ارشيف من : 2005-2008
"انفلونزا الطيور" تهدد قطاع تربية الدواجن:الخسائر تطال عشرة آلاف عائلة.. وعدم مبالاة الحكومة يفاقم الوضع
مشهد مربي الدواجن والطيور المعتصمين أمام السراي الحكومي يوم أمس كان ذروة تحرك هذا القطاع الذي يشهد محنة قاسية منذ بدء الحديث عن انتشار مرض "انفلونزا الطيور" قبل عدة أشهر. وعلى الرغم من عدم حصول أي إصابة في لبنان، إلا أن مخاوف المواطنين شكلت "انفلونزا قاتلة" لهذا القطاع الذي يشهد خسائر يومية في ظل عدم مبالاة حكومية إزاء محنته. لم يكن هذا التحرك يتيماً، إنما جاء بعد سلسلة من الاتصالات مع الوزارة المعنية ورئيس الحكومة والاتحاد العمالي العام، واعتصامات في شتورة والكرك أُلقيت خلاله صناديق البيض على الطرق وأُطلقت الطيور تعبيراً عن الاحتجاج والاستياء من طريقة التعاطي الرسمي التي تبدو قاصرة عن مجاراة تعاطي الدول المحيطة مع هذا القطاع.
بداية المشكلة لهذا القطاع بدأت مع بدء الحديث عن انتشار "انفلونزا الطيور" في العالم ومن ثم المنطقة، خصوصاً تركيا، وتحذيرات منظمة الصحة الدولية بأن المنطقة أصبحت في دائرة الخطر، واتخاذ لبنان إجراءات احترازية لمنع وصوله إلى لبنان. هذه الأجواء أشاعت حالة من الذعر لدى المواطن انعكست بصورة مباشرة على استهلاك لحوم الدجاج والبيض، حتى كاد البعض يلغي لحم الطيور من قاموسه الغذائي برغم التطمينات التي أطلقها أكثر من مرة وزير الزراعة طلال الساحلي وإمكانية تجنب الإصابة بهذا المرض حتى لو كانت الطيور مصابة به. ولكن على ما يبدو فإن المواطن اللبناني اختار الطريق الأقصر ليشعر بالأمان، فقاطع هذه المنتجات ليتسبب من حيث لا يدري بمحنة لهذا القطاع الذي يعاني الآن الكساد والخسائر يومياً ويهدد لقمة عيش آلاف العائلات التي تعيش على هذا المورد الرئيس في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة!
وبرغم أنه من المفترض أن يزول خطر الإصابة بهذا المرض عن لبنان منذ 15 تشرين الثاني، وهو التاريخ الأخير لعبور الطيور المهاجرة فوق لبنان في رحلتها نحو الجنوب، إلا أن المواطنين ما زالوا يمتنعون عن تناول الدجاج والبيض.
وفي إطلالة على واقع القطاع المذكور، يظهر أن لبنان يمتلك في قطاع الدواجن ثلاثة ملايين فرخة بيّاضة، منها في البقاع مليونان ونصف المليون. وكانت السوق اللبنانية قبل أزمة "الانفلونزا" تستهلك ستة ملايين فروج أيضاً، منها مليونان ونصف مليون في البقاع. ويعمل في هذا القطاع حوالى 20% من الشعب اللبناني، أي حوالى عشرة آلاف عائلة. وتساهم في هذا القطاع شركات كبرى أمنت فرص عمل لهؤلاء، وهي اليوم تتجه لتصفية أوضاعها والإقفال و"إنتاج" أعداد إضافية من العاطلين عن العمل، وبالتالي المزيد من المشاكل الاجتماعية.
ويستفيد من هذا القطاع أيضاً ضعفا العدد السابق بدءاً من المرفأ وصولاً إلى المستهلك، وكذلك العاملون في النقل والمزارع وشركات الأميات والصيصان والمسالخ والملاشات والمطاعم ومعامل المخللات، فضلاً عن المساهمة في إدخال إيرادات للدولة من استيراد الأعلاف والدواجن عن طريق الضرائب.
إذا الموضوع يبدو خطيراً ويهدد قطاعاً اقتصاديا مهما، لذلك كان تحرك أصحاب هذا القطاع على أكثر من صعيد باتجاه المسؤولين المعنيين، وكانت التحركات سلمية، ولكن استمرار تدهور الحال يوماً بعد يوم ينذر بأن المشكلة تتجه إلى مزيد من الخطورة مع احتمال تلقي هذا القطاع ضربة قاسية إذا لم يخفف العبء عن أصحابه.
ويأخذ مربو الدواجن والطيور على الحكومة عدم إيلائها هذا القطاع الاهتمام المناسب وسوء إدارتها للموضوع منذ البداية، ما ساهم في تفاقم الأزمة فضلاً عن قصورها عن مجاراة الدول المجاورة في التعاطي مع هذه المشكلة.
ويقول رئيس نقابة مربي الدواجن والطيور في محافظة بعلبك ـ الهرمل علي الحاج حسن إن سوء الإدارة للموضوع أدى إلى ذعر لدى المستهلك، وهذا الهلع جعل الإنتاج يتكدس لدى المزارعين ما اضطر المزارع إلى رمي إنتاجه، فوصلت خسائر كل ألف طائر دجاج إلى ستة عشر دولاراً في اليوم الواحد. وبدل أن يباع الفروج خلال أربعين يوماً زاد إلى الستين، وهذا الأمر يضاعف التكلفة ويزيد من الخسائر نتيجة استهلاك كمية أعلاف اضافية، فضلاً عن انخفاض السعر 60%!
