ارشيف من : 2005-2008

التشكيك بهوية مزارع شبعا استفز ذاكرة الأهالي: نحن لبنانيون لم نرَ إلا معاملات لبنانية والسيادة لم تكن يوماً لغيرنا

التشكيك بهوية مزارع شبعا استفز ذاكرة الأهالي: نحن لبنانيون لم نرَ إلا معاملات لبنانية والسيادة لم تكن يوماً لغيرنا

يكبح أهالي شبعا ومنطقتها غيظهم من موجة التشكيك في لبنانية مزارع شبعا التي أطلقها بعض الأشخاص حتى وصل بهم الأمر إلى الاستعانة بالانترنت وخرائط الأمم المتحدة لتأكيد "وجهة نظرهم"، على الرغم من خروجهم على الإجماع اللبناني.‏

وإن كان الحوار في جولته الثانية قد خرج بنتيجة إجماعية على لبنانية هذه المزارع، إلا أن أهالي هذه المزارع إضافة إلى أبناء منطقة العرقوب كافة، يحفظون شيئاً وحيداً في ذاكرتهم: هو أنهم لم يملكوا إلا صكوكاً لبنانية لأملاكهم، ونزاعاتهم لم يحلها إلا القضاء اللبناني.‏

يسرد الأهالي الكثير من الشواهد على أن السيادة لم تكن يوماً إلا للبنان على هذه المزارع، وإن كانت تربطهم علاقات ممتازة مع أشقائهم السوريين في القرى المجاورة.‏

ذاكرة هؤلاء الأهالي إضافة إلى علماء دين وبعض رجال القانون، كلها تؤكد أن مقولة الملكية للبنان والسيادة ليست له غير واقعية ولا مكان لها في قاموسهم الوطني الذي كان الدافع للكثير من أبناء المنطقة لحمل البندقية دفاعاً عن أرضهم.‏

المواقف المشككة في لبنانية المزارع استفزت مشاعر أهالي تلك المنطقة إلى درجة دفعت بعضهم للتأكيد أنه "لا يحق لأحد ان ينكرها.. وهذا ما تؤكده الهوية والانتماء وما نملك من وثائق ومسندات ملكية تؤكد اننا نحن ابناء هذه الارض قبل الاحتلال الاسرائيلي، وحتى قبل اعلان دولة لبنان الكبير".‏

ينطلق الحاج ديب غياض في رفضه للتشكيك في الهوية ليصل إلى التحدي فيقول: "أنا ولدت في ارض شبعا التي تمتد من درجة الحمرا، وادي العسل، بركة مرج المن، وصولا الى قصر عنتر. وبناء عليه فإن شبعا بما فيها المزارع هي لبنانية 100%. انا أتحدى (المشككين) بأن يأتوا بمستند يثبت العكس، ومن يقول غير ذلك فـ"منه لله"..‏

يستغرب المواطن شحادة سليمان من بلدة كفر شوبا الحديث عن اي كلام يناقض لبنانية المنطقة التي ولد فيها هو وآباؤه وأجداده، ويقول: "نحن لبنانيون لم نرَ الا معاملات عقارية لبنانية. لدينا أقرباء وأنسباء في كل لبنان، ونتمنى من المقاومة استكمال تحرير بقية أرضنا المحتلة في تلال البلدة. اننا مشتاقون لترابنا وأشجارنا، وكفى استخفافا بالحقوق المقدسة للوطن وللأهالي الصامدين!".‏

يعرف الحاج التسعيني أحمد شحادة كل حجر في المزارع، وحدودها على الأرض مطبوعة في ذاكرته، وليس بحاجة إلى أي خريطة لمعرفة ذلك. يقول: "أعرف حدودها (المزارع) من "نخيلة" الى "تل القاضي" الى "وادي العشائر" الى بقية الأطراف.. ومن يقل ان المزارع ليست لبنانية فهو لا ينطق لا صوابا ولا حكمة، بل يحمل خرائط مزيفة وله مآرب شخصية!".‏

