ارشيف من : 2005-2008
تحركات ضاغطة ومذكرات للهيئات الاقتصادية: وصول الحوار إلى نتائج يوفر فرصة تاريخية لحل الأزمة الاقتصادية
مع دوران عجلة الحوار الذي دعا إليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري وتلبية القادة السياسيين "باب أول" الدعوة للمشاركة في جلساته، كان أرباب القطاع الاقتصادي يهمسون بصوت خافت عن تساؤلات حول عدم إدراج الموضوع الاقتصادي ضمن بنود الحوار، وخصوصاً أن لبنان يقف على أعتاب مؤتمر "بيروت 1".
هذا الهمس سرعان ما تحول إلى تحركات ضاغطة وإصدار مذكرات ومطالبات تشدد على الحوار واستمراره وتحذر من الانعكاسات السلبية لفشله. وتزامنت هذه المطالبات مع التصريحات العابرة للقارات والمواقف النارية التي هزت الحوار وأشاعت أجواءً تشاؤمية حيال نتائجه، وإمكانية التوصل إلى حلول تعيد على الأقل الاستقرار السياسي الذي يشكل الأرضية الخصبة لانتعاش الاقتصاد وإمكانية نهوضه من كبوته.
ومع استئناف الحوار والتوصل إلى رزمة من التوافقات على بعض القضايا الخلافية عاد شيء من الأمل من دون أن يعني ذلك أن المخاوف زالت، وخصوصاً أنه ما زال هناك جولة منتظرة الأسبوع المقبل، وأن أي تعثر لا بد أن ينعكس سلباً كما حصل بُعيد قرار تأجيل جلسات الحوار لأسبوع حيث توقف العمل في سوق القطع والأسهم والحركة الاقتصادية.
بانتظار جولة الأسبوع المقبل من الحوار كيف تقرأ الجمعيات والهيئات الاقتصادية الحوار، وماذا تأمل منه، وأي مخاطر ستنجم عنه في حال تعثر؟
يقول نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في لبنان محمد لمع لـ"الانتقاد" إن الحوار يجب أن ينجح كون الخسائر والأضرار الاقتصادية ستكون كبيرة فيما لو لم يحقق مبتغاه، وهذه الخسائر ستنعكس أولا على الاستثمارات، وخصوصاً أن أي مستثمر يرغب بالتوجه إلى لبنان يحتاج إلى ضمانات، وفي مقدمها الاستقرار الأمني والسياسي، فالحوار بالنسبة للاقتصاديين كخشبة الخلاص، لا بل فرصة تاريخية يجب استثمارها نظراً للضائقة الاقتصادية التي يعيشها لبنان والتي تفاقمت في السنة الأخيرة.
وفي معرض تقويمه للوضع الاقتصادي الراهن يرسم لمع إطاراً مأساوياً مقروناً "بشهادات حية"، وهي شهادات يمكن التوقف عندها ملياً، خصوصاً عندما يتحدث عن القطاع التجاري، وقوله إن الحسومات التي تضعها المحال التجارية والتي تتراوح بين 60 إلى 70 في المئة لا تجد لها زبائن محليين نظراً لفقدان القوة الشرائية، والقطاع الصناعي مشاكله لا تعد ولا تحصى، وقد ترجم ذلك إقفالاً للعديد من المؤسسات الصناعية وتسريح للآلاف من عمالها، والوضع السياحي ليس أفضل حالاً إذ يسجل تراجعاً سنة بعد سنة، هذا عدا عن القطاع الزراعي الذي يعاني أصلاً من تهميش فاضح من قبل الحكومات المتعاقبة، ومن دون أن ننسى الأسباب والخلافات السياسية التي حالت دون انعقاد مؤتمر "بيروت واحد"، والتي أطاحت بمؤتمر "باريس 2" لعدم التزامنا بتعهداتنا الإصلاحية أمام الدول المانحة".
ولأن الهيئات الاقتصادية تخشى من تضييع فرصة الحوار مجدداً، فهي تضغط بكل قواها على المتحاورين ليخرجوا بنتائج إيجابية، ويروي لمع في هذا الإطار كيف أن المستثمرين العرب ابدوا استعدادهم للاستثمار في لبنان بمبلغ يفوق الأربعة مليارات دولار نتيجة الأجواء الايجابية التي أشاعها الحوار، وكان ذلك قبل أن يشهد الحوار بعض العثرات بفعل التصريحات النارية التي أطلقت من الخارج في موازاته. ويتوقع لمع أن يزيد حجم الاستثمارات في لبنان إلى عشرة مليارات من الدولارات فيما لو نجح الحوار، وهي استثمارات تعود في جزء كبير منها إلى مؤتمر "بيروت واحد".
ويوضح لمع أن الهيئات الاقتصادية لا تطلب من المتحاورين أن يناقشوا الملف الاقتصادي بقدر ما تطالبهم أن يؤمنوا الجو السياسي "الذي هو أساس نجاح الوضع الاقتصادي، لأن لا اقتصاد مزدهراً في ظل وضع سياسي متأزم".
هذا الهاجس يسكن بقوة رئيس جمعية الصناعيين في لبنان فادي عبود الذي يعتبر "أن أي فشل للحوار من شأنه أن يزيد الإحباط الذي بدأ مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري". وهو من القائلين إن الحوار وإن أخذ متسعاً من الوقت لا يضر ما دام سيخرج بنتيجة إيجابية، غير أن هذا الأمل الذي يعقده على المتحاورين يبقى محفوفاً بالمخاطر، "لان الجميع يخشى أن نخسر ما كان ملك يدينا، وهذا ما لمسناه عندما جرى تعطيل الحوار حيث سجل هبوط في سعر البورصة".
