ارشيف من : 2005-2008

زلزال بيرتس:الفوز برئاسة حزب العمل لا يعني الفوز برئاسة الحكومة

زلزال بيرتس:الفوز برئاسة حزب العمل لا يعني الفوز برئاسة الحكومة

بدا فوز عمير بيرتس برئاسة حزب العمل كأنه انقلاب حقيقي في الحزب وفي توجهاته السياسية والاجتماعية، بحيث يتوقع ان يكون له تداعيات تنعكس على الحزب نفسه ومصير مشاركته في الائتلاف باتجاه تقديم موعد الانتخابات للكنيست، وهو ما يبدو في طريقه للتحقق الفعلي بعد اعلان معظم الاتجاهات السياسية والحزبية في الكيان الصهيوني انها مع تقديم موعد الانتخابات. وقد بدأ الحديث يجري عن الموعد اكثر من كونه حديثا عن أصل الفعل.‏

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه في هذا السياق، والمتعلق بمآلات الواقع السياسي الإسرائيلي هو: هل يمكن حزب العمل برئاسة بيرتس استرجاع كرسي رئاسة الحكومة والعودة إلى استلام دفة الحكم بالتوجهات السياسية والاجتماعية اليسارية التي يرفعها عمير بيرتس؟ وبالتالي هل نحن امام بداية انقلاب حقيقي اسرائيلي تجاه مجمل حركة التسوية السياسية في المنطقة؟‏

الإجابة عن هذا السؤال تفترض أساساً الاحاطة بمزاج الجمهور الإسرائيلي ورؤيته لواقع وطروحات آرييل شارون في الحكم، فهل وصل هذا الجمهور إلى استنفاد طروحاته واليأس منها، وبالتالي بدأ يبحث عن بديل آخر، سواء كان بيرتس أو غيره؟‏

اذا ما عدنا إلى استطلاعات الرأي ما قبل انتخاب عامير بيرتس لرئاسة حزب العمل، نجد ان الرأي العام الإسرائيلي ما زال أسير طروحات معسكر اليمين عامة، بحيث تتقدم هذه الطروحات بشكل كبير جداً على طروحات اليسار، ما يعني ان انتخاب عامير بيرتس لم يأتِ نتيجة لتغير في المزاج العام وحصول انعطافة فيه، اكثر من كونه متأتياً من تغييرات خاصة بحزب العمل نفسه وديناميكية الانتخاب ذاته. واللافت في ذلك ان الأرقام التي نالها بيرتس لا تشير إلى انعطافة في حزب العمل نفسه على صعيد الرأي والمزاج، إذ نال حوالى 42% من مجمل اصوات الذين شاركوا في الانتخاب، وهذه تشكل بدورها حوالى 28% من مجمل أصوات أعضاء حزب العمل!.. ما يعني ان عينة حزب العمل نفسها، وهي الأكثر تفاؤلا لجهة العمل، لا تشكل معطى سلبيا لمقولة اننا قد نكون أمام ثورة حقيقية في الرأي العام الإسرائيلي.‏

كما أن التغيير في رأس السلطة الإسرائيلية من اليمين إلى اليسار، يحتاج في الواقع إلى انعطافة حادة في الجمهور الإسرائيلي، بمعنى تبديل شعارات وقناعات معينة بأخرى مغايرة.. ولكي يتم هذا الأمر فهو يحتاج إلى حدث نوعي في الكثير من الأحيان. وكنموذج على ذلك ما حصل مع حزب العمل في أواخر العام 2000 عندما انطلقت انتفاضة الأقصى، فقد أدى ذلك إلى تغيير حاد في الرأي العام الإسرائيلي تمظهر بفوز آرييل شارون في مقابل ايهودا باراك بتاريخ 6 شباط 2001.‏

اما في ما يتعلق بالشروط المطلوب توافرها في طروحات وشخصية عمير بيرتس، فالسؤال الذي ينبغي البحث عنه هو: إلى أي مدى تشكل هذه الطروحات وشخصية بيرتس عامل جذب في هذه المرحلة لمصلحة حزب العمل خلال فترة الانتخابات؟‏

لعله من العوامل الأساسية لتكريس السمة اليمينية العامة للجمهور الإسرائيلي تعود إلى تمسكه بقناعات على شاكلة أن استخدام القوة العسكرية هو الوسيلة الأنجع والضمانة الأساسية لتحقيق الأمن لـ"إسرائيل"، وأنه لا غنى عنها لردع الفلسطينيين ولإملاء الشروط عليهم، وأن لا شريك في التسوية لدى الطرف الفلسطيني، وأن "أبو مازن" لا يستطع التوصل إلى ترتيبات تحقق الأمن وتدفع بالتسوية إلى الأمام.. ومن دون طروحات جاذبة بديلة عنها، ومن دون استنفاد هذه الطروحات لنفسها، من غير المرجح حصول حزب العمل على ثقة الجمهور بالمستوى الذي يمكنه من الوصول إلى استلام دفة الحكم.‏

اضافة إلى ما ذكر، يحتاج حزب العمل ورئيسه الجديد عامير بيرتس إلى عامل جذب خاصة في شخصيته، بحيث يستطيع تشكيل شخصية معقولة ذات وزن لدى الجمهور كي ينافس شارون في الانتخابات القادمة، وهو ما يفتقده بالفعل بيرتس، برغم كل طروحاته الاجتماعية والاقتصادية المحببة من قبل الجمهور عامة.. لكن هذه الطروحات ما زالت متأخرة أمام العوامل الأمنية المتقدمة أي طرح آخر.‏

وأيضا فإن عامير بيرتس هو من الصف الثاني الذي يفتقد فعلاً إلى أي تجربة حكومية أو وزارية، وليس لديه تاريخ عسكري أو أمني، بل انه لم يحاول الانتساب إلى أي من اللجان الفرعية التابعة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بحيث يشكك الكثيرون في قدرته على ادارة المؤسسات العسكرية والأمنية اذا ما فاز في الانتخابات القادمة. وبالتالي فإن فوز عامير بيرتس برئاسة حزب العمل يشكل معطى لتحريك الواقع السياسي الإسرائيلي، إلا انه لا يظهر ان هذا التحريك سينقل القرار الإسرائيلي من اليمين إلى اليسار.. فعدا الدفع باتجاه تقديم موعد الانتخابات للكنيست من تشرين الثاني 2006 إلى الأشهر القريبة القادمة، سيعيد تصحيح مراكز القوى وتوزيع المقاعد بينها، لكنه بالتأكيد كما هو واضح إلى الآن، لن يشكل انعطافة يأملها اليسار الإسرائيلي لتولي زمام الحكم.‏

يحيى دبوق‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1135 ـ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005‏

2006-10-30