ارشيف من : 2005-2008

صدمة نتائج المرحلة الثالثة من الانتخابات ما بعدها غير ما قبلها

صدمة نتائج المرحلة الثالثة من الانتخابات ما بعدها غير ما قبلها

العدد 1114ـ 17 حزيران/يونيو 2005‏

إن وصف نتائج انتخابات المرحلة الثالثة بالمفاجأة هو دون المطلوب بالقياس الى ردود الفعل المختلفة عليها من داخلية ودولية معاً. إنها صدمة بكل ما في الكلمة من معنى. فهناك من سارع الى نعي "الأجندة" السياسية للقرار 1559:‏

اسقاط رئيس الجمهورية ـ تغيير رئيس المجلس النيابي ـ بلورة أكثر نيابية طاغية من لون واحد، وتتبنى مشروعاً سلطوياً داخلياً ودولياً واحد ـ امكان المس في المرحلة المباشرة المقبلة بسلاح حزب الله. وهناك من سارع الى نعي الاعتدال، والتبشير بعودة لبنان الى الانحكام الى منطق التطرف، وهناك من نعى قرنة شهوان والدور السياسي للبطرك... الخ.‏

ان خطورة ردود الفعل هذه تكمن على نحو وثيق في كون بعضها يفضح على نحو نهائي وحاسم خيارات وتوجهات البعض في مرحلة ما بعد الانتخابات، وبعضها يفضح حسابات البعض الآخر ورهاناته وتمنياته أيضاً.‏

ولا تبدو ردود الفعل هذه بعيدة عن لقاء قناصل الوصاية الدولية (الفرنسي ـ الاميركي تحديداً) في باريس، حيث تنادوا الى موعد سريع لتقويم ما جرى في مجمل المراحل الثلاث للانتخابات في لبنان، وتأثيرات نتائجها على مجمل الترتيبات الموضوعة لمرحلة ما بعد الانتخابات، وذلك لاعادة النظر فيها، وبلورة ترتيبات جديدة، تحاول تكييف "أجندة" القرار 1559 مع الوقائع الجديدة، وفي طليعة هذه الوقائع التالي:‏

ـ ان الفوز الاستفتائي لحزب الله في الجنوب والبقاع مضموم اليه فوزه اللافت في بيروت وجبل لبنان، ودوره الكبير لا سيما في بعبدا ـ عاليه، اضافة الى دوره المؤثر في أكثر من منطقة، كرسه كأحد أبرز القوى السياسية في البلاد ذات الاحتضان الجماهيري الواسع، التي لا يمكن القفز عنها، بل بات الرقم الصعب في أي معادلة داخلية لا سيما بعد اتخاذه قراراً مباشراً وقوياً للانخراط في مجمل الحياة السياسية الداخلية في لبنان.‏

هذا الواقع القوي، نجح حزب الله من خلاله أيضاً ان يقيم سداً منيعاً ذاتياً حول المقاومة وسلاحها، هذا السد الذي يتغذى من شبكة علاقات واسعة مع قوى أساسية في البلاد، وعلى حرية حركة ليست بالقليلة يتيحها له موقعه المباشر اليوم، حيث بات بشكل نقطة التقاء لاحتياجات كثيرين.‏

ـ سقوط الرهان على امساك المجلس النيابي من رأسه ومن قاعدته، فالوضع القلق الذي كان عليه الرئيس نبيه بري، أو بالأحرى الذي جرى زجه فيه، بات وراءه لاعتبارين رئيسيين: التحالف الواسع لحركة أمل وحزب الله في الانتخابات، بحيث بدا واضحاً انهما الممثلان الأكبر للشيعة في لبنان، وبالتالي لا يمكن ان يخرج خيار رئاسة المجلس عن أحدهما، ومع التسليم الضمني لبري بهذا الأمر يغدو المرشح الوحيد بل الأوحد الباقي الذي على الجميع التعامل معه. والثاني، سقوط أي مرشح منافس يمكن ان يستند الى تمثيل سياسي أو طائفي يؤهله لهذا الأمر.‏

