ارشيف من : 2005-2008
الثمن يدفعه المرشحون المستقلون / فتح: تباين في الآراء حول الخسارة
جنين ـ علي سمودي
وصف برهان جرار عضو المجلس الثوري لحركة فتح فوز حماس الساحق في انتخابات المجلس التشريعي بالهزيمة الساحقة لحركة فتح التي اعلنت على لسان عطا ابو ارميلة امين سر التنظيم في اقليم جنين حربا بلا هوادة على الذين تسببوا بخسارتها في الانتخابات وفصل المرشحين المستقلين من الحركة ممن تمردوا على قرارها وترشحوا كمستقلين، رافضا في الوقت نفسه وصف ما حدث بالهزيمة.
جرار الذي يعتبر بنظر فتح متمردا وتقرر فصله مع جميع المستقلين, تعرضت سيارة المجلس التشريعي التي كانت بحوزته للحرق من قبل مجموعة اطلقت على نفسها كتيبة الثأر التي قالت في بيان صدر عنها ان الحرق مقدمة لسياسة العقاب التي قررت انتهاجها, جرار اصر على وصف النتيجة بالهزيمة ومن احرقوا السيارة بالعملاء والجواسيس الذين حملهم مسؤولية الهزيمة.
نتائج الانتخابات خلقت صدمة كبيرة وشديدة في صفوف حركة فتح التي صبت جام غضبها على مستقليها حيث يتوقع المراقبون اتساع نطاق العمليات التي تستهدفهم برغم رفضهم لجميع التهم التي نسبت اليهم, ويقول جمال الشاتي النائب السابق في التشريعي والذي ترشح كمستقل في الانتخابات الأخيرة: لقد فازت حماس ولم تهزم فتح لان الجزر الذي تعيشه حركة فتح ليس طبيعيا والمد الذي تعيشه حركة حماس ليس طبيعيا, وما حدث هو نتيجة غياب مبدأ المساءلة في اطار حركة فتح وتراكم الاخطاء الداخلية ودفع فواتير الاخطاء التي ارتكبت من قبل بعض الاوساط في السلطة سواء كان اصحاب هذه الاخطاء من فتح او غيرها، هذا بالاضافة الى فقدان حركة فتح للتقويم المستمر للمراحل التي تمر بها، وسواء كان ذلك في الانتخابات التي جرت للهيئات المحلية او الانتخابات الداخلية التي اصطلح عليها بالبرايمرز، لانه للاسف الشديد ان بعض المستشارين للهيئات القيادية الاولى في حركة فتح قد ضللوها، بالاضافة لخضوع القيادة لسياسة ومنطق الابتزاز الداخلي من قبل بعض مراكز القوى على ضوء البرايمرز، بمعنى ان تركيبة قائمة حركة فتح للانتخابات التشريعية وتركيبة الكتل في الدوائر الانتخابية خضعت لردود الفعل لدى القيادة، ولم تخضع لمنهجية ومعايير كما اتفق عليها في السابق.
وأضاف الشاتي "الجميع استوعب ان البرايمرز ساده التزوير في كل المحافظات، الا ان القيادة لم تأخذ بذلك، بل اعتمدته واضافت عليه اضافات اخرى دون معايير, مثل اضافة اشخاص لم يخضعوا للبرايمرز، وللاسف دفعت بشخصيات اقترن اسمها بأخطاء وتجاوزات وملفات فساد لتكون مرشحة لها امام الجمهور الفلسطيني، كما ان لجنة الحماية الحركية ولجنة العضوية تقدمت بتقرير حول الانتخابات التمهيدية يتمثل بأربع وثلاثين نقطة تطعن فيها بالانتخابات التمهيدية ونتائجها الا ان اللجنة المركزية ولجنة الاشراف لم تأخذ بها. وقبل هذه الانتخابات حذرنا من عدم حصر العضوية لابناء الحركة بالاضافة لحالة الاختراق التي حصلت من القوى السياسية الاخرى من خلال تعبئة الاستمارات، وهذا بحد ذاته يعتبر مسخاً لهيبة عضوية ابناء الحركة في الوقت الذي كانت اللجنة المركزية والمجلس الثوري يدافعون باستماتة عن هيئة عضوية هاتين القيادتين".