مطلب واحد يرفعه عبود إلى المتحاورين وهو "أن يستقيلوا من التدخل في الشؤون الاقتصادية"، أما المطلب الآخر الذي يصر عليه فهو "كما أن هناك طاولة لمناقشة الملفات السياسية يفترض إيجاد طاولة أخرى تخصص للحوار الاقتصادي تضم قادة الهيئات الاقتصادية والوزراء المعنيين بهذا القطاع بهدف مناقشة كل الملفات العالقة، وساعتئذ نحن نتكفل بموضوع الإصلاح".
أما "النظرية" القائلة بأن لا حاجة للحوار الاقتصادي إذا نجح الحوار السياسي، فلا تجد قبولا عند عبود، خصوصاً عندما يقدم أسئلة افتراضية من قبيل "هل إذا نجح الحوار السياسي سيجري منع الرشى في مرفأ بيروت والكسارات؟.. وإذا لم تحصل ورشة إصلاح اقتصادية جادة فماذا نفعل حيث يخسر لبنان أكثر من مليار دولار سنوياً هدراً!".
"إذا كانت بعض عناصر مكونات الاقتصاد اللبناني قابلة للتصدير، فماذا عن القطاع السياحي، هل يمكن تصديره؟".. سؤال يطرحه رئيس إتحاد المؤسسات السياحية في لبنان بيار الأشقر في معرض تأكيده أن المطلوب اليوم هو الاستقرار السياسي والأمني، وهذا "لا يتوافر إلا بطريقة الحوار والتفاهم بين القوى السياسية في البلاد". وهو بهذا المعنى يحمل المتحاورين مسؤولية الوصول إلى تسوية سياسية لكل الملفات العالقة على طاولة الحوار "لأن هناك فرصاً كبيرة جداً لإنجاح الاقتصاد، وخصوصاً أن هناك ثورة مالية حاصلة في الدول العربية يمكن توظيفها في لبنان إذا ما توافر لها الاستقرار السياسي والأمني".
ويقول الأشقر بشيء من الاعتزاز عندما يصل إلى الدور الذي يلعبه هذا القطاع في تمتين دعائم الاقتصاد الوطني "نحن لدينا ما يقارب 14 ألف مطعم ومقهى وملهى، و400 فندق، و300 مؤسسة للشقق المفروشة، و700 مؤسسة سياحية، وهناك مناطق بكاملها قائمة على السياحة، وتشمل مناطق للتزلج والاصطياف، فضلاً عن نوعية الخدمات التي تؤمنها هذه المراكز السياحية، وتوظيفات في البنوك تقدر بـ62 مليار دولار.. وإذا قدر لنا أن نقوم بتظاهرة بإمكاننا أن نحشد مليون سائح".
هذا الكلام الذي أطلقه الأشقر بقدر ما يرمز إلى أهمية هذا القطاع فهو يعبر عن هواجس لديه في حال فشل الحوار، باعتبار أن أي انتكاسة هذه المرة قد تقضي على هذا القطاع الذي يرتكز على السواح، وهذا لا يتوافر إلا باستقرار البلاد.
في المقابل يجزم الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة "بأن الحوار القائم اليوم في المجلس النيابي ليس من شأنه أن يلعب دوراً مباشراً في حلحلة الوضع الاقتصادي بل في تأمين المناخ المساعد الذي يسمح للقطاع الاقتصادي أن يعمل بعيدا عن أي ضغوطات سياسية أو أمنية"، ويعتبر أن أي حلول قد يخرج بها الحوار من شأنها أن تعطي دفعاً قوياً للحكومة اللبنانية بأن تسير في مؤتمر بيروت واحد وبالتالي القيام بالإصلاحات الاقتصادية التي يفترض القيام بها.
ولا يوافق حبيقة القائلين بوجوب إقامة طاولة حوار اقتصادية على غرار طاولة الحوار في ساحة النجمة، ذلك أن الحوار الاقتصادي قائم أصلاً بين مختلف مكونات المجتمع المدني "لكن المشكلة تكمن في عدم إمكانية تطبيق الإجراءات الاقتصادية في ظل أوضاع أمنية وسياسية متشنجة".
وحبيقة من المدافعين عن إجراء الحوار على مراحل لا دفعة واحدة، بهدف أن يعطي ثماره المرجوة للوضع الاقتصادي، خصوصا فيما يتعلق بالبرنامج الاقتصادي للحكومة الذي تأجل أكثر من مرة نتيجة خلافات سياسية".
أما بشان مؤتمر "بيروت واحد"، والكلام عن قرب انعقاده، فيوضح حبيقة أن هذا كلام غير صحيح، ذلك أن الحوار لم ينته بعد، وان هناك بنوداً ما زالت عالقة. ويتساءل في حال لم يتوصل الحوار إلى حل مسألة رئاسة الجمهورية هل نبقى معتكفين لانتهاء مدة ولاية رئيس الجمهورية، مفترضاً أن "يصار إلى تشكيل حكومة جديدة تعمل من جديد على إعادة تحضير مؤتمر بيروت من نقطة الصفر".
وبخلاف القلق الذي تعيشه الهيئات الاقتصادية من تعثر الحوار، فإن حبيقة يبدو مطمئناً إلى أن الحوار مستمر.
حسين عواد
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1153 ـ 17 آذار/مارس 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018