخفي ضمنا اهتمام الحزب والحركة بلحظ "ضوابط زمنية" لمهمة ميليس بحيث لا يصبح التمديد لها روتينيا كما هو الحال مع قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب، وتعتقد الاوساط ان هذه الاشارة الى المهلة تصب ايضا في خانة الغمز من قناة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي كان قد أعلن عن أن السيد نصر الله أبلغه بأن لا مانع لديه لتمديد مهمة ميليس الى ما بعد 15 كانون الاول، إذا دعت الحاجة الى ذلك.‏

وبالنسبة الى المحكمة الدولية، تشدد أوساط "التحالف الشيعي" على معارضة أي منحى لتشكيل مثل هذه المحكمة التي "لا أحد يضمن أن ينحصر نشاطها في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري"، وتلفت الانتباه الى ان ميليس تحدث في مقدمة تقريره عن انه كان لسوريا دور في لبنان منذ العهد العثماني، ما يعني ان أي مرحلة من مراحل الحقبة الماضية قد تكون عرضة للتشريح في اي وقت، وبالتالي فلا مظلة فوق أي قضية او شخص إزاء محكمة كهذه، علما ان ميليس أشاد بالقضاء اللبناني، فلماذا لا يعطى هذا القضاء فرصته.‏

وتستغرب الاوساط مبادرة كتلة نواب تيار المستقبل الى زيارة السفارات الاجنبية في لبنان من أجل تسويق "المحكمة الدولية"، في حين انها لم تبذل جهدا مشابها لاقناع الشركاء في الوطن بهذه الفكرة، على الرغم من ان الاولوية يجب ان تكون للتفاهم مع الاطراف الموجودة في الداخل قبل التوجه الى الخارج.‏

وتستهجن الاوساط كذلك إثارة مسألة ترسيم الحدود مع سوريا في هذه الوقت، في حين ان المسح الميداني يبين ان النقاط الحدودية التي نختلف حولها مع سوريا هي نقاط قاحلة لا توجد فيها شجرة واحدة، ولا تصلح سوى للكسارات ومكبات النفايات، أما إذا كان المقصود مزارع شبعا فإن الخوض في ترسيمها يحتاج بالدرجة الاولى الى توافق داخلي.‏

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية / 26 تشرين الاول/ اكتوبر 2005‏

2006-10-30