من ناحيته يتسلح مختار بلدة شبعا عبدو حسن بمستندات عقارية وبيانات صادرة عن الحكومة اللبنانية تعود الى العام 1942 ويقول: "هذه الوثائق تدحض اي خرائط، وهذه مستندات منذ 1925 من أيام "القرش" تؤكد ان الارض لبنانية توارثناها أباً عن جد". ويتابع حديثه بحدة: انظر الى الحجج: زبدين، شبعا.. وهذا خاتم الجمهورية اللبنانية.. وهذه حجة اشترى والدي طوابعها من صيدا ومن مرجعيون.. وهذه ايضا حجة مسجل عليها التاريخ الهجري 1312 وعليها طوابع لبنانية!‏

وتبدو قضية لبنانية المزارع عند عضو مجلس بلدية كفر شوبا حسين عبد العال أمراً مسلماً به، لذلك يتجاوزها للحديث عن مقاومة العدو الإسرائيلي التي انطلقت من "بين كرومنا ومنازلنا" فيقول: "نحن لا نعترف بالخط الأزرق.. أرضنا ما زالت محتلة ومن حقنا المقاومة، وعلى الدولة اللبنانية دعم المقاومة فعلاً لا قولاً، وعليها إثبات حقنا في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا لكل العالم بالفعل والعمل. وعليها أيضاً التأكيد للمجتمع الدولي والهيئات الدولية أن مزارع شبعا وتلال كفر شوبا لبنانية، ونرفض أن تبقى مكتومة القيد".‏

ولا يختلف رأي علماء وأئمة المنطقة عن رأي مواطنيهم، لا بل يبدي هؤلاء ألمهم من التشكيك في هوية أرضهم ويدعون إلى إخراج هذه "القضية الوطنية الكبرى من سجل المزايدات السياسية".‏

ويتوقف عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى القاضي الشيخ حسن دلة عند قضية التمييز بين الملكية والسيادة مطولاً فيقول: "بالنسبة الى مزارع شبعا فإن الوثائق هي وثائق ملكية، صحيح.. ولكن السيادة تدل على انه منذ سنة 1920 وما فوق حتى سنة 1944 موجودة. يوجد حكم في المحكمة الشرعية السنية في حاصبيا، ادعاء الدولة اللبنانية على أوقاف شبعا، بالنسبة الى مشهد الطير.. هل يملك الوقف الاسلامي 3 ملايين متر مربع او مئتي دونم؟ هناك نزاع بين محكمة البداية ثم انتقل الى الاستئناف، وهذا موجود في وزارة العدل وموجود في المحكمة السنية العليا، حتى تقرر فسخ الحكم لمصلحة الدولة اللبنانية وإعطاء أوقاف بلدة شبعا التابع لقضاء حاصبيا ممهورة بالختم اللبناني.. انه لأوقاف مشهد الطير، على ان يعود ريع الـ200 دونم و3000 شجرة سنديان لصناعة الفحم للوقف ولمساجد منطقة مرجعيون وحاصبيا. وتابع: هناك حدود محددة هي وادي العسل تفصل ما بين حدود لبنان وحدود الجولان.. ووادي العسل له نقاط، ويوجد لدينا طابو سند تمليك، وسند التمليك هذا تابع عقاريا الى النبطية. ويوجد لدي شخصيا عدة سندات في مزارع شبعا، ومنذ عام تقريبا دفعت عليها رسوم نقل ملكية إرثية من والدي الى أهلي، وأخذوا مني مبلغا ماليا بالليرة اللبنانية لقاءه، ولو لم تكن هناك سيادة على هذه الأرض لما دفعنا المال. وهناك ايضا محاضر ضبط ببعض الرعاة، ومحاضر من الجمارك كذلك. والذين يدعون ان هناك مخفرا سوريا في زبدين فهذا كان ضمن اتفاقية بين لبنان وسوريا لضبط الحدود من التهريب لا أكثر ولا أقل. لذلك فمزارع شبعا هي لبنانية سيادة وملكا بناءً على الوثائق الموجودة لدينا نحن اهالي هذه المنطقة وسكانها".‏

