ارشيف من : 2005-2008

حلمت باجتماع شملها بعرس ابنها أشرف:تفجيرات عمّان حولت زفاف آل الأخرس إلى مجزرة

حلمت باجتماع شملها بعرس ابنها أشرف:تفجيرات عمّان حولت زفاف آل الأخرس إلى مجزرة

جنين ـ علي سمودي‏‏

للحظة واحدة لن ينسى الشاب الفلسطيني أشرف خالد الأخرس تلك اللحظات الدموية التي تحول فيها عرسه لمأتم ومجزرة دموية لا توجد كلمات تصفها، فقد ـ والكلام لأشرف ـ "قتلوا فرحتنا وفتحوا في القلب والذاكرة جراحاً لن تندمل وصوراً لا تنسى, فكيف أنسى أبي الذي كان ينتظر هذه اللحظة لسنوات طويلة وعندما بدأت تتحقق كان قرار القتلة بالجريمة التي افقدتني ابي ووالد زوجتي وعدداً من الاهل والاصدقاء والاحبة".‏‏

جراح وحزن‏‏

وبرغم انه وعروسه بدآ يتماثلان للشفاء من الجراح التي اصيبا بها بعد التفجير الذي وقع في فندق "راديسون ساس" فإن حالة الحزن والالم ما زالت تسيطر عليه لتغرورق عيناه بالدموع مع كل كلمة خلال حديثه مع مراسلنا عبر الهاتف من سريره حيث ما زال يتلقى العلاج مع زوجته في المستشفى، يقول: "بحياتي لم اتخيل مثل هذا الموقف فقد اردنا ان يكون عرسي مناسبة لجمع شمل العائلة التي شتتها الاحتلال منذ عشرات السنين بين فلسطين والاردن والكويت واميركا، فإذا به يتحول لذكرى مؤلمة للابد".‏‏

وتنحدر عائلة الأخرس التي ينتمي اليها العريس من بلدة سيلة الظهر في محافظة جنين التي غادرها والده خالد عقب نكسة حزيران عام 1967 حيث استقر في الكويت وتزوج ورزق بعدد من الابناء، "وعندما قررت الزواج اختار والدي الاردن مكانا للحفل ليكون محطة تصلنا بباقي اهلنا الذين حرمنا من مشاهدتهم لسنوات طويلة، وبسبب الظروف المختلفة قام والدي بتأجيل العرس حتى يحضر أكبر عدد من أهلي، وعندما تسنى لنا ذلك اخترنا العيد ليكون الفرح فرحين، فدعونا كل الأصدقاء والأحبة والأقارب الذين هبوا من كل صوب لمشاركتنا فرحة الزفاف".‏‏

واجتمع الاحبة ليشاطروا أشرف الذي يعمل في احدى الشركات الطبية في عمّان فرحة العمر بزواجه من شريكة حياته ناديا العلمي، وهي فلسطينية وتعمل موظفة في شركة فاست لينك.‏‏

يقول أشرف "وصلت عائلتي لقاعة فيلادلفيا في الفندق قبل الموعد وبدأوا باستقبال المدعوين وسط مشاعر الفرحة والسعادة, وفي حوالى الساعة الثامنة والنصف وصلنا الى الساحة الخارجية حيث استقبلنا الجميع بمراسم الزفة، وكان الجميع يحيط بنا ويقدم التهاني".‏‏

لحظات الموت‏‏

في تلك اللحظات كان الانتحاري يشق طريقه متسللا بين المدعوين بعدما استعد لجريمته ليحول ـ كما يقول أشرف ـ فرحة العمر الكبرى لجرح عميق، "ففي حوالى الساعة التاسعة وعندما كنت استقبل المهنئين فوجئنا بالانفجار، فالواضح ان الانتحاري اختلس لحظات الزفة ليحمل متفجراته ويحوّل العرس إلى مأتم، وتساقط الضحايا هنا وهناك وسط ذهول الجميع الذين دهمهم الموت بلا انتظار".‏‏

ويوضح أشرف: "فجأة تطاير كل شيء أمامي والانفجار حملني وأبعدني عن العروس واصبحت وسط بركة من الدماء, أشلاء ودماء وصرخات، فحاولت البحث عن العروس التي كان دفعها الانفجار لزاوية أخرى لتغرق بدلة العرس البيضاء بالدماء، ففقدت الوعي من هول الصدمة والمنظر، ولم أكن أتوقع النجاة". يسكت هنيهة ثم يتابع "ولكن أي نجاة أو حياة هذه التي تنتظرنا بعدما فقدت والدي وحماي، انه جحيم، والموت أرحم وأفضل فكل لحظة اعيش هواجس الموت والانفجار الذي لا تغيب صورته عن ذاكرتي".‏‏

الكابوس المروع‏‏

في المستشفى نفسه ترقد ابنة عم أشرف المواطنة أميرة عبد الرحمن دعاس التي نجت من الموت بأعجوبة ولكنها ما زالت تعيش لحظاته ككابوس يطاردها ليل نهار كما تقول بعدما استشهدت ابنتاها ريما (29 عاما) ورهام (15 عاما)، "فالمجرمون والقتلة نغصوا علينا فرحة العائلة، لقد تسلل ذلك المجرم دون أن يلحظه أحد ووضع نفسه قبالة المدعوين الذين كانوا يحتفلون بفرح اجتماع شمل كثير من الأقارب ممن لم نشاهدهم منذ سنوات طويلة، وفجأة وقع الانفجار وتطايرنا في جنبات القاعة حتى تخيلت أن القيامة قامت، أو أن هناك هزة ارضية، فما حدث لم نتخيله أبدا، فقد قفزت في الهواء لبضعة امتار وامتلأت ملابسي دماء وشاهدت العديد من المدعوين غارقين بدمائهم، وقد توفي بعضهم على الفور، وشاهدت والد العريس ينزف وكان جرحه قاسيا وتوفي متأثرا بجراحه، فكم هم مجرمون أولئك القتلة الذين حرموا الوالد من فرحة ابنه وحوّلوا فرحنا لجنازات وأتراح".‏‏