وتابع الحاج حسن: "أما مشكلة الأميّات التي تولد الصيصان فالواحدة تكلف 15 دولاراً حتى تبدأ بالإنتاج، فيقوم المزارع ببيع الصيصان لسد هذه القيمة. أما اليوم ونتيجة ما آل إليه القطاع، فإن المربين يرمون الصيصان، وبالتالي تحدث خسائر مضاعفة". وكذلك فإن مشكلة بيض الأكل هي نفسها مشكلة الفروج، إذ انخفضت أسعاره من خمسة عشر دولاراً للصندوق إلى سبعة دولارات! وتسبب إغلاق المعابر من قبل الدول العربية بزيادة خسائر القطاع نتيجة انتشار إشاعة الانفلونزا".
ويحمّل الحاج حسن الدولة مسؤولية التعاطي السلبي مع المشكلة حتى الآن، حيث تظهر اللامبالاة، بينما تعاطت الدول المحيطة بنا بشكل مختلف. في سوريا مثلاً أعطت الحكومة قروضاً للمزارعين بقيمة مئة وثلاثين مليون دولار طويلة الأجل.. وفي تركيا قدمت الحكومة الأعلاف مجاناً حتى يبقى القطاع صامدا، فيما قامت مصر بشراء كامل الإنتاج. أما في لبنان وبعد تحرك المزارعين ورمي إنتاجهم في الطرقات احتجاجاً على التعاطي الحكومي، أُقر مبلغ ثمانمئة ألف دولار، ولكن من دون أن يرى منها المزارعون شيئا حتى الآن!
وقد علمت "الانتقاد" من مصادر خاصة أن الأمم المتحدة قدمت مبلغ مئة وثلاثة وأربعين مليون دولار لمساعدة قطاع الدواجن في لبنان ولم يعرف أيضا بيد من أصبح هذا المبلغ أو بحساب من، ولم يحصل المزارعون على أي شيء بعد.
ويتابع رئيس نقابة مربي الدواجن والطيور: إن مبلغ 800.000 دولار هو جزء بسيط لا يرفع الكارثة عن المزارعين ولا يحل المشكلة، وهو يعكس عدم اهتمام وجدية الحكومة بشريحة كبيرة من المجتمع اللبناني. علماً بأن هذا القطاع كان يضخ أموالا طائلة وعملات صعبة في السوق اللبنانية، وبدل أن تساعد الدولة في حماية هذا القطاع تعمل بسياستها على التضييق عليه.
ويشير الحاج حسن إلى أن النقابة نظمت العديد من التحركات باتجاه المسؤولين، ولكن من دون جدوى، وعبرنا عن رفضنا للقرارات المجحفة، وأصدرت النقابة بياناً رفضت فيه قرار مجلس الوزراء رفضاً قاطعاً لأنه لا يقارب حقيقة وضع القطاع وتداعيات تدهوره, وشددت على التصعيد حتى وصول المزارع إلى بر الأمان.
وأشارت النقابة في بيانها إلى أن الحكومة "ضربت بعرض الحائط كل المشاورات والدراسات مع النقابة، واستفردت بقرار لا يفي بأي من متطلبات لقطاع يستفيد منه 20 في المئة من الشعب اللبناني مباشرة، وأن العاملين في القطاع مهددون بكرامتهم وتدمير قطاع مربي الدواجن نهائيا بأصوله وفروعه، وإفلاس المزارع نهائيا بعد وقوعه تحت تهديد التجار بإقامة دعاوى قضائية عليه لتأخره في دفع المستحقات".
وقد التقى ممثلو النقابة مع وزير الزراعة أكثر من مرة ونوقش الموضوع، كما التقوا برئيس الحكومة الذي لم يتعاطَ بإيجابية، معترفا بأن الموضوع محق ولكن من أين يأتي بالأموال؟
ودعا مسؤول وحدة النقابات المركزية في حزب الله الحاج هاشم سلهب الحكومة إلى عدم التعاطي بسلبية مع هذا الملف كما تعاطت مع كثير من الملفات الزراعية". ورأى أن الحكومة بتعاطيها السلبي تساهم في إثارة الذعر وضرب هذا القطاع وقال: إذا كان لدى الحكومة ما يستهدف القطاع الزراعي بما يتعلق بالتزامات دولية فلتطرح هذا الموضوع على طاولة الحوار لإيجاد حل إجماعي له.
واعتبر سلهب أن النقابات والمزارعين ما زالوا يتعاطون بإيجابية مع الموضوع، وهم مستمرون في تحركهم السلمي للمطالبة بإعانة المزارعين بما يمكن هذا القطاع من الاستمرار، خصوصاً بعد أن ترك الكثير من المزارعين دواجنهم من دون طعام وقاموا بإتلاف طيورهم، وهو أمر خطير لا يمكن تجاهله!..
عصام البستاني
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1153 ـ 17 آذار/مارس 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018