أما الشيخ جهاد السعدي من شبعا فقال: "يعرف العالم كله ان هذه المزارع لبنانية ومسجلة في صيدا، ومن يقل إن المزارع سورية فهو ينطق وفق مصالحه الشخصية. لبنان مسجل نفوسه بحاصبيا وصيدا لا بفلسطين ولا بسوريا".‏

ويقول باستغراب الشيخ عبد الحكيم عطوي في معرض تأكيده لبنانية المزارع: "انها مسجلة في الدوائر العقارية في صيدا.. هل من المعقول انها ارض سورية تسجل في صيدا؟! لو كانت ارضا سورية لسُجلت في سورية.. حرام ان نضيع حق اهالي شبعا وكفر شوبا.. هذه الارض ملكنا وحقنا، وعيب ...".‏

ومن الناحية القانونية يؤكد العميد الركن المتقاعد أمين حطيط "ان اي ادعاء بعدم لبنانية مزارع شبعا باطل وفارغ، لأنه في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان الذي رفعه الى مجلس الأمن بتاريخ 22 أيار/ مايو عام 2000 قال حرفيا في الفقرة 16: "قامت حكومة لبنان بإبلاغ الأمم المتحدة بوجود تفاهم مشترك بين لبنان والجمهورية العربية السورية بأن هذه المزارع لبنانية، وشمل قرار اللجنة اللبنانية السورية المشتركة. وخلص في عام 1964 الى ان المنطقة لبنانية، وأن الحدود الدولية ينبغي ان يعاد رسمها وفقا لتلك النتيجة. ويقول الامين العام إن لبنان أثبت هوية المزارع اللبنانية وإن سوريا أيدت، لكنه تذرع بعدم الانسحاب بشكل لا علاقة له بهوية الارض.‏

وتابع حطيط: الى ذلك عدنا في العام 2000 الى وثائق ومستندات الملكية ورسمنا خطا وفقا لما ينبغي، وتقدمنا بطلبنا الى الأمم المتحدة.. وهي وثيقة من وثائق الأمم المتحدة يظهر عليها بالخط الأحمر قول الأمم المتحدة بأن لبنان يطالب بهذا الخط. ولكن الأمم المتحدة رسمت الخط الازرق فوق الخط الذي نطالب به، وهذا إقرار من الأمم المتحدة بأننا نحن طالبنا بالمزارع وهي رفضت المطالبة بحجة انه لم يكن بمقدور مجلس الأمن لدى اعتماده القرارين 425 و 426 ان يدرج ضمن منطقة عمليات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان منطقة سبق ان شكلت جزءا من منطقة عمليات قوات الأمم المتحدة لمراقبة خط الاشتباك.‏

وأضاف: ان الذريعة التي اتخذتها الأمم المتحدة هي سبق إلحاق، وبذلك لا نستطيع ان نعدل هذه المنطقة. طبعا نحن رفضنا المنطق المطروح الذي لا يستقيم مع اي منطق قانوني او تاريخي او قانون دولي عام. هناك اتفاق ضمني بين الأمم المتحدة و"اسرائيل" والولايات المتحدة الاميركية بإبقاء المزارع تحت السيطرة الاسرائيلية لتُتخذ بابا تدخل منه "اسرائيل" على لبنان من بوابة القرار 242 لتفاوضه، لأنها لم تستطع ان تفاوض لبنان عبر القرار 425 الذي لم يعطها مثل هذا الحق.. ثم جاءت المقاومة لتجبرها على الانسحاب من غير اتفاق.‏

محمد جعفر‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1153 ـ 17 آذار/مارس 2006‏

2006-10-30