ارشيف من : 2005-2008

يتلقفها ناس "السيّد" ويحفظونها من بعده فتصير لغتهم

يتلقفها ناس "السيّد" ويحفظونها من بعده فتصير لغتهم

كتب جهاد بزي في صحيفة السفير 29/10/2005‏

حين ترتفع عشرات آلاف الأعناق إلى أعلى، يكون "يوم القدس" عند جادة الشهيد هادي نصر الله في الضاحية الجنوبية قد وصل إلى ذروته. رجال وأولاد يستعينون بالحبال للسقوط من أبنية ترتفع أكثر من ثلاثين مترا. يؤدون عرضا قتالياً مهمته الأولى والأخيرة أن يقول للجميع إن "حزب الله" ما زال قويّا وغير مستعد للمساومة على البندقية، وهي بندقية بأسماء عديدة.‏

من خلف الزجاج المضاد للرصاص، يبتسم السيد حسن نصر الله ويفتح يديه للشاب الذي يقف على الشارع امام المنصة ويسأله أن يبدأ العرض. يغيب السلاح عن المتراصين صفوفا، لكن صورة هؤلاء هي صورة المقاتلين بالطبع. ينقسم قرابة خمسة آلاف شاب في سرايا أسماؤها ليست حكراً على جهة (أو جنسية) واحدة. اللواء الأول يحمل إسم السيد عباس الموسوي، الرابع يحمل إسم فتحي الشقاقي، الخامس بإسم الشيخ أحمد ياسين. ثمة سريّة باسم هادي نصر الله وأخرى بإسم الملازم أول في الجيش اللبناني جواد عازار. بندقية "حزب الله" الشيعية، هي نفسها البندقية اللبنانية والبندقية الفلسطينية.‏

البارحة صبغ "حزب الله" الضاحية بألوانه. في يومين من السنة، تتحوّل الضاحية الجنوبية. تصير مكانا هائلا لاحتفال هائل. في العاشر من محرم، وفي الجمعة الأخيرة من شهر رمضان تنقلب الصورة هنا. البارحة كان الشبان بالبزات السود يملأون الشوارع. يقفون عن أولها محولين السير عن المنطقة الممنوع ولوجها بالسيارات. ويمشي شريط اصفر طويل بين اعمدة الكهرباء مانعا السيارات من الوقوف بالقرب من الأرصفة. ترتفع درجة التأهب في الشوارع المؤدية إلى المنصة الرئيسية. يكثر المنظمون. لا يمر إلا المدعوون إلى المنصة والصحافيون ومن يقطن في الأبنية الأشد قربا من الحدث. وعلى هذا أن يشرح بالتحديد أين يقطن وفي أي طابق، وسيرافقه عنصر إلى مدخل مبناه حيث يجد حارسا آخر يقف عند باب البناية.‏

الشابان اللذان أتيا مع صديقهما للتفرج على العرض من شرفة بيته المطلة عادا خائبين. فعنصر "حزب الله" سمح له بالمرور من دونهما، ومن بعدما ردد لأكثر من خمس مرات للشاب "الحلو": لا تواخذني يا حاج".‏

"ملعب الراية" القريب من ارض الحدث تحول إلى موقف للباصات التي حملت المشاركين في العرض من مناطق "حزب الله" المختلفة. ملاعب المدارس المحيطة تحولت بدورها إلى مراكز انطلاق للسرايا على اختلاف الوان ثيابها. وصالة "سيد الشهداء" الواسعة صارت بدورها سقفا للمشاركين. أما الناس فيأتون من كل حدب وصوب. وفجأة، ومن حيث لا يشعرون، يقسمهم المنظمون إلى نسوة يمشين في جهة من الطريق توصلهن إلى منصات النساء، ورجال يمشون في الجهة الأخرى ليصلون إلى أماكنهم. الجمهور هو نفسه بالطبع، بالإضافة إلى راية لحركة "امل" يحملها أحد الشبان فخورا. تعوّد هذا الجمهور الكبير على حزبه. يلتزم حرفيا بما يطلبه منه المنظمون الذين لا يعدون ولا يحصون. لذا، فإن عبارة "مش إشكال"، محط الكلام الذي ينفرد به مناصرو "حزب الله"، تطبق هنا دائما. ليصير الجمهور نفسه جزءا من مشهد "حزب الله" المتكامل. لا إشكالات ستقع مهما يكن. ثمة لطف شديد في التعامل مع الناس لا ينقص البتة من الحزم. لا أحد من هؤلاء مستعد لأن يغير رأيه الذي يعلنه من اللحظة الأولى للسؤال عن كيفية المرور.‏

