ارشيف من : 2005-2008
خطة حزب "كاديما": انسحابات مدنية وسيطرة عسكرية
كتب يحيى دبوق
تبقى التطورات الداخلية على الساحة الإسرائيلية مسيّرة ورهنا إلى حد كبير للاستحقاق الانتخابي المزمع إجراؤه نهاية الشهر الحالي، خاصة مع انتهاء الأحزاب الرئيسية من تشكيل قوائم مرشحيها للكنيست والبدء بالحملات الانتخابية، الأمر الذي يشغل الساحة السياسية الداخلية في جذب الناخبين إليها، وهو ما ينعكس على التصريحات والمواقف التي تتأثر بها تأثرا واسعا جدا. ولا تخرج عن ذلك كله مواقف الحكومة الإسرائيلية، لكون إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية ورئيس حزب "كاديما" معني بها أيضا.
وفي إطار ذلك يبرز البرنامج الانتخابي لحزب "كاديما" وما يعلنه رجالاته من خطط ورؤى حيال الفلسطينيين، تُعتبر مؤشرا للمسار المنوي إسرائيليا أو المؤمّل أن يجري تسليكه بعد انتهاء الانتخابات، لكون "كاديما" هو الحزب المرشح لأن يفوز فيها بأكبر عدد من المقاعد في الكنيست القادم، على الرغم من الهبوط الذي يعاني منه في الآونة الأخيرة لدى الجمهور الإسرائيلي كما تظهر استطلاعات الرأي.
ويتبين من تصريحات إيهود أولمرت أن النية تتجه نحو احتفاظ "إسرائيل" بالقدس والكتل الاستيطانية الثلاث في الضفة الغربية، إضافة إلى غور الأردن، مع تنفيذ انسحابات أحادية الجانب من بعض المستوطنات وتجميعها في الكتل الاستيطانية الكبيرة، وبالتالي الاحتفاظ بـ60 في المئة من مساحة الضفة الغربية. وقد حدد أولمرت أن حزب "كاديما" اذا فاز في الانتخابات فإنه سينفذ هذه الخطة في غضون عامين. أما آفي ديختر (رئيس جهاز الشاباك السابق) المنضوي في حزب "كاديما" والمرشح على قائمته للانتخابات، فقد شرح في بداية الأسبوع أن المسألة تتعلق بانسحاب أحادي الجانب مع طبيعة مدنية، أي إخلاء بعض المستوطنات من المستوطنين والمحافظة على السيطرة العسكرية فيها. وكل من أولمرت وديختر وآخرين في حزب "كاديما" ربطوا بين هذه الرؤية والانقلاب الانتخابي في السلطة الفلسطينية وإعادة ترديد مقولة "لا يوجد شريك للسلام في الجانب الفلسطيني".
إذن تتعلق خطة حزب "كاديما" بتفكيك المستوطنات مدنيا ومواصلة السيطرة العسكرية على المناطق التي ستخلى، مع الإبقاء على كل نقاط الخلاف تقريبا التي يدور حولها السجال الإسرائيلي عشية الانتخابات.
وتأتي خطة "كاديما" المعلنة بشكل غير مباشر إثر انحشار واضح أمام الهجمة والدعاية الانتخابية التي يبثها اليمين الإسرائيلي في وجه إيهود أولمرت، خاصة أن الأخير لم يحدد برنامجه الانتخابي بوضوح، وبقي طول الفترة الماضية ضبابيا وبنى خطابه السياسي على انه وريث لآرييل شارون من دون تفاصيل.. أي انه اكتفى بكونه رئيسا لحزب أسسه شارون الذي يلقى تأييدا جارفا من قبل الجمهور الإسرائيلي.. وهو الأمر الذي مكن اليمين والليكود تحديدا، من الترويج الإعلامي لأن شارون لم يكن ينوي تنفيذ انسحابات إضافية في الضفة الغربية، خاصة أن تصريحاته قبل غيابه عن الساحة السياسية كانت ضبابية إلى حد ما بهذا الخصوص، ما شكل واقعا كان يمكنه أن يسحب جزءا من الناخبين باتجاهات أخرى عن "كاديما" في حال استنكف عن الرد الواضح.
إضافة إلى ذلك يحتاج حزب "كاديما" إلى مواصلة استنفاذ كامل لرؤية آرييل شارون في الانفصال عن الفلسطينيين، وبالتالي تقديم نفسه وريثا حقيقيا لشارون يحاكي تطلعات الجمهور الإسرائيلي الذي يرى في اصل الانسحابات والانفصال عن الفلسطينيين خلاصا منهم وردا مناسبا على الخطر الذي يمثلونه للكيان، سواء صحت هذه الرؤية أم لا.. مع العلم بأن إعادة طرح شارون كاسم إلى حلبة السجال الإعلامي الإسرائيلي بعد خفوت بريقه في الآونة الأخيرة، يصب بالتأكيد في مصلحة حزب "كاديما"، باعتباره ـ شارون ـ مؤسسا وبانيا للحزب.
في تفصيل الخطة المبثوثة إعلاميا ـ إلى الآن ـ هناك تشديد على أن الانسحابات ستكون انسحابات مدنية من دون التخلي عن السيطرة العسكرية على أماكن الإخلاء، أي بشكل مغاير للانسحاب من قطاع غزة. وبرغم أن ذلك ينطوي على فذلكة مشابهة لفذلكة وتسليك انسحاب آرييل شارون من أربع مستوطنات في الضفة الغربية جرى إخلاؤها بالتزامن مع إخلاء قطاع غزة، إلا أنها تهدف أساسا إلى تطويق اليمين الإسرائيلي الذي يستند بشكل أساسي على المناحي الأمنية لتأليب الجمهور الإسرائيلي عليها، مع إدراكه أن أصل الانفصال بات يمسك بالشارع الإسرائيلي ويلقى تأييدا واسعا فيه.. إذ إن اليمين لا يمكنه الاكتفاء بمقولة "اقتلاع اليهود" من دون أن يشدد على المنحى الأمني الذي تمثله المستوطنات، وبالتالي فإن تشديد "كاديما" على الإبقاء على السيطرة العسكرية على هذه المناطق سينزع من اليمين مبرراته أمام الجمهور الإسرائيلي، خاصة أن الجيش الإسرائيلي أعلن مؤخرا أن لا صفة أمنية تمثلها المستوطنات في الضفة الغربية.
تبقى الإشارة إلى أن نية إيهود أولمرت في زيارته الولايات المتحدة الأميركية مصطحبا معه الخطة المشار إليها، تهدف أساسا إلى تحصيل رسالة ضمانات مشابهة لرسالة الضمانات التي تلقاها آرييل شارون من الرئيس الأميركي جورج بوش (15/4/2004) ثمنا استحصل عليه من الأميركيين لقاء الانسحاب من قطاع غزة، والتي جرى تسويقها من قبل رجالات شارون أن الأميركيين وافقوا "إسرائيل" على أنها "لن تعود إلى الخط الأخضر، واللاجئون الفلسطينيون لن يعودوا إلى إسرائيل".. وهي رسالة قد يصدرها الأميركيون لإيهود أولمرت، خاصة أنهم معنيون في الترويج لحزب "كاديما"، ما دام لا أمل أميركيا من بنيامين نتنياهو وعامير بيرتس في الفوز بالانتخابات الإسرائيلية.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1152 ـ 10 آذار/مارس 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018