ارشيف من : 2005-2008
الحكومة الإسرائيلية الجديدة: فقدان الانسجام وتناقض إيديولوجي
يحيى دبوق
شكل إيهود أولمرت حكومته مع حزب العمل وبمشاركة حزب شاس الحريدي، ومع استبعاده لحزب إسرائيل بيتنا ويهودت هاتوراه، الأمر الذي ارسى الحكومة الإسرائيلية على قاعدة برلمانية من 67 عضو كنيست، وبالتالي لم يصل إلى أغلبية كبيرة كان يسعى إليها لدى بدء مشاوراته الائتلافية مع الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، بعد اعلان نتائج الانتخابات العامة التي جرت أواخر شهر آذار الماضي.
ابرز ما في تشكيلة حكومة الكيان الإسرائيلي الجديدة هو: 25 مقعداًَ وزارياً، 13 وزيراً لحزب كاديما والمتقاعدين (كتلة تصويتية واحدة) إضافة إلى رئيس الحكومة، العمل 7 وزراء وحزب شاس 4 وزراء.. بينما تولى عامير بيرتس (رئيس العمل) وزارة الحرب مكان شاؤول موفاز (وزارة المواصلات)، شمعون بيرس وزارة تنمية الجليل والنقب، بينما احتفظ كاديما والمتقاعدون بوزارة المالية، الخارجية، الداخلية، الأمن الداخلي، العدل.. اما حزب شاس، الشريك الثالث في الحكومة، فنال اربع وزارات، بينها اثنتان من دون حقائب.
تعتبر الحكومة الإسرائيلية الحالية حكومة ائتلاف بما تعنيه حرفية الكلمة، حيث لا حزب مهيمناً فيها، وترتكز على ثنائية حزبية من ناحية أساسية، بين حزبي كاديما والعمل، إذ يصعب عليها ان تواصل وجودها في حال فقدانها لاحدهما.. الأمر الذي يعني اننا امام تشكيلة إسرائيلية لم تحد عن النموذج الإسرائيلي للحكومات التي قامت فيها (بمعظمها)، وسوف تكون عرضة للتفكك على مفترقات سياسية مركزية نتيجة التناقضات والاختلافات فيما بينها حول أكثر المواضيع حساسية في الساحة الإسرائيلية، والتي يتوجب على الحكومة معالجتها والاهتمام بها.
وتشير معطيات التشكيلة، والخطوط العامة المعلنة بين حزبي كاديما والعمل، إضافة إلى اصل برامجهما الخاصة وتطلعاتهما، إلى اننا امام تيارين مختلفي الرؤى تجاه الفلسطينيين، على الرغم من الاتفاق الائتلافي المعلن الذي عُمل من خلاله على جَسر الفجوة بينهما وليس ردمها، وبالتالي سوف نشهد تصارعا طوال المدة القادمة التي يقدر للحكومة ان تبقى حية فيها.. ما يعني أن كلاً من الحزبين سيعمد إلى تحقيق إنجازات من خلال الوزارات التي حصل عليها لتحسين موقعه حزبياً ولدى الجمهور الإسرائيلي، وخاصة ان التشكيلة الحالية تختزن أرضية ترفع من درجة معقولية تقديم موعد الانتخابات العامة... والأصل في الخلاف يستند إلى:
موقف إيهود أولمرت (رئيس الحكومة وحزب كاديما) الذي يريد ان يتجاهل الطرف الفلسطيني واستغلال الوضع الدولي، وتحديدا موقف الرئيس الأميركي جورج بوش المساند بالمطلق لإسرائيل، حتى نهاية ولايته.. وذلك في اتجاه إقرار حدود كيانه مع الفلسطينيين بما يحقق الحد الأقصى من الممكن إسرائيليا، بغض النظر عن تداعيات ذلك على الفلسطينيين.
موقف عامير بيرتس (رئيس حزب العمل) الذي ما زال على موقفه من مباشرة مفاوضات جدية مع الفلسطينيين تؤدي في محصلتها النهائية إلى اتفاق ينهي الصراع مع الفلسطينيين.. باعتباره المسلك المفضل والضروري بحسب رؤيته المستندة إلى رؤية اليسار التقليدية.. برغم اعلانه ان فشل هكذا مفاوضات قد يجعله يؤيد انسحابا أحاديا في الضفة الغربية.
يضاف إلى ذلك موقف حزب شاس (الحريدي) الذي أعلن انه يشارك في الحكومة لكنه يحتفظ بحقه في معارضة انسحابات في الضفة الغربية، وهو موقف برغم إمكانية المراهنة على تغييره في حال كانت الانسحابات جراء اتفاق مع الفلسطينيين (تبادلية الالتزامات)، لكنه يصعب تصوره برغم حاجة شاس للأموال الحكومية، في حال كانت الانسحابات احادية الجانب، وخاصة ان موقف زعيم الحزب الحاخام عوفاديا يوسف كان معارضا للانسحاب من قطاع غزة بموجب خطة أريئيل شارون في العام 2005.
من ضمن ما يبرز في التشكيلة الحكومية امران اثنان، الأول يتعلق بعامير بيرتس كوزير للـ"دفاع"، وشمعون بيرس كوزير لتنمية الجليل والنقب:
عامير بيرتس: على الرغم من ان بيرتس ليس وزير "الدفاع" الأول الذي يأتي من خلفية غير عسكرية، الا انه قد يكون الوزير الأول الذي لا ينسجم مع عقلية العسكريين، والاشكالية هي انه بحسب النظام الإسرائيلي فإن القرار العسكري يكون سياسيا، ما يعني ان الساحة الإسرائيلية ستشهد صراعا بين وزير "دفاع" عليه ان يواجه قادة الجيش الإسرائيلي وجنرالاته وجبروتهم والقدرات الموجودة بين ايديهم، وبين قادة الجيش الإسرائيلي المجبرين على الانصياع والانسجام مع وزير "دفاع" لا تتساوق طروحاته ورؤاه مع مسلك ومنهجية الجيش.
شمعون بيرس: اسناد وزارة مستحدثة (تنمية الجليل والنقب) لبيرس يعني انه لم يكن هناك مكان له في التشكيلة الحكومية، وهو ما منعه من تولي وزارة اساسية، وبالتالي فإن ما حصل عليه لا يعدو كونه ورقة ترضية من جهة، وورقة ابعاد من جهة أخرى، وخاصة ان عمله سيكون من ناحية عملية هو جمع تبرعات من الخارج بهدف تطوير الجليل والنقب لانه شخصية تحظى باهتمام دولي.. ولعل بيرس في ذلك يكون على وشك انهاء حياته السياسية مستبعدا من قرارات حكومة يشارك فيها، وهو فشل يراكم سلسلة الخطوات الفاشلة التي تزخر بها حياته السياسية.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1160 ـ 5 أيار/مايو 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018