المنظمون في ثيابهم الثقيلة، خلايا النحل الأسود المنتشرة في كل أزقة وشوارع الحدث، سيصلبون في يوم الصيام المشمس هذا من دون أدنى تذمر. بل على العكس، فإن كل من يرتدي بزة سوداء، كل من يرتفع من صفة مناصر عادي إلى مرتد لقبعة عسكرية تحمل شعار "حزب الله"، سيشعر بأهمية المهمة الملقاة على عاتقه، والتي ليست بالضرورة خطرة، وسيتلفت حوله بفخر. كثير من هؤلاء نبت له شعر في وجهه لم يتحول إلى لحية كاملة، وهو حتما ينتظر بفارغ الصبر لحية تحدد له ملامح انتمائه.‏

ترتفع الحماسة إلى ذروتها مع ارتفاع الأعناق إلى أعلى، متفرجة على الرجال الهابطين على الحبال. صوت "السيد" الذي تحمله عشرات مكبرات الصوت يدوّي ويصل إلى بعيد. لكن "السيّد"، على غير عادة، هادئ في خطابه. لم يقاطعه جمهوره بالهتاف له إلا مرة واحدة، ولم يشركهم في خطابه وينظم هتافهم كما يفعل عادة. ثمة خطاب جدي بين يدي الرجل مدروس بعناية ومحدد النقاط والرسائل. الجمهور ليس من أولويات الخطاب، لكن ما سيقوله السيّد في يوم القدس سيتلقفه هؤلاء المنصتون هنا، ومعهم غالبية كبرى لطائفة. اعتداد السيّد بقوته وبأن الحق معه، تهكمه على تيري رود لارسن والمجتمع الدولي وعدم ثقته بهما، تأكيده الدائم بأن الدول القوية تكيل بمكيالين وبان إسرائيل هي المفضلة دائما من غير وجه حق، كل هذه لغة يتلقفها ناس السيّد ويقتنعون بها ويحفظونها من بعده. تصير لغتهم. حين يحكي "السيّد" ينصت جمهوره ويقتنع بكلامه. هذا الجمهور الذي عاش حكايته الأخرى التي تبدأ باجتياح إسرائيلي وبمقاومة وشهداء وانتصار لم يقتنع يوما لا بعدالة المجتمع الدولي ولا حتى بقوته. لم يقتنع إلا بظلمه. الجمهور المقتنع بظلم العالم له ينصت إلى "السيّد" الذي يعطيه القوة والفخر والأمان. هذا الجمهور سيردد كلام السيد ويتهكم معه على لارسن وغيره. هذا الجمهور لن يثق إلا بمجتمعه الأقرب. المجتمع الذي تحدده صور القادة الشيوخ، الإيرانيون واللبنانيون الشهداء، وبهذا "السيّد" الذي يجلس مستعرضا شبانا مقاتلين وإن لم يحملوا سلاحا، ويصرخون "يا قدس إننا قادمون". يستمع مع قائده إلى الأوامر العسكرية: قطار انتظم. تأهب. انطلق. هذا الجمهور لن يثق إلا بمجتمعه ولن يردد إلا كلام قائده.‏

ثمة عرض عسكري يقام بين الأبنية المأهولة فتبدو كما لو أنها تحضن عرضها العسكري. قبة مسجد الأقصى ترتفع في أكثر من صورة. الرجل المرسوم بالقرب منها يحمل بندقية. بنادق "حزب الله" متعددة. واحدة للبنان وأخرى لفلسطين وثالثة للمقاومة الإسلامية. الماشون في العرض عسكر وإن لم يحملوا سلاحا، والعرض صفته عسكرية. حديث السلاح ما زال بعيدا. رايات "حزب الله" ترفرف بالآلاف. دعونا لا ننسى أن كلمة "حزب الله" في الراية الصفراء تمتد منها يد ترفع بندقية. سلاح "حزب الله" موجود في رايته الصفراء مذ ولد "حزب الله" ورسم شعاره وكتب مبادئه. الحزب وسلاحه ولدا معا. توأمان. من الصعب التفريق بين توأمين.‏

2006-10-30