ارشيف من : 2005-2008
فك ارتباط اسرائيلي جديد في الضفة:ما بين التقهقر والتجاذب الانتخابي
يحيى دبوق
تحتدم الساحة السياسية الاسرائيلية بفعل ارتفاع وتيرة الخطاب الانتخابي تمهيدا لما ستكون عليه صناديق الاقتراع في نهاية الأسبوعين القادمين، الأمر الذي يدفع بالكتل السياسية الاسرائيلية، وعلى رأسها حزب كاديما الماسك بالقرار السياسي والأمني كونه الحزب الحاكم، الى توسّل كل المستطاع في سبيل تثبيت موقعه وزيادة مقاعده في الكنيست القادم، وخاصة ان كاديما بات من شبه المفروغ منه انه هو من سيفوز بأكبر عدد من المقاعد، وبالتالي سيناط به تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة..
هذا الاحتدام، ونظرا لطبيعة المعركة الانتخابية الحالية، وفي محاولة من رئيس حزب كاديما ايهود أولمرت لملء نظرة "القصور" التي يعاني منها هو لدى الجمهور الإسرائيلي، كون الإسرائيليين يقيسون سياسييهم في المرحلة الحالية بأريئيل شارون، طرح خطته المسماة "خطة الانطواء"، وأقدم على سلسلة من الإجراءات التي حاول هو ورجالات حزبه تغليفها بغطاء محبب للإسرائيليين في معظم شرائحهم الناخبة وميولهم.. ومن ضمنها ايضا عملية سجن اريحا واعتقال أمين عام الجبهة الشعبية احمد سعدات ورفاقه، التي تعتبر عملية انتخابية بامتياز يتصور ان يجبي أولمرت منها عائدا ثمينا لدى الجمهور الاسرائيلي انتخابيا.
ساحة المواجهة الاسرائيلية الفلسطينية، لجهة الفعل الاسرائيلي، شهدت هذه الايام فعلين إسرائيليين، الاول تمثل في خطة "الانطواء" التي اطلقها ايهود اولمرت، والثاني عملية سجن اريحا..
خطة الانطواء
أي خطة انسحاب إسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء سمّيت بمسمياتها المباشرة أو بمسميات أخرى كما هو حال خطة إيهود أولمرت (خطة الانطواء)، تبقى تقهقرا إسرائيليا امام الإصرار الفلسطيني وصموده طوال السنوات القليلة الماضية، وبالتالي يعتبر التقهقر الإسرائيلي دلالة واضحة على صوابية المراهنة على خيار المقاومة في وجه المحتل والاصرار عليه.. وخاصة ان اصل الخطط الإسرائيلية المطروحة على جدول الاعمال الإسرائيلي هي بمجملها خططا تستند الى مفهوم الخطوات الاحادية الجانب، أي من دون اتفاق مع الفلسطينيين.. بمعنى اخر، هناك منفعة للخيار المقاوم من دون تبادلية لناحية التنازلات.. وهذا هو المنطق الذي يحكم الفعل المقاوم والمؤشر على نجاعته.
وبرغم أن هذه القراءة قد تكون مخالفة للقراءات التفجعية التي يزخر بها الاعلام العربي، كعادته، لكن في المقلب الاخر الذي يخفيه التفجّع هناك وجه اخر يبرز في خطة "انطواء" إيهود أولمرت، سواء قدّر له ان ينفذ هذه الخطة ام لا، وهي ان الإسرائيلي يقدم للفلسطيني ما كان يرغب ان يقدمه على طاولة المفاوضات مع جباية ثمن فلسطيني كامل.. لكن خطة "الانطواء"، وبرغم مشروعية وصوابية ما يقال عنها، الا انها تأتي دون اثمان فلسطينية بالمعنى الملازم عادة للتسويات السياسية، وما يقدم خلالها، كما حصل مع تجارب العرب المختلفة مع الإسرائيلي سابقا... على الرغم من المعاناة التي تنطوي عليها الخطة للفلسطينيين.
عملية سجن اريحا
تأتي عملية سجن اريحا تتويجا للاعتداءات المتكررة الإسرائيلية في سياقات فعل قتل إسرائيلي مستمر منذ فترة، أدى إلى تصعيد لافت اثر ردود الفعل الفلسطينية، وتحديدا انطلاقا من قطاع غزة بإطلاق صواريخ القسام على المستوطنات الإسرائيلية، وعلى الرغم من ان "المبررات" المطروحة من قبل الإسرائيلي اعلامياً للرأي العام الدولي ان افعال القتل الإسرائيلية تأتي في سياق احباطات استباقية لعمليات فلسطينية، قيد التخطيط أو في طور التنفيذ، الا انها واقعا تبقى (بالتأكيد) في اطاراتها الضيقة التي يراد منها استثمارا انتخابيا في الساحة الداخلية الإسرائيلية عشية انتخابات الكنيست..
وإذا كان إيهود أولمرت قد قرأ، وربما عن حق، ان الظرف السياسي الفلسطيني المنشغل باستحقاق تشكيل حكومة حماس (مع أو من دون حركة فتح) سيؤدي إلى تراخي ردود الفعل الفلسطينية، مع انتفاء ردود الفعل العربية والدولية (بل والتنسيق مع الأخيرة)، فليس لديه ما يمنعه من استغلال ذلك بتوجيه ضربات للفلسطينيين يكون لها وقع مميز لدى الناخب الإسرائيلي.. وهو ما يمكن المراهنة معه على فعل يعوِّم الموضوع الأمني ويبقيه ساخنا (دون ردود فعل معتبرة) في مواجهة الخطاب الاخر في ساحة التجاذب الانتخابي الإسرائيلية.. ما يسحب من اليمين (الليكود) مزايداته الانتخابية الأمنية، ويسحب أيضا طروحات اليسار (العمل) الاجتماعية ـ الاقتصادية من مرتبتها التي لها ان تتقدم درجة مع التراخي الأمني..
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1153 ـ 17 آذار/مارس 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018