وجهة نظر اخرى
رمزي فياض من قادة حركة فتح في مخيم جنين رفض اعتبار ما حدث هزيمة لحركة فتح، وقال هو انعكاس للازمة التي تعيشها حركة فتح، والعامل الاساسي فيها حمل فتح لاعباء السلطة وادارة شؤون الجمهور لوحدها دون شراكة سياسية وسط حرب اسرائيلية وحصار لم يتوقف، ما اثر على البنية التنظيمية والقيمية. فانتقال مقاتلي فتح من ثوار الى رجالات سلطة خلق ازدواجية بالمفاهيم، وتجلى بعد وفاة الرئيس الشهيد ابو عمار الذي كان يجمع بين الجانب الثوري والسلطوي، وهي ميزة للرئيس الراحل، وباستشهاده اتضحت الهوة وبدا الارتباك داخل الحركة خاصة، وان الشعب الفلسطيني كان على ابواب خيارات سياسية صعبة، بحيث اصبح من الصعب على القاعدة الفتحاوية ان تقدم نفسها للجمهور كحركة ثورية او كحزب سلطة. من هنا فإن مجموع الاخطاء التي تواكب عملية استلام السلطة عادة تحملتها فتح لوحدها، من هنا جاءت رغبة الجمهور الفلسطيني في خلق بدائل (الشراكة السياسية) لعل وعسى ان يكون هناك نتائج سياسية ايجابية لمصلحته. واضاف فياض: الفترة الزمنية التي مارست فيها فتح دورها كحزب سلطة دون شراكة تخللتها احداث كبيرة وجسيمة، فكان للاحتلال دور كبير في عدم انجاح السلطة، وهي جزء من برنامج فتح، وكذلك فإن التنظيمات المعارضة التي رفضت الشراكة عام 96 علقت كل الاخطاء على شماعة فتح، بل وساهمت في تعطيل برامج فتح من خلال العمل العسكري الموجه سياسيا والذي كان يهدف لافشال مشروع فتح السياسي، وهذا اثر على صورة فتح امام الشارع، اضف لذلك بعض صور الفساد وهي لا تختلف كثيرا عن باقي تجارب الشعوب التي تنتقل من مرحلة تحرر وطني الى نظام سياسي حديث وبدائي على حد تعبيره.
دور المرشحين
واكد الشاتي وهو عضو اللجنة الحركية العليا لفتح اتهام المستقلين بالمسؤولية عن خسارة فتح وقال "ما بني على باطل فهو باطل، لقد اتصلت خلال عملية التصويت في البرايمرز بالاخ روحي فتوح رئيس لجنة الانتخابات المركزية التمهيدية لحركة فتح، وابلغته قبل اغلاق باب التصويت ان سيد الموقف هو التزوير، وان ثمن الهدوء الذي يواكب العملية الانتخابية هو التزوير، والكل يزور والفرق ان هناك بسطة اكبر من بسطة بالتزوير، وان ملوك التزوير هم بعض سماسرة العمل التنظيمي، وهذا بحد ذاته يمثل مذبح لحركة فتح من الوريد للوريد. ومع ذلك لم تحرك القيادة ساكنا على الاطلاق، ما ادى لوجود قائمتين على مستوى الوطن الامر الذي احرج القيادة اكثر فاكثر، وهنا اضطرت القيادة للمطالبة بفتح باب الترشيح لمدة 6 ساعات من اللجنة المركزية للانتخابات من اجل توحيد القائمتين، وجميع هذه التفاعلات في اطار الحركة كانت تمثل جرحا غائرا في الجسم الحركي، ولكن للاسف حاولوا ان يعالجوها بقطعة بلاستر فمن يتحمل المسؤولية هم القيادة والمجلس واللجنة المركزية والمستشارون ومسؤولو الاقاليم".
