ارشيف من : 2005-2008
الخبير في القانون الجنائي الدولي الدكتور حسن جوني قيّم تقرير ميليس لـ"الانتقاد":التقرير منقوص وبحاجة لاستكمال ويمكن الجزم بأنه يخدم توجهات سياسية معروفة
الانتقاد/ مقابلة ـ العدد 1133 ـ 28/10/2005
انشغلت معظم القوى السياسية اللبنانية ليل 21 تشرين الأول/ أكتوبر بالاستماع إلى مقتطفات من تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ديتليف ميليس حول مجريات التحقيق الذي أجراه خلال أربعة أشهر، وكان يسلّمه للتو إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. وبعد الاستماع انصرفت هذه القوى لدراسة التقرير بتمعن ودقة والتوقف عند أي تفصيل قانوني أو سياسي وفحص الأدلة والقرائن في محاولة ملحة لإيجاد الحقيقة.
وظهر بشكل أولي أن التقرير لم يحدد الحقيقة الحاسمة المستندة إلى الأدلة الحسية المادية، لا بل إن ميليس هو نفسه أشار في أكثر من مكان إلى أن التحقيق بحاجة إلى استكمال، وأن العديد من النقاط والشهادات بحاجة إلى إعادة فحص وتدقيق.
"الانتقاد" سألت أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية والخبير في القانون الجنائي الدولي د. حسن الجوني عن التقرير ونقاط القوة ونقاط الضعف فيه، فكانت هذه الملاحظات التي أوردها:
ـ النقطة الأولى: لماذا أصرّ المحقق الدولي ديتليف مليس على أن لا يمدد له في بداية التحقيق ثلاثة أشهر إضافية، ثم نتفاجأ بأنه يطالب بذلك قبل بضعة أيام من تاريخ صدور هذا التقرير؟! السؤال المطروح الآن لماذا صدر هذا التقرير، وما نفعه في التحقيق؟ هل هو لأهداف سياسية أم لأهداف لها علاقة بالتحقيق؟ إذا ما عدنا إلى التقرير نرى أن كل فقرة منه تحتاج إلى بحث جديد لتكملة التحقيق. إذاً التقرير منقوص، وبالتالي هو ليس تقريراً صحافياً ولا قضائياً، فإما أن ميليس يناور لنصب بعض الأفخاخ، وإما أن هذا ما عنده فعلاً. حتى لو اقتنعنا بأن التقرير غير مسيس، إلا أنه يمكن الجزم بأن التقرير جاء في وقت يخدم توجهات سياسية معروفة، إذ ما إن صدر التقرير حتى بدأت وسائل الإعلام العالمية والمحلية توجه إصبع الاتهام إلى سوريا، وهو ما يفسر أن التقرير جاء ليخدم هذا الهدف.
ـ النقطة الثانية: يكتنف التقرير الكثير من الغموض والإبهام، فكل نقطة فيه تحتاج من منظار قضائي إلى تقرير، بل إلى لجنة تحقيق! والتقرير يقّر بذلك. ومثال على ذلك ما خص كيفية حصول الجريمة، اذ يقول ميليس انه بحاجة إلى تحقيق إضافي يمكن أن يقّدم معلومات عن وحدات التفجير المستخدمة في موكب الرئيس الحريري.. ثم انه ليس لديه جواب شافٍ حول ماذا حصل لأجهزة التشويش التي كانت تعمل في موكب الحريري أثناء حصول الانفجار، وأيضاً في ما يتعلق بموضوع التداخل الهوائي في الاتصالات التي حصلت في منطقة مسرح الجريمة. ونجد ان ميليس يعود مرة أخرى ليقول إنه لم يتمكن حتى اللحظة من التعرف الى الأشخاص الذين تولوا الاتصال بقناة الجزيرة في الرابع عشر من شباط/ فبراير الماضي في ما خص شريط "أبو عدس"، وهذا يدل على أن التحقيق غير مكتمل ويحتاج إلى وقت، وبالتالي لا ندري ماذا سيحصل فيما بعد، ربما سيأتي بمعلومات جديدة تدحض كل التحقيقات السابقة.
