ارشيف من : 2005-2008
عملية نتانيا الاستشهادية: اعتبارات سياسية وانتخابية تحكم الرد الإسرائيلي
الانتقاد/ تحت المجهر ـ العدد 1139ـ 9/12/2005
يمكن القول ان الرأي العام العالمي ومن ضمنه الجمهور العربي ـ على الاقل في غالبيته ـ بات لا تستفزه المعلومات والمشاهد التي تبثها وسائل الاعلام عن اعتقالات واغتيالات تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، بل ويمر عليها مرور المعتاد على مشاهدة هكذا احداث من دون أن يترتب على ذلك أي ردود فعل تتناسب مع ما يفرضه الشعور بالانسانية أو المسؤولية أو الانتماء... إلى ان اتت العملية الاستشهادية التي نفذتها سرايا القدس لحركة الجهاد الإسلامي، والتي ادت إلى مقتل خمسة صهاينة وجرح العشرات... فأحدثت نوعاً من الهزة والمفاجأة.. وعليه يمكن التقدير بأن العملية ساهمت في اعادة تذكير العالم بالشهداء والمعتقلين الفلسطينيين، ولكن مع الاسف لن يعدو ذلك عن كونه خاطرة تمر في الذهن ولا يلبث أن يعود التركيز على نتانيا وقتلاها..
ملاحظة كان لا بد من إبدائها قبل الإشارة إلى انه حتى لو أتت العملية الاستشهادية في أعقاب سلسلة طويلة من الاعتداءات الإسرائيلية إلا أنه لا يمكن تجاوز حقيقة انها نُفذت في ظرف موضوعي ترك وسيترك اثره على بعض من تداعياتها ونتائجها حتى لو لم يكن - لهذا الظرف - أي حيز في خلفية صانعي قرار تنفيذ العملية، وعليه يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
- لم يعد سرا الحديث عن مخطط تنتهجه قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتماد سياسة الاستفراد بحق حركة الجهاد الإسلامي، إذ تم طرح ذلك والاعلان عنه عبر وسائل الاعلام الإسرائيلية، وعبر عنه مسؤولون امنيون كبار في كيان العدو من أمثال رئيس الشاباك وكبار ضباط الجيش، وبُدئ بتنفيذه منذ عدة اشهر حيث لوحظ التركيز، بشكل أساسي، على مجاهدي وكوادر وقاعدة الحركة، وتحييد حركة حماس ـ إلى حد كبير ـ انطلاقا من رؤية يتبناها العدو على ان اولوية حماس في هذه المرحلة ترتكز على تهيئة الاجواء لنجاح الانتخابات التشريعية، وبالتالي ما لم تُحرج أو تحشر فلن تبادر إلى الرد على العدو.
- بناءً على ما تقدم من المتوقع ان يبقى الرد الإسرائيلي ضمن نفس السياسة العامة المنتهجة (باستهداف الجهاد) ما دام بالإمكان مواصلة هذه السياسة بدون أي ازعاج، وخاصة ان الادانات والتصريحات الشاجبة توالت على الحركة (الجهاد) من قبل مسؤولي السلطة على خلفية ردها على استهدافها المتواصل... واستمرارا في سياسة الاستفراد حتى في الرد على العملية أُعطيت التوجيهات للجيش الإسرائيلي باستهداف ناشطي وقيادات الجهاد مع "الامتناع عن مواجهة حماس، التي تحافظ حتى الآن على ضبط النفس في طريقها إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية" (هآرتس/ الوف بن/6/12/2005).
- على خط مواز، وكون أن العملية أتت في ظل بدء الحملات الانتخابية، بعد تبلور خارطة سياسية جديدة في الكيان الإسرائيلي، في أعقاب انشقاق شارون وتشكيله حزب كديما (إلى الأمام) وفوز اليساري عمير بيرتس برئاسة حزب العمل وتبلور الليكود بعد شارون على انه ينتمي إلى معسكر اليمين المتطرف (على ان يتم حسم وجهته بعد الانتخابات التمهيدية في 19 من الشهر الجاري)، كل ذلك يجعل للتنافس الانتخابي مساحته في صناعة قرار الرد. فسيطرة الجو الأمني مضرة بمرشح حزب العمل الذي يُركز بشكل أساسي في برنامجه السياسي على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، في حين سيتقاسم التنافس على تثمير هذه العملية كل من شارون ومرشحي حزب الليكود إلى رئاسة الحزب، ويبدو من الاستطلاعات ان شارون يحظى بثقة الجمهور اكثر من أي مرشح اخر في معالجة المشكلة الأمنية، وبالتالي فلا بد لشارون ووزير حربه شاؤول موفاز (المرشح إلى رئاسة الليكود) ان يظهرا بمظهر الزعيم المؤهل لمواجهة التحديات الأمنية اللذين بدآ بتبادل الاتهامات... وهو ما يملي خطة استهدافات أمنية متواصلة كما كان قبل العملية، ولكن مع اختلاف في الوتيرة بعد العملية.
علي حيدر
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018