ارشيف من : 2005-2008

تصعيد التدويل والوصاية الأجنبية على حساب الوحدة الوطنية التويني مغدوراً، والموت المسيَّس

تصعيد التدويل والوصاية الأجنبية على حساب الوحدة الوطنية التويني مغدوراً، والموت المسيَّس

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد 1140ـ 16/12/2005‏‏

نحن أمام مفارقة من نوع خاص، والمشهد بقدر ما يبدو مريراً فهو يبدو ساخراً الى أقصى الحدود.. ولعل هذه هي طبيعة التراجيديا اللبنانية التي بقدر ما تستدعي الدموع، فهي تستثير الضحك.. ومن المؤكد أن طبيعة التناقض الصارخ هذه، هي منبت المرارة الموجودة في كل لسان، هذا التناقض الذي لم يجد له حلاً في الماضي، ولا يبدو أنه يتجه نحو حلٍ في المستقبل، لأن اللبنانيين احترفوا التسويات الزئبقية وسياسة ترحيل الأزمات، عوضاً عن مواجهتها والتصدي لها واختراع الحلول الوطنية الكبيرة لها.. هذا أقل ما يمكن أن توصف به تطورات هذا الأسبوع.‏‏

ميليس يرفع تقريره الثاني الى مجلس الأمن، وهو في صورته الإجمالية أشبه بملحق لتقريره الأول. الشغل الرئيسي فيه تمحور حول الدفاع عن تقريره الأول أكثر من أي شيء آخر. وهذا أمر له ما يبرره بالنسبة اليه، لأن مصداقية تقريره الأول وعمل لجنته باتت كلها بالدف وفي الميزان، بفعل شهادة هسام طاهر هسام. لا يستطيع ميليس الاستسلام أمام واقع كهذا، لأنه سيعني هزيمة مركبة ليس له وحده فحسب، وإنما لكل التوظيفات السياسية والاستثمارات السياسية التي وضعت في التحقيق دولياً وداخلياً.. لذا كانت مهمة التقرير الثاني إعادة إيقاف التقرير الأول على قدميه، وشن هجوم مضاد، وقلب ما يمكن أن يكون لمصلحة سوريا ضدها. وأكثر من ذلك، يريد ميليس التأكيد أن لا شيء من وجهة التحقيق قد تغير، وبالتالي فإن كل ما بني عليه من رهانات وتوظيفات سياسية ما زال على حاله.. ويكاد التقرير يقول إن كل شيء بات منتهياً، وإن اللعبة المتاحة هي لعبة الوقت، لأن التحقيق بحاجة لأن يدشن في المرحلة المقبلة المرحلة السورية بامتياز، فرحلة الـ50% اللبنانية انتهت، ويبقى الـ50% الأخرى من حصة دمشق، ما يعني ان الأمور مقبلة مجدداً على تجاذب جديد واضحة معالمه منذ الآن.‏‏

الشيء الوحيد اللافت في التقرير الذي كما يبدو خالف تمنيات قوى لبنانية، ان ميليس لم يذهب بعيداً في اتهام دمشق بعدم التجاوب مع عمل ومطالب لجنة التحقيق، واكتفى بوصف السلوك السوري والتعامل السوري معها بالبطء والمشروط، داعياً الى مرحلة جديدة من التعاون الكامل غير المشروط. طبعاً هذا لا يرضي واشنطن التي تريد انصياعاً سورياً كاملاً، انسجاماً أولاً مع توجهاتها السياسية الدولية الجديدة التي لا تقبل الحوار او التفاوض أو التسويات، وثانياً مع رغبتها في دفع الأمور في مجلس الأمن نحو فرض قدر معين من العقوبات على سوريا، وثالثاً لوضع سقف عالٍ يتيح لها إيجاد التسوية المطلوبة حول هذا القدر من العقوبات.‏‏

وفي مطلق الأحوال لا يبدو ـ كما أشيع في بيروت ـ ان تقرير ميليس صب بالمطلق في غير مصلحة سوريا، بل على العكس، اذ يبدو أن دمشق بدت في وضعٍ مريح أكثر من ذي قبل.‏‏

في هذه المناخات وفي مناخ الحراك السياسي الداخلي والتجاذب السياسي الداخلي حول مسألة المحكمة الدولية، وفي أجواء الضغوط الكبيرة المبذولة على قوى الأكثرية في داخل الحكم للخروج من الحالة الحالية، جاءت عملية اغتيال النائب جبران تويني.‏‏