ـ النقطة الثالثة: ان التقرير انطلق من مصطلح الفرضيات ليصل فيما بعد إلى احتمالات.. وهنا تكمن الخطورة الأساسية، إذ ان ميليس انطلق من فرضية تكوّنت لدى بعض اللبنانيين والسياسيين بأن هناك جهة محددة هي التي ارتكبت الجريمة، وبدأ بـ"فبركة" هذه الفرضية باتجاه النظام المخابراتي اللبناني السوري، وبالتالي لم يفترض أن تكون للاستخبارات الأميركية مصلحة في هذه الجريمة بغية إعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة، وأيضاً الدور الإسرائيلي المحتمل في هذه الجريمة.. بل نجد أنه بنى تقريره على فرضية واحدة، وهذا ما بدا واضحاً من خلال إشارته في كل بند من بنود التقرير إلى وجود احتمالات.
ـ النقطة الرابعة: إن التقرير بدا منحازاً لفريق سياسي معروف ضد آخر، وهذا يطرح علامة استفهام كبيرة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت المحقق الدولي الألماني لعدم الأخذ بشهادة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في ما خص اللقاء الذي حصل بين الرئيس الحريري والرئيس بشار الأسد. بمعنى أن المحقق الدولي كان عليه أن يبرر في تقريره الأسباب الموضوعية والقانونية لعدم الأخذ بإفادة الشرع ليبني على الشيء مقتضاه، وإلا لكان من المفترض أن تغيب هذه النقطة من التحقيق.
ـ النقطة الخامسة: ان التقرير مبني في جلّه على شهود جلّهم أطراف غير حياديين وملاحقون بقضايا أمنية وجنائية، كما هي حال الشاهد محمد زهير الصديق الذي تستغرب الصحافة الألمانية كيف يُحقق معه في "فيلا" عائدة لرفعت الأسد في إسبانيا! علماً بأن هذا الأخير معارض للنظام السوري ومرتبط بحل سياسي آخر للمنطقة، ما يشتم من خلاله أن هذا الفريق هو من يريد توريط سوريا. ثم ان مسألة الشهود من الناحية القانونية هي مسألة حساسة لا يمكن الأخذ بها كيفما كان، وهي تكون عادة بمثابة الدليل لتأكيد الدليل الحسي لا الدليل بحد ذاته، كما هو وارد في التقرير، وهذه نقطة خطيرة لجأ إليها التقرير.. وهناك أكثر من دليل على ذلك. مثلاً علامَ بنى ميليس رأيه القانوني حين يقول في الاستنتاج أن "أبو عدس" غادر في 16 كانون الثاني/ يناير لبنان وأخذ طوعاً أو كرهاً إلى سوريا، حيث اختفى من ذلك التاريخ؟!
ـ النقطة السادسة: يختزن التقرير أخطاءً فادحة من قبيل ورود اسم وزير الدفاع إلياس المر خطأً على لائحة المطالبين برفع السرية المصرفية عنهم، وعددهم خمسة فقط! ما يطرح سؤالاً من قبيل: كيف للجنة دولية بهذا المستوى التقني واللوجستي أن تقع في خطأ من هذا النوع، إلا إذا كان المقصود من وراء ذلك الابتزاز السياسي؟ وهذا ما ظهر جلياً من خلال التصريح الذي أدلى به المر من على شاشة إحدى القنوات الإعلامية وأحدث فيه انقلاباً في توجهاته السياسية، عندما كشف في تصريحه عن تهديدات تلقاها من رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان سابقاً رستم غزالي في حادثة عنجر.
والخطأ الآخر الذي فسر على انه ابتزاز سياسي، هو صدور تقريرين منفصلين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأول بأسماء والثاني جرى تغييب بعضها وتسريبها إلى الصحافة، على أن الهدف منه كما ظهر إيجاد تسوية سياسية ما على حساب التحقيق.
ـ النقطة السابعة: إقحام الجهات الفلسطينية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري دونما ورود أي معطى مادي أو حسي في التقرير، مع العلم بأن الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد جبريل أعلن صراحة أنه لا تربطه أي علاقة مع القادة الأمنيين الأربعة الموقوفين حالياً، وأن الأخير لم يكلف نفسه عناء البحث في هذه المسألة مع أي شخص من الجبهة الشعبية، إنما ما حصل أن ميليس أخذ بأقوال شهود فقط!
ـ النقطة العاشرة: يركّز التقرير على سؤال: لماذا حصلت الجريمة؟ ويضع الأمر في خانة الظروف السياسية التي سبقتها، ولكن لا يقول كيف، ولا يحدد بالدليل الحسي من.. إلا أنه يستعين بمخيّلته ليقول انه من الصعب أن نتخيل جريمة من هذا النوع تحصل من دون معرفة الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية! وتلك هي أضعف نقطة في التقرير، لأنه عندما يذهب ميليس ليبحث في المخيّلة، فمعنى ذلك أنه لا يملك دليلاً قوياً يواجه فيه.