والمنظر الأشد قسوة لاميرة كما تقول انها لم تتمكن عقب الانفجار مباشرة من التعرف الى ابنتيها إذ أن الإنفجار حملهما لجهة اخرى، وعندما علمت بوفاتهما أصيبت بنوبة حزن شديدة، وتقول عائلتها انها تمضي وقتا طويلا في البكاء والعويل حزنا على ابنتيها، وكثيرا ما تنادي ابنتها الصغيرة رهام للذهاب الى المدرسة!‏‏

أميرة الأخرس ترقد على سرير الشفاء لكنها ليست مصابة بجروح وانما اصابها الحزن والصدمة لما حصل في ذلك المساء من إجرام وإرهاب وعنف كما روت الحادثة، وتقول إن ريما ورهام كانتا تجلسان على إحدى الطاولات قبل وقوع الانفجار في فندق راديسون ساس بينما ذهبت هي لتشارك في زفة العريس، وعندما وصل الناس الى باب الصالة وبدأ والد العريس الذي استشهد في الحادث يرحب بالضيوف حصل الانفجار، وانها رأت بعينيها قطع وأشلاء الضحايا.‏‏

صدى الجراح في فلسطين‏‏

وبينما كانت سيارات الاسعاف تنقل الشهداء والجرحى لمستشفيات عمان كان صدى صرخات الحزن والالم يتردد في جنبات أزقة ومنازل بلدة سيلة الظهر في مدينة جنين في منازل عائلة الأخرس وغنام عقب إعلان اسماء عدد من افراد العائلة ضمن ضحايا الانفجارات، وفور سماعها الخبر وقعت الحاجة يسرى غانم على الأرض مغشيا عليها برغم محاولات نساء العائلة والبلدة التخفيف عنها بعد سماعها نبأ وفاة ثلاثة من أفراد أسرتها المقيمة في الاردن, وقالت وهي تذرف دموع الحزن والالم "بأي قانون أو شريعة يقتلون الضحايا من شعبنا, أي ذنب ارتكبته ابنتي ميسر وحفيدتاي رهام وريما ليَمُتْنَ بهذه الطريقة البشعة، إنه ظلم كبير أن يلاحق الموت الفلسطيني داخل وخارج بلده"، واضافت والدموع تخنق عباراتها "انها اكبر مصيبة، حولنا افراحنا واعراسنا لمأتم وحداد".‏‏

وعلى مدار الوقت لم تتوقف الاتصالات بين سيلة الظهر وعمان حيث انشغل حسني الأخرس مع أقاربه بمتابعة اخبار العائلة عقب المصاب الجلل، فما حدث من تفجيرات في الفنادق في عمان ـ والحديث لحسني (46 عاما) ـ "انتهاك لكل القيم والاعراف ومجزرة رهيبة ووحشية ولن نغفر لمن ارتكبها لانه فتح جرحا جديدا في مسلسل معاناتنا الفلسطينية وكأن ما نكابده من الاحتلال غير كاف لترتكب هذه المجزرة بحق عائلتي في مكان آمن ودون ذنب أو سبب، فما ذنب هؤلاء الضحايا ليموتوا بهذه الطريقة، أين العدالة والضمير والقيم؟".‏‏

ووسط حالة الانتظار والحزن كانت مشاعر الغضب تتضاعف مع توارد المعلومات التي تؤكد ارتفاع عدد الضحايا من عائلة الأخرس، ولم يتمالك حسني اعصابه فأخذ يبكي بحرقة شقيقه خالد (65 عاماً) والد العريس الذي لم يتمكن من مشاهدته منذ زمن وباقي الضحايا من أقاربه وقال: لن نغفر للقتلة أبدا.‏‏

انه قتل وليس اسلام‏‏

ولم تتوقف المواطنة ام محمد عن البكاء في بيت العزاء في منزل عائلة غانم، وقالت بعدما عانقت الحاجة يسرى غانم وعزّتها بوفاة أقاربها "إن ما حدث أمر في غاية البشاعة، ولا يمت للاسلام بصلة، انهم اعداء الاسلام والمسلمين، وتساءلت، "كيف يقتل المسلم أخاه المسلم". وبحزن وأسى قال سائد الأخرس "انه يوم أسود في حياة عائلتنا وشعبنا، ولا توجد كلمات تصف مشاعر الحزن العميق لسقوط الضحايا جراء التفجيرات في عمان، ومن ضمنهم اقاربي الذين كانوا يقيمون عرسا إسلاميا، فما حدث غير مبرر, ألا يكفي ما نعانيه من الاحتلال الذي يمارس بحق شعبنا كل اشكال الارهاب, فيطاردنا الارهاب حتى في افراحنا لعمّان لتمتد أنهار الحزن من جنين حتى عمّان، فإلى متى يستمر الموت ولمصلحة من هذا العمل الارهابي الظالم؟".‏‏

اما الشارع الفلسطيني الذي صدم بفقدان هذا العدد الكبير من الشهداء وبينهم اربعة من القادة في السلطة الفلسطينة فالغضب ظل عنوان الاحاديث بين أبنائه الذين تساءلوا عن الدوافع التي تقف وراء الحادث، ولمصلحة من يحصل الذي حصل؟‏‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1136 ـ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005‏‏

2006-10-30