المفارقة هنا ان عملية الاغتيال جاءت خارج المناخات العقلية لتقرير ميليس الثاني، ومنسجمة أكثر مع ما كان يشيعه البعض في الداخل، وعلى النقيض تماماً من مناخات التقرير. وأكثر من ذلك، ثمة في بيروت من القوى السياسية، من كان يشيع منذ مدة أجواءً من عدم الاستقرار في الداخل، ويبشر بأيام سوداء، ويرمي الاتهامات جزافاً شمالاً ويميناً.. وثمة أيضاً من كان يجري تقويمات وحسابات تقول إن الأمور لم تعد تحتمل المراوحة، وإن معالم هزيمة ما قد أخذت تلوح بالأفق، وإن تسويات محتملة قد تقوم في المنطقة بين سوريا وواشنطن ستكون لها أثمانها اللبنانية.‏‏

وهناك أيضاً من يؤكد ان الضغوط الأميركية والفرنسية بلغت حداً كبيراً مؤخراً على قوى الأكثرية، لجهة حضها على ان تأخذ أمور السلطة بكل يديها، وأن تخرج من المعادلة الحالية للحكم.‏‏

وأكثر من ذلك، ثمة تحضيرات مكثفة وقوية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، كان يقوم بها التحالف الأميركي ـ الفرنسي ـ البريطاني، لاتخاذ قرار بإنشاء محكمة دولية للنظر في قضية الحريري، والدعوة الى إنشاء لجنة تحقيق جديدة للنظر في مجمل جرائم الاغتيال وأعمال التفجير الأخرى، وأن هذه التحضيرات تنتظر فقط القرار اللبناني الرسمي.‏‏

وسط هذه المناخات والمعطيات كلها جاءت عملية اغتيال النائب جبران تويني، التي ما كاد يتبين أنه هو، حتى سارعت قوى الأكثرية الى استثمار دمه المغدور والمسفوح في أكثر من اتجاه:‏‏

أولاً: إقرار مسألة المحكمة الدولية ومطلب إنشاء لجنة تحقيق في كل الجرائم بالأكثرية داخل مجلس الوزراء. هذا الإقرار الخطير بكل الأبعاد لجهة ما يعنيه من إمعان في تدويل الوضع اللبناني وفي وضع لبنان أمنياً وقضائياً تحت الوصاية الأجنبية، يلغي أي استقلالية أو دور حقيقي للأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية في لبنان.‏‏

والأخطر من هذا كله ان هذا القرار اتُخذ على حساب الوحدة الوطنية ومبدأ التوافق السياسي العام الذي تشكلت بموجبه الحكومة الحالية، والذي جرى التوافق على أن يشكل قاعدة العلاقة بين مختلف القوى الرئيسة داخل الحكومة وخارجها، خصوصاً في ما يتعلق بالقضايا المصيرية. وهذا ما شرع الأبواب على احتمالات أزمات سياسية ووطنية بالغة الخطورة، خصوصاً اذا ما أصرت قوى الأكثرية على ركوب رأسها والانقلاب على معادلة التوافق لمصلحة معادلة حكم الأكثرية الزائفة واقعاً وموضوعاً، مدفوعة بحمى سعيها للإمساك بالسلطة، ولو اقتضى ذلك تصعيد تدويل الوضع اللبناني وتوسيع عملية الوصاية الأجنبية له.‏‏

أضف الى ما تقدم، أن هذه القوى لم توفر استثمار حادثة الاغتيال باتجاه دمشق وعلى نحو يوافق تماماً ما أكدته جريدة "هآرتس" الصهيونية، عندما أكدت أن استراتيجية فرنسا وواشنطن تجاه لبنان تقوم على فصل لبنان عن سوريا نهائياً وعلى نزع سلاح المقاومة. فسرعان ما وجهت هذه القوى اتهامها لدمشق مهملة كل الاحتمالات الأخرى، لتدفع المزيد من الحواجز النفسية والسياسية ضد سوريا، ولتصديع العلاقة بين البلدين على نحو استراتيجي.‏‏

لقد كان أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى دقيقاً عندما حذر من أيدٍ شريرة تعمل على تصديع العلاقات بين لبنان وسوريا.. وكذلك لم توفر هذه القوى رئيس الجمهورية، بالإعلان عن حرب ضروس أمنية وقضائية ضد من تسميهم حلفاء سوريا في لبنان.‏‏

هل نحن أمام تدشين مرحلة جديدة؟ كل ما تقدم يؤكد ذلك، لكنها مرحلة اذا لم ترجع الحكمة فيها الى عقول البعض، فستدفع لبنان الى عين العاصفة.. وإذا كان من كلمة أخيرة تقال للمراهنين على التدويل والوصاية الأجنبية، هي قول من قال: عجبت ممن يأمل ويضع مصيره في يد غيره؟!‏‏

مصطفى الحاج علي‏

2006-10-30