ارشيف من : 2005-2008

جدار عازل ومنطقة أمنية.. تحاول "إسرائيل" فرضها على الأرض:رحيل الاحتلال لم ينهِ معاناة سكان شمال قطاع غزة..

جدار عازل ومنطقة أمنية.. تحاول "إسرائيل" فرضها على الأرض:رحيل الاحتلال لم ينهِ معاناة سكان شمال قطاع غزة..

الانتقاد/ تحقيق ـ العدد 1133 ـ 28/10/2005‏

غزة ـ عماد عيد‏

لبعض الوقت اعتقد المواطن سعيد أبو صلاح أن رحلة معاناته مع جنود الاحتلال قد انتهت.. وأن منزله الذي هدم يمكن أن يعاد بناؤه، وأن الأرض التي جرفت يمكن أن تزرع من جديد.. لكن مرور ساعات قليلة على الانسحاب الإسرائيلي كشفت أمرا مخالