ارشيف من : 2005-2008

قوى 14 شباط تنقلب على نفسها!

قوى 14 شباط تنقلب على نفسها!

الحوار تحت وطأة "القصف المزدوج"‏

ما هو مصير مؤتمر الحوار الوطني الذي يعاود أعماله يوم الاثنين المقبل لمواصلة البحث في موضوع الملف الرئاسي؟‏

سؤال يُطرح بجدية خلال الأيام الأخيرة لسببين:‏

الأول: بعد النتيجة التي آلت اليها الجولة الرابعة من الحوار، والتي انتهت إلى تظهير جميع العُقد المحيطة بالملف الرئاسي من دون حصول أي بوادر للتوافق على أي مسار يمكن أن يغير من الواقع القائم.‏

والثاني: موقف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة من المقاومة في الجلسة المغلقة للقمة العربية في الخرطوم، وهو ما "أصاب مؤتمر الحوار اللبناني في الصميم".‏

في الملف الرئاسي ترى أوساط متابعة أن نتائج الجلسة الأخيرة للحوار بيّنت أن هذا الملف بات أمام حائط مسدود، وأن تحقيق التغيير الرئاسي دونه عقبات محلية وترقب إقليمي وانشغال دولي بملفات أخرى على صعيد المنطقة.‏

محلياً بدت قوى الرابع عشر من شباط عاجزة عن الخوض في أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية على طاولة الحوار، وهرب بعض أركانها إلى الحديث عن خارطة طرق لبرنامج الرئيس المقبل. واعترفت هذه القوى بأن هذا الملف لا يمكن بته على الطاولة نظراً لتعقيداته المتشعبة، وهي قبلت بمزيد من التشاور وأخذ الوقت لمقاربة الملف من زاوية ثانية، من بينها تأمين إجماع مسيحي وماروني تحديداً على مرشح واحد، وهو ما تستبعد المصادر المتابعة حصوله أيضاً نظراً لكثرة المرشحين وعدم استعداد أي منهم للانسحاب لحساب آخر ضمن الصف الواحد، فكيف بمسألة ترشيح العماد ميشال عون الذي بدا أنه المرشح الجدي الوحيد على الساحة! ولكن قوى الرابع عشر من شباط تعمد الى محاصرته وترفض وصوله الى سدة الرئاسة، لأن "برنامجه السياسي يختلف جذرياً عن برنامجها" برغم الكلام المعسول أخيراً من بعض قوى الرابع عشر من شباط أن العماد عون هو مرشح جدي ضمن باقي المرشحين. وعليه فإن طبخة التغيير ليست ناضجة على الصعيد المحلي.‏

وفي البعد الإقليمي للملف الرئاسي كان هناك شبه إجماع على ضرورة حصول تدخل عربي في هذا الملف.. وكانت قوى الرابع عشر تأمل بتدخلات مصرية ـ سعودية لدى سوريا للضغط على الرئيس إميل لحود للتنحي عن منصبه، وكان التعويل على حصول ذلك خلال القمة العربية التي انعقدت في الخرطوم، لكن ما جرى أن شيئاً من هذا القبيل لم يحصل لعدة اعتبارات، منها أن الدول العربية مشغولة بمراقبة ما يجري في المنطقة من استحقاقات، خصوصاً على الساحة العراقية، وما هو مرتقب من حوار أميركي ـ إيراني حول هذا الملف وفي فلسطين المحتلة مع حصول الانتخابات الصهيونية واستلام حركة حماس السلطة، فضلاً عن أن سوريا التي تربطها علاقات متينة مع الرئيس لحود أعلنت في أكثر من مناسبة عدم تدخلها في الشأن اللبناني، وهي بالتالي ليست معنية بتقديم هدايا لفريق الرابع عشر من شباط الذي شن عليها أشرس الهجمات السياسية خلال الفترة المنصرمة.‏

وكان لافتاً على هامش القمة العربية في الخرطوم في هذا السياق، اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية إميل لحود مع الرئيس السوري بشار الأسد.. ويتضح مما تقدم أن الجو العربي ليس مهيأ للخوض في مسألة الملف الرئاسي اللبناني، وهو يشجع القوى السياسية اللبنانية على المضي في حوارها بهذا الشأن.. وهنا سقطت أيضاً رهانات قوى الرابع عشر من شباط.‏

