ارشيف من : 2005-2008

عملية بئر السبع الاستشهادية: التزام وحكمة

عملية بئر السبع الاستشهادية: التزام وحكمة

الانتقاد/تحت المجهر ـ العدد 1125 ـ 2 أيلول/ سبتمبر 2005‏

انه لأمر مؤسف ومؤذّ أن يتم تناول عملية بئر السبع الاستشهادية الأخيرة بالانتقاد والإدانة على ألسنة بعض المسؤولين، خاصة بعدما ثبت إفلاس خيار المفاوضات في تحصيل حقوق الشعب الفلسطيني. ولإظهار منابع هذا الأسف والشعور بالأذى نناقش منطلقات هذه المواقف التي ترتكز، من الناحية النظرية، على أحد أمرين: رفض مبدأ المقاومة، أو قراءة معينة لتوقيتها السياسي؟‏

فيما يتعلق بالموقف المستند إلى رفض مبدأ المقاومة:‏

- إن إدانة عملية بئر السبع وتبرير ذلك بأنها تعرقل عملية "السلام" لا تُقنع أحدا، ولعل البعض قد غفل عن المدة الزمنية التي مضت على اتفاق اوسلو، ما يُقارب من 12 عاما، أضف إلى انه لا يوجد ما يشير إلى إمكانية أن يؤدي تبني هذا المسار وانتهاجه لتحقيق الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني، فضلا عن توقعات ورهانات السلطة. بل على العكس فالمواقف الإسرائيلية والأميركية المتكررة أكدت وتؤكد بأنه يحق لـ"إسرائيل" ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى كيان العدو.‏

- في المقابل اصبح بإمكان المقاومين، منذ الآن، أن يُشهروا في وجه أنصار التسوية ممن ينتقدون أو يهاجمون مبدأ تبني خيار المقاومة بعضاً مما ظهر للعيان من نتائج تبني وانتهاج هذا الخيار على ارض فلسطين، والذي تمثل بإخلاء مستوطني غزة تمهيداً للخروج النهائي منها، ومقارنة ذلك بما أنتجته كل مفاوضات التسوية التي فشلت في تحريك مستوطنة معزولة من مكانها. من دون ان نغفل ان الطريق ما زالت طويلة امام الفلسطينيين، وما يخطط له شارون من محاولة تثمير هذه الخطوة على ساحة الضفة الغربية وكل فلسطين.‏

أما إن كان الانتقاد نابعاً من توقيت العملية، فيمكن تسجيل التالي:‏

- إن هذه العملية أتت بعد سلسلة من المجازر التي ارتكبها العدو بحق الشعب الفلسطيني في شفر عام وشيلو وطول كرم، وهو ما يؤكد انه لو واصلت المقاومة اتباع سياسة ضبط النفس لشكل ذلك رسالة ضعف لكيان العدو من الطبيعي ان تشجعه على مواصلة سياسته بدون أي رادع أو حسيب، والذهاب اكثر مما ذهب ويذهب اليه.‏

- ترمز (العملية) إلى الإعلان عن عزم حقيقي وعملي لدى الفصائل الفلسطينية بأن المقاومة لن تتوقف عند حدود خروج القوات الإسرائيلية المرتقب من قطاع غزة بعد استكمال إخلاء المستوطنين منه، ولا يخفى ما ينطوي عليه ذلك من مؤشرات باتجاه مستقبل المقاومة في الضفة الغربية ومناطق العام 1948•‏

- ان امتناع المقاومة عن الرد في قطاع غزة واستهداف المستوطنين الذين كانوا مكشوفين امام أي نوع من الهجمات يؤكد ان المقاومة تدرس وتقدر وتحدد المصلحة، ثم تقرر ما ينبغي فعله، وليست كما قد يصورها البعض، من دون ان يعني ذلك اننا نحكم على كل أساليب ومواقيت عمليات المقاومة بالصحة المطلقة.‏

- أيضا أن يصدر في أعقاب هذه العملية من قادة اليمين المتطرف مواقف تطالب شارون بعدم سحب الجيش الاسرائيلي من قطاع غزة وعدم تسليم غوش قطيف للسلطة جراء تنفيذ هذه العملية. أو اعتبار بعض من في الليكود أن هذه العملية "تُثبت بأن شارون اخطأ" في قراره بالانسحاب من القطاع، يعتبر امرا غير ذي صلة بالنسبة للمقاومة لأن الرهان الفلسطيني هو على صموده وبندقيته من دون أن يعني ذلك إغفاله للحراك السياسي وضرورة ان ينطلق في عملياته من رؤية وخطة متكاملة. ولكن فرق بين ضرورة أن تكون العمليات الجهادية جزء من خطة متكاملة وبين أن نستسلم إلى ما يتركه الحراك السياسي الداخلي في كيان العدو من نتائج على قضايانا، واعتبار ذلك بمثابة الفرصة التي ينبغي اغتنامها بالقبول بها ونقطة على السطر.‏

في كل الأحوال ما ينبغي ان يكون حاضرا منذ الان أن الساحة الفلسطينية مقبلة على مزيد من التعقيد السياسي، الذي سينعكس ضراوة في المعركة السياسية والعسكرية، وخاصة ان ساحة المعركة المقبلة الأساسية، هي الضفة الغربية، مع ما تتميز به من مزايا استراتيجية وتاريخية وجغرافية بالمقارنة مع قطاع غزة؟‏

علي حيدر‏

2006-10-30