فكيف للمستقلين تابع الشاتي "من ابناء حركة فتح ان يتحملوا خسارة الانتخابات في الوقت الذي حصلت فيه حماس على تأييد ما يزيد عن 23 الف ناخب من قوى الامن الوطني على مستوى الوطن، فلندقق بالارقام ونحللها تحليلا علميا حتى يتسنى لنا معرفة اين الخلل, هذا بالاضافة لوجود خلل اساسي يتمثل بالمرشحين من ابناء حركة فتح على مستوى الدوائر، خاصة ان كل واحد منهم او اثنين كان يتكتك على الاخرين ويعقد صفقات لمصلحته، ولا يجوز هنا لا للرئيس ابو مازن او اللجنة المركزية او امانة السر او اللجنة المشرفة على الانتخابات ان ترحل تقصيرها واخفاقها على المستقلين من ابناء الحركة، وخاصة ان حركة فتح لها تاريخ طويل بالاعتماد على سياسة المستقلين، ولنر هنا كيف استفادت حماس من المستقلين ودعمهم على الدوائر ما ادى لانجاح اربعة منهم على الدوائر في الوطن.
ولكن رمزي فياض يصر على ان المستقلين ساهموا في التأثير على النتائج. واضاف بحسابات بسيطة فإن قيادات ميدانية في فتح وبسبب عوامل عدم الرضا عن الصياغات التي خرجت بها القيادة خاضت الانتخابات بشكل مستقل مسلحة بجمهور فتحاوي، ما اثر بشكل غير بسيط على نتائج الانتخابات.
العقاب
ولذلك فإن فياض يرى اهمية اتخاذ خطوات عقابية بحقهم، ويقول كل اطار تنظيم له لوائح ونظم داخلية تضبط اموره، ومن يخالف القانون يجب ان يعاقب، وهذا ينطبق على المستقلين. ولكن السؤال المطروح هل تقتصر المحاسبة على معالجة هذه الحالة فيما غابت المحاسبة التنظيمية طوال الفترة الماضية؟ وبالتالي جردة حساب شامل لذلك فإن ابو ارميلة ومعه كادر حركة فتح شرعوا بخطوات عملية كما قال، فمن تقديم استقالات اللجان التنظيمية وصولا للمطالبة باقالة المجلس الثوري واللجنة المركزية وفصل المرشحين، وهو ما رفضه الشاتي جزئيا، معتبرا أن ابو مازن لا يمتلك صلاحية الفصل كما ورد في وسائل الاعلام، ومن حق الكادر ان يرفع بأعلى صوته خلف القول القائل: "اعطني احترام اعطك التزام". ولا يجوز ان يتجاهل الرئيس ابو مازن الماضي فهو اكثر اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح الذي كان يمارس الزعل والحرد من هذه الحركة، وكان اخرها تقديم استقالته من اللجنة المركزية قبل وفاة الرئيس ابو عمار، ولا اعرف هنا هل عاد اليها ام لا، ولكن المنطق السائد للتحريض والعقاب مرفوض جملة وتفصيلا، وسيكون له انعكاسات سلبية خطيرة، والسؤال لماذا الان المحاسبة ونحن نطالب منذ سنوات بعقد المجلس الثوري وتنظيف صفوف فتح واجراء مراجعة نقدية واصلاحية، فلماذا انتظروا حتى اليوم.
تهديدات
ميدانيا خرج مسلحو وعناصر فتح للشوارع في الضفة وغزة داعين للثأر وهو ما وصفه الشاتي بالخطير جدا وقال "التحريض الذي نتعرض له قد يدفع بالمستقبل لاوضاع لا تحمد عقباها، خاصة اننا الان نعيش في مرحلة يستخدم فيها الجيد والسيئ نفس المفردات والمصطلحات، وانا احمل الرئيس شخصيا واللجنة المركزية وامانة سر المجلس الثوري مسؤولية اي مساس بأي اخ من المستقلين من ابناء حركة فتح الذين خاضوا الانتخابات او المساس بممتلكاتهم".