أما على الصعيد الدولي، فقد ظهر خلال الأسابيع الأخيرة أن الولايات المتحدة منهمكة في ملف العراق، وغير مستعجلة بشأن الملف الرئاسي اللبناني، خصوصاً بعدما ثبت لديها أن القوى التي تعتمد عليها داخلياً لإكمال الانقلاب الذي كانت تسعى اليه وتتمناه، لم تستطع أن تفعل شيئاً على صعيد الاستحقاق الرئاسي.‏

وقد انعكست الأجواء الأميركية في تصريحات الموفد الدولي تيري رود لارسن الذي قام بجولة على المنطقة وبينها لبنان.. فالأخير تجنب الخوض في الاستحقاق الرئاسي ولم يجعله على رأس أولوياته، مركزاً على ضرورة تحسين العلاقات بين لبنان وسوريا وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.‏

مما تقدم يظهر أن لا أفق جديدا للملف الرئاسي سوى المراوحة، وبدأت قوى الرابع عشر من شباط تعترف بعجزها عن التغيير، وبالتالي فإن بقاء الرئيس لحود في منصبه حتى انتهاء الولاية الممددة هو الشيء الأكيد ما لم يحصل شيء آخر ليس بالحسبان، خصوصاً أن الرئيس لحود قدم أداءً مشرفاً في قمة الخرطوم نجح من خلاله في إفشال محاولة العزل التي رغبت بها قوى الرابع عشر من شباط، وأعطى موقفاً وطنياً بامتياز في ملف المقاومة وحقها في تحرير الأرض من الاحتلال.. وكان لهذا الأداء انعكاس سياسي وشعبي مرحّب في لبنان.‏

المقاومة‏

أما في ملف المقاومة، فإن إجماعاً كان برز بين القوى السياسية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني على أن مقاربة هذا الملف تنطلق من مبدأ استراتيجية الدفاع الوطني لحماية لبنان في وجه التهديد الصهيوني الدائم، وذلك بعد تحرير باقي الأرض المحتلة ومعها مزارع شبعا التي أجمع المتحاورون على لبنانيتها. لكن ما فعله رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في قمة الخرطوم من سعي الى حذف بند توافق عليه القادة العرب ويؤكد حق المقاومة في تحرير الأرض المحتلة، "أصاب مؤتمر الحوار في الصميم"، وأعاد طرح الأسئلة حول الأجندة الخارجية التي التزمتها بعض القوى السياسية في لبنان، وعما اذا كانت لا تزال على حالها برغم أجواء الحوار التي حصلت وبددت هذا الأمر في الفترة الأخيرة. كما أن ما فعله السنيورة يعد انقلاباً على البيان الوزاري للحكومة الذي نالت الثقة على أساسه.‏

وهنا ترى مصادر متابعة أن ما فعله السنيورة يضع مصير الحكومة مجدداً على بساط النقاش بعد ضرب بيانها الوزاري مجدداً، وباتت القوى السياسية التي ينتمي اليها السنيورة بحاجة الى مبادرة لإعادة ترميم الوضع الذي تصدع مع الخطيئة التي حصلت في الخرطوم.‏

وتتساءل الأوساط المتابعة عما اذا كانت قوى الرابع عشر من شباط قد عمدت الى إرسال رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى قمة الخرطوم والحديث عن إشكالية في قضية المقاومة، بعد أن عجزت هذه القوى أو فشلت في الحصول على ما تريده في ملف الاستحقاق الرئاسي على طاولة الحوار تحت قبّة البرلمان.‏

أمام هذا الواقع، فإن الأجواء السياسية المحلية مرشحة لتصعيد جديد بعدما وجد فريق الرابع عشر من شباط نفسه عاجزاً عن إكمال الانقلاب، فإذ به يطلق النار على مؤتمر الحوار من أكثر من موقع: مرة من الخرطوم من قبل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ومرة أخرى عبر تجديد قصف مؤتمر الحوار من قبل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الذي عاد الى مزاعمه القديمة الجديدة بأن هناك فريقاً سورياً يجلس على طاولة الحوار مقابل فريق لبناني!‏

وعليه فإن مؤتمر الحوار أمامه مهلة حتى نهاية شهر نيسان ليصل الى نجاح أو فشل، وهو ما يصعب التكهن به منذ الآن. لكن التصعيد المفاجئ من فريق 14 شباط ربما يحدد وجهة اتجاه الأوضاع.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1155 ـ 31 آذار/مارس 2006‏

2006-10-30