ارشيف من :أخبار لبنانية

الثمـن الباهـظ

الثمـن الباهـظ

صحيفة "السفير" - ليلى نقولا الرحباني

تشهد الولايات المتحدة الأميركية بداية تحولات مختلفة الاتجاهات تجاه إسرائيل، فهناك من جهة التشنج الكلامي الذي يسيطر على العلاقة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، أو ما يمكن تشبيهه بـ«عوارض تململ» ظهرت لدى إدارة أوباما وانسحبت على جزء من الأميركيين، ومن جهة أخرى تظهر «بدايات» تحول في القواعد الاجتماعية لليهود الأميركيين.

خلال مناقشة الأزمة الاسرائيلية الأميركية المستجدة يربط البعض بين الأمرين للقول، إما أن الإدارة تستند الى التبدل في النظرة اليهودية لتبرير تململها، أو أن تململ الإدارة العلني شجع الأصوات اليهودية الأميركية المعارضة للتصرفات الإسرائيلية. وبالرغم من أن دراسة الواقع تشير الى تقاطع مصالح وتشجيع متبادل بين الاثنين، فإن العلاقة السببية تبدو غير واضحة تمامًا. وفي النظر في الأسباب نجد دوافع مختلفة لدى الطرفين ولو اشتركا في النظرة الى أن «التطرف الحالي يضر بمستقبل إسرائيل وعليهما منعها من تدمير نفسها».

وفي دراسة الدوافع نجد ما يلي:

تململ الإدارة الأميركية.

من دون شك، إن التباين الإسرائيلي الأميركي الحالي الذي يأخذ صورة خلاف على المستوطنات ليس وليد اللحظة الراهنة، بل إن المطّلع على التقارير الأميركية ومراكز الأبحاث المستقلة يجد أن لها جذورًا تعود الى مرحلة ما بعد الفشل الأميركي في العراق وتحديدًا فترة ما بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006.

برزت الخلاصة التي توصل اليها بترايوس حول العلاقة مع إسرائيل وتداعياتها على المصلحة الأميركية نتيجة منطقية لجنرال حريص على مصالح دولته وأمن جنوده، وكمكلّف تقييم استراتيجيات «الحرب على الارهاب» ومعالجة إخفاقاتها.

وتطابق تقييم بترايوس مع أصحاب النظرة الواقعية في السياسات الدولية التي تحكم على الظواهر والأحلاف السياسية بنتائجها، فوصل الى النتيجة نفسها التي توصل اليها جان مارشماير وستيفن والت في دراستهما المعنونة «اللوبي الإسرائيلي» الصادرة في آذار 2006. وقد استنتج الكاتبان أن الدعم المفرط لإسرائيل كلف أميركا أثمانًا باهظة، وبالرغم من الأهمية الاستراتيجية التي أعطيت لإسرائيل خلال الحرب الباردة، فقد أثبتت المراحل التي تلتها أن إسرائيل تحولت الى «عبء استراتيجي»، خاصة خلال فترة «الحرب على الإرهاب».

واقعيًا، أعطت الولايات المتحدة إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا أكثر مما بادلتها هذه الأخيرة. وعند قدوم الأميركيين عسكريًا الى الشرق الأوسط، لم تستطع الولايات المتحدة استخدام القواعد العسكرية الإسرائيلية لشن حربها على العراق عام 1990 واحتلالها له عام 2003، بل طلب الأميركيون من الإسرائيليين عدم التدخل مباشرة في تلك الحملات العسكرية، لئلا يؤدي تدخلهم الى الإضرار بالمصالح الأميركية، كتقويض التحالف ضد العراق في حرب الخليج الثانية، والى استثارة مشاعر المسلمين والعرب خلال احتلال العراق عام 2003. وجاء الوقت الذي احتاج فيه الأميركيون الى إسرائيل للقضاء على حزب الله في لبنان بالنيابة عنهم، ففشلوا وانهارت معهم أحلام مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي بشّرت به كوندليسا رايس.

وبعد مجيء أوباما الى الحكم، والتخلي عن الذرائع التوراتية للسياسة الأميركية، بدأت الدوائر العسكرية والسياسية تعيد تقييم الاستراتيجية الأميركية في حربها ضد الإرهاب، وكان لا بد من العودة الى السؤال المحوري الذي طرح بعد 11 أيلول مباشرة: «لماذا يكرهوننا؟»، فكان الاستنتاج أن دعم أميركا لإسرائيل المنتهكة لكل القوانين والأعراف الدولية، وغض النظر عما يقوم به الإسرائيليون من فظائع، هو الذي أدى الى كراهية أميركا في العالم وليس كما تمّ الترويج له خلال عهدي بوش بأن «الإرهابيين» يهاجمون أميركا بسبب كرههم قيم الغرب الحضارية وللحريات وحقوق الإنسان.

التحولات اليهودية في أميركا.

إن دراسة تطور التوجهات السياسية لليهود الأميركيين تفيد بأن لحرب 1967 التأثير الأبرز في صعود اللوبيات اليهودية الداعمة لإسرائيل، فقد وجد المدافعون عن إسرائيل و«حقها في الوجود والدفاع عن نفسها في بيئة تريد رميها في البحر»، وفي الانتصار السريع الذي حققته إسرائيل دافعًا لهم للتعبير عن أنفسهم بقوة.

وفي السنوات التي أعقبت تلك الحرب، استعادت الثقافة الأميركية «المحرقة» وبدأ الحديث عنها في المناهج التربوية وفي اللقاءات المنظّمة والإعلام، فطغى شعور عارم بوجوب عدم السماح بتكرار الأمر، ما أدى الى تصاعد قوة اللوبي اليهودي الإسرائيلي الحديث. ببساطة، تنظّم اليهود الأميركيون في سياسات دعم إسرائيل بدون قيد أو شرط انطلاقاً من اقتناعهم بأنهم الوحيدون الذين يقفون بين إسرائيل ونسيان المحرقة وعدم تكرارها.

لكن ما بثّ من صور الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وبالأخص في حرب غزة الأخيرة، ساعد على كسر المقاومة اليهودية التقليدية لانتقاد إسرائيل. وبدا التحوّل أكثر وضوحًا في القواعد الاجتماعية اليهودية في الجامعات، حيث أصبح تأييد الفلسطينيين الاختبار الحاسم للالتزام «التقدّمي» بين الطلاب والأكاديميين اليهود. والملاحظ أن الشباب اليهودي يؤدي دورًا فاعلاً في الحركات المناوئة للسياسات الإسرائيلية وفي دعوات المقاطعة وسحب الاستثمارات، ما جعل المنظمات الصهيونية تعتبر أن «الجامعات بدأت تتحول الى مقر تنمو فيه سياسات معاداة السامية الجديدة»، الأمر الذي دفع دانيال بايبس الى إنشاء ما يُعرف «مراقبة الحرم الجامعي» campus watch لمراقبة ما يجري في الجامعات الأميركية ولترهيب ومعاقبة الطلبة والأكاديميين الذين يتجرأون على انتقاد إسرائيل.

في تحليل هذه الظاهرة، يمكن القول إن الشباب اليهودي الجديد ليس متأثرًا بدعايات حرب 1967، بل إنهم بمواقفهم، يطبّقون على إسرائيل ما تعلّموه عن حقوق الإنسان والمساواة والديموقراطية والقيم الأميركية الليبرالية. لذا تتقدّم المسألة الإسرائيلية ـ الفلسطينية لتحتلّ المركز في عالمهم السياسي، ويبدون رأيهم فيها من هذا المنظار.

2010-05-01