ارشيف من : 2005-2008

زيارة قيادة حزب الله الى الجمهورية الاسلامية:دلالات الشكل والتوقيت والمضمون

زيارة قيادة حزب الله الى الجمهورية الاسلامية:دلالات الشكل والتوقيت والمضمون

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد 1121 ـ 5 آب/أغسطس 2005‏

تكتسب زيارة شورى حزب الله برئاسة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله الى الجمهورية الاسلامية الايرانية في شكلها وتوقيتها ومضمونها دلالات بالغة الأهمية:‏

فعلى صعيد الشكل فإن زيارة أعضاء الشورى في أغلبية أعضائها مؤشر واضح على الأهمية التي تريد قيادة حزب الله منحها للزيارة. فهي أرادتها زيارة رفيعة المستوى بكل المقاييس لتؤكد على عمق الروابط المتنوعة التي تربط حزب الله بما يمثل من وزن حزبي وطائفي ولبناني بالجمهورية الاسلامية، وبالتالي بما هو أحد القنوات اللبنانية المعبّرة عن مستوى العلاقة التي تربط لبنان بالجمهورية الاسلامية.‏

وهي أرادتها أيضاً بهذا الشكل رسالة واضحة الى من يهمه الأمر من دول الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة الاميركية، رسالة مضمونها الأساسي ان العلاقات اللبنانية ـ الايرانية هي أقوى من كل الضغوط التي تريد النيل منها.‏

وليس أدل على الأهمية التي تريد قيادة حزب الله إيلاءها للزيارة من حجم التغطية الاعلامية العلنية لها، وذلك في سياق غير مألوف لزيارات سابقة من هذا النوع. في الشكل أيضاً، وفي ما يعني برنامج الزيارة، كان واضحاً انها غطت تقريباً مجمل مساحة المشهد السياسي الايراني بقياداته الاساسية والمركزية، بدءاً برئيس الجمهورية الجديد محمود احمدي نجاد، ومروراً بالرئيس المنتهية ولايته السيد خاتمي، فالرئيس الأسبق الشيخ هاشمي رفسنجاني، فرئيس مجلس الشورى حداد عادل، وانتهاءً بسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الاسلامية، وما بينهما من قيادات ايرانية.‏

ان برنامجاً من هذا النوع يوضع عادة لرؤساء وزعماء الدول الكبار، الأمر الذي يعكس بدوره مدى التقدير والاحترام والمكانة التي يحظى بها حزب الله لدى الجمهورية الاسلامية وشعبها، لدرجة ان يعامل معاملة من هذه الدرجة، اضافة الى الرسالة التي أرادت تأكيدها ايران الاسلام لمن يهمه الأمر، وهي أن لبنان بقواه الحية محل تقدير كبير لديها، وان العلاقات والروابط الاستراتيجية التي تربط ايران بقوى لبنان الحية قوية الى أقصى الحدود، وهي محل احتضان ورعاية دائمين.‏

وفي التوقيت، تكمن أهمية الزيارة في كونها تتم بعد سلسلة من التطورات المهمة والنوعية التي حدثت في ايران من جهة، ولبنان من جهة أخرى، اضافة الى ما يعصف بالمنطقة من تطورات ومتغيرات متسارعة تلقي بثقلها على مجمل الوضع الجيوبوليتيكي والجيواستراتيجي في المنطقة بأسرها:‏

فبالنسبة الى ايران تأتي الزيارة عقب حدث سياسي مهم هو انتخابات رئاسة الجمهورية، هذه الانتخابات التي كانت محل متابعة دولية عموماً واميركية تحديداً، لا سيما لجهة الرهان على ما يمكن أن تحمله من نتائج مزدوجة:‏

نجاح الانتخابات نفسها على صعيد الاقبال الجماهيري، حيث عملت الادارة الاميركية جاهدة لاضعاف حجم الاقبال لتتخذ منه متكأً للتشكيك بشعبية النظام، وتالياً بشرعيته، كجزء من هجوم مضاد يستهدف في النهاية بقاء النظام نفسه، في سياق ما يسمى بالثورات البرتقالية، لكن كانت المفاجأة ـ الصدمة للادارة الاميركية ان حجم الاقبال فاق كل التوقعات ما أسقط في يدها، وجعلها تعض على شفاهها غيظاً، وتأكل حقدها في قلبها. واما رهانها الثاني، فكان على مستوى النتائج، فالرئيس الجديد محمود احمدي نجاد اعتبر فوزه بنظر الكثير من المحللين والمتابعين لشؤون ايران بمثابة "ثورة على الفساد، وثورة على الجمود، وثورة على التحديات الخارجية"، والبعض الآخر اعتبر فوزه جواباً ايرانياً جماهيرياً هو "أشبه بعملية دفاع استراتيجي عن نظام الجمهورية الاسلامية، وبالتالي هو أشبه ما يكون بثورة احترازية".‏

بكلمة واحدة، إن الجمهورية الاسلامية بانتخاب أحمدي نجاد قالت رسالتها الواضحة الى من يهمه الأمر، وتحديداً الى الادارة الاميركية، ومضمونها الأساسي انها ما زالت متمسكة بنظام الجمهورية الاسلامية بكل ما يمثل من ثوابت مبدئية وايديولوجية وسياسية في مواجهة الاستكبار العالمي وقوى العدوان والاستعمار الجديد في العالم وفي المنطقة تحديداً.‏

أما بالنسبة الى لبنان، فالزيارة تأتي أيضاً بعد مخاض من التطورات الداخلية كان أبرزها سياسياً الانتخابات النيابية وعملية تشكيل الحكومة. الانتخابات النيابية أفضت الى خروج حزب الله منها فائزاً لا بتمثيل نيابي كبير فحسب، وانما أيضاً بتفويض شعبي كبير على خياراته السياسية، وفي طليعتها خيار المقاومة، كما كانت الانتخابات مناسبة لتأكيد قوة الحزب ليس في مناطقه فحسب، وانما بالمعادلة السياسية التي تحكم علاقة مكونات وعناصر المشهد السياسي العام في لبنان.‏

من جهتها، شكلت عملية تأليف الحكومة مناسبة أيضاً لتظهير قوة الحزب، وبالتالي شكلت مع نتائج الانتخابات النيابية صفعة قوية للادارة الاميركية ولمخططها الخاص بلبنان المنسوج من خيوط القرار 1559 ومستلزماته المتنوعة.‏

فزيارة حزب الله الى ايران جاءت عقب التعديل المهم الذي أدخل على توازنات المشهد السياسي اللبناني، وعلى مساره الخاص، اضافة الى مجمل توازنات الوضع الداخلي، التي بدا حزب الله فيها إما قوة فاعلة مؤثرة، أو قوة مرجحة ووازنة، لا يمكن القفز عنها وتجاوز دورها. في هذا الاطار، وكل من موقعه، يلتقي الجواب الايراني مع الجواب اللبناني في محصلته الأخيرة، على الادارة الاميركية، بحيث بدت الزيارة في توقيتها مناسبة تماماً، لتؤكد ثبات الموقفين في موقع جبهة الممانعة للمشروع الاميركي ـ الاسرائيلي الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك من موقع التضامن والتعاون المشتركين، فالزيارة في المحصلة تقع في سياق خط التوازن الدقيق الخاص بجبهة الممانعة والمقاومة لحقبة الاستعمار الاميركي ـ الاسرائيلي الجديد للمنطقة.‏

مصطفى الحاج علي‏

2006-10-30