ـ المغزى السياسي وغير السياسي لفوز عون في منطقة جبل لبنان الشمالي (المتن، كسروان، جبيل)، ولدرجة الحضور التي سجلها في بعبدا ـ عاليه، وحتى في الشوف أيضاً. فعون أمسك بقوة برمزية التمثيل المسيحي عموماً والماروني تحديداً من خلال تكريس نفسه كزعيم أقوى في جبل لبنان، وبالتالي نجاحه في الإطاحة بكل منافسيه الآخرين: قرنة شهوان انتهت، وبالتالي المكتب السياسي للبطرك انتهى، الأمر الذي سيفرض عليه اجراء عملية اعادة تموضع لموقعه ودوره السياسي في المرحلة المقبلة.‏

هذا الأمر أيضاً له معنى بالغ الدلالات هو خسارة تحالف الحريري ـ جنبلاط لحليف مسيحي أساسي، خصوصاً في جبل لبنان، ما يعني ضمناً، ان هذا التحالف فقد الغطاء المسيحي الضروري له الذي يحتاجه في المرحلة المقبلة لا سيما لخوضه معاركه الداخلية وتحديداً في وجه رئيس الجمهورية. فالحضور الشعبي لعون اضافة الى حضوره النيابي، غير قابلين لأي تعويض عددي مسيحي يمكن أن يأتي لاحقاً بواسطة أي رافعة لقوة اسلامية، كما قد يحدث في الشمال، فحتى مع فرض نجاح تيار الحريري في حصد كل مقاعد الشمال، فإن هذا النجاح وإن أبقى بيده كتلة نيابية هي الأكبر داخل المجلس، ما يتجاوز الـ70 نائباً، الا انها تبقى دون القدرة على فرض كل شيء، ولا سيما انها ستبقى بحاجة الى تضامنات سياسية نوعية ووازنة لإمرار أي قرارات من النوع الكبير.‏

خلاصة الأمر هنا، انه، وبمعزل عن النتائج التي يمكن أن تأتي بها انتخابات الشمال، فإنه من الخطأ على أي طرف أن يأخذ بحسبانه فقط جانب التمثيل الكمي في المجلس، فتوازنات مرحلة ما بعد الانتخابات لا تقف عند حدود المجلس النيابي أو في داخله، وإنما تتجاوزهما الى المساحة الشعبية الواسعة التي سجلت حضوراً لافتاً ومنبهاً لأول مرة في الانتخابات النيابية ربما منذ العام 1992 حتى اليوم.‏

لا شك، أن مجمل هذه الوقائع باتت في متناول نظر قوى الوصاية الدولية على لبنان، ولا شك أيضاً، انها اربكت وستربك حساباتها، على الأقل الجدول الزمني لـ"أجندتها" السياسية، إلا أن هذا لا يعني، ولا يجب أن يعني مطلقاً دعوة الى الاسترخاء السياسي، فهذه القوى جادة في تنفيذ "أجندتها" السياسية، وبالتالي، ستعمد الى شتى السبل لتنفيذها، ما يفرض على كل القوى السياسية الحريصة على استقرار لبنان وأمنه وعلى موقعه الوطني والقوي، وعلى ايجاد المخارج السياسية وغير السياسية لمشاكله الداخلية، كما يفرض على كل القوى الشعبية التي أثبتت ان حسها الوطني ووعيها السياسي ازاء ما يراد لها ولوطنها، وإزاء ما يحدث من حولها، يتجاوز وعي الكثير من السياسيين الذين يمتهنون العمل السياسي تجارة ونفاقاً وتآمراً، هذه القوى يجب أن تبقى على جهوزيتها الواعية أكثر أي وقت مضى، فبعد اسبوع من الآن، سنكون أمام مرحلة أخرى ولبنان آخر.‏

مصطفى الحاج علي‏

2006-10-30