ـ النقطة الحادية عشرة: لماذا يتصل أحمد عبد العال المشتبه به بالقصر الجمهوري قبل ثلاث دقائق من وقوع الانفجار؟ ثم لماذا لم يوقَفْ قبل صدور التقرير لا بعده! وهل يمكن أن نتصوّر مجرماً يعلن عن نفسه ويتصل بالقصر الجمهوري؟ إلا إذا أراد توريط القصر الجمهوري، على اعتبار أن التقرير لم يقدم أدلة تبين من أي جهاز أجري الاتصال، وكيف، ولماذا؟ ففي العلم الجنائي يقوم المجرم بفعل الجريمة ويضع بصمات آخر! ثم هناك أسئلة كبيرة حول الأسماء التي شاركت في الجريمة، لماذا لم توقَفْ إلى الآن كما حصل مع القادة الأمنيين! وعندما يشتبه بالنائب السابق ناصر قنديل بأنه على معرفة مسبقاً بالجريمة، فلماذا لا يوقَف؟ ثم لماذا يفترض إعلام قنديل بها؟! وكيف يمكن أن نتصور جريمة من هذا النوع يشارك فيها أشخاص كثر ربطاً بنظرية "العنقود" التي تفرض السرية التامّة.
ـ النقطة الثانية عشرة: يقع التقرير في تناقض كبير.. ففي الفقرة 20 يقر ميليس بـ"أن التحقيق في عمل إرهابي كهذا له أبعاد دولية متعددة الأوجه وتشعبات يحتاج عادة إلى أشهر إذا لم يكن سنوات"(..) وفي الفقرة 21 يعتبر "أن المرء لا يمكنه معرفة القصة الكاملة لما حصل، وكيف حصل ومن المسوؤل عن اغتيال رفيق الحريري؟"، ثم نجد في مكان آخر من التقرير استنتاجاً بأن الشبهة تقع على سوريا! وكذلك هي الحال في الفقرتين (16 و 17).. ففي الأولى يشير إلى أن بعض وسائل الإعلام كان لديه ميل دائم لسوء الحظ نحو نشر الإشاعات وإذكاء التكهنات وتقديم المعلومات على أنها حقائق. وفي الثانية يقول: "لتعزيز الشفافية وتوسيع التعاون، فإن العمل مع السلطات القضائية شمل إبقاء السلطات السياسية العليا مطلعة على التحقيق".. وهذا اعتراف صريح من قبل ميليس بأن هناك معلومات حساسة سُربت الى الإعلاميين، وهذا يطرح سؤالاً حول ما إذا كان ميليس يعمل على تسريبها لبعض السياسيين الذين يسربونها بدورهم الى بعض الإعلاميين، وإلا فما معنى الحديث عن أن عمل اللجنة الدولية محاط بالسرية الكاملة كما جرى الادعاء أكثر من مرة؟
المحكمة الدولية أو المحلية
أما عن المرحلة التي تلي التقرير لجهة إنشاء محكمة دولية أو محلية لمتابعة التحقيقات، فتحدث الجوني عن ثلاثة احتمالات:
الأول أن يتولى القضاء اللبناني بمساندة دولية التحقيق والمحاكمة، باعتبار أن القضية أحيلت إلى المجلس ألعدلي.
الثاني أن يتولى مجلس الأمن الدولي إنشاء محكمة جنائية عملاً بالقرار 24 من ميثاق الأمم المتحدة، لكون المجلس مسؤولاً عن السلم والأمن الدوليين، وبالتالي هو ليس بحاجة إلى طلب من مجلس الوزراء. وفي هذه الحالة يمكن أن تأخذ المحاكمة شكل المحكمة الدولية مئة في المئة، أو محكمة مختلطة بمشاركة قضاة لبنانيين إذا كان مقر المحكمة خارج الأراضي اللبنانية، أو بمشاركة قضاة أجانب اذا جرى اعتمادها في الداخل.
الثالث أن يحيل مجلس الأمن القضية إلى محكمة الجناية الدولية في روما عملاً بالمادة 18 من نظام المحكمة.. لكن هذا مستبعد، لأن الأخيرة معنية بجرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
حسين عواد
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018