ولكن ابو ارميلة وكوادر حركة فتح اكدوا ان ما يقومون به ليس تحريضا لمصالح شخصية، وانما دفاع عن فتح ولتنقية صفوفها من الانتهازيين الذين قادوها لهذه النتائج المأساوية.
رفض مطلق للشراكة
في هذا الوقت يستمر الجدل في الشارع الفلسطيني عقب اعلان حركة حماس ودعوتها لفتح وكافة القوى للقبول بمبدأ الشراكة السياسية في تشكيل الحكومة، وفيما يرى المراقبون بقرار فتح محاولة لوضع حماس في ازمة فإن ابو ارميلة اكد رفض فتح المطلق للشراكة، وكذلك حذرت كتائب شهداء الاقصى من اي شراكة مع حماس، والسبب كما يقول فياض "بالتأكيد فإن فتح التي حملت المسؤولية طوال كل السنوات يحق لها بعد ان ظلمت برأيي في المبالغة في تحمليها المسؤولية يحق لها ان تجلس جانبا لكي يتحمل الآخرون مسؤولياتهم بالكامل امام جمهورهم وشعبنا. وهذا حق سياسي وتاريخي لفتح". وفي رد على سؤال مراسلنا لفياض عن الواجب الوطني لفتح ازاء ذلك قال "الواجب هنا باعتبار فتح معارضة ايجابية تدعم كل ما هو لمصلحة شعبنا وتعارض ما يعترض مصالحه ليس معارضة تخريبية، ان ما قامت به فتح طوال السنوات الماضية لم ولن يقدر على حمله احد، ونحن امام تحد حقيقي بعد النتائج الاخيرة لكي نؤكد ان الشعارات لن تحقق النصر، وان الطريق الذي ما زال طويلا ليس سببه برامج فتح واخطاء البعض فيها، وانما العوامل المختلفة التي لم ولن تهزم مشروع فتح، ولانصاف فتح امام التاريخ فإن الاخرين لن يكون بمقدورهم حمل المسؤولية والصمود طويلا امام تيارات اسرائيلية وعربية وعالمية لم تتوقف عن التآمر يوما على قضيتنا".
اتفاق على المقاطعة
وبرغم حملات التحريض وقرار فصله من فتح فإن الشاتي وهو يرفض قرار الفصل يتفق مع الطرح الفتحاوي في رفض المشاركة ويقول: "في السابق كانت فتح تطالب بالشراكة وحماس ترفض وخاصة انها سوقت ذاتها في الشارع الفلسطيني على برنامج المعارضة السياسية والمقاومة، ولم تكن تتوقع ان احدا يستطيع ان يتحكم في حركة الجماهير في صناديق الاقتراع، وخاصة انها قدمت مرشحيها بعدد كامل على القائمة والدوائر، ما ادى الى حصولها على اغلبية من مقاعد البرلمان، وبالقانون الفلسطيني كل من يحظى بالغالبية يشكل حكومة سواء كانت من حماس او خارجها، وبالتالي فإن حماس هي المسؤولة عن هذه الحكومة، وستكون الحكومة امام خيارين، ان تتعاطى السلطة بقيادة حماس مع الاستحقاقات السياسية بكل متطلباتها، واما ان تقف موقف الجمود. فالاول سيؤدي لفقدانها لمصداقيتها في الشارع بسبب مخالفتها لبرنامجها الذي انتخبت على اساسه، واذا اختارت الثاني سيصبح وضع السلطة التي تقودها حماس اشبه بوضع السلحفاء المقلوبة على ظهرها حيث ان ارجلها وايديها تتحرك في الهواء وتبذل جهدا داخليا، ولكنها دون حراك للامام او الخلف، وهذا الجمود سينعكس سلبا على الشعب الفلسطيني في علاقاته الاقليمية والعربية والدولية، ما قد يؤدي لانفجار شعبي وجماهيري على السلطة التي تقودها حماس كما يقول النائب السابق من فتح جمال الشاتي.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1147 ـ 3 شباط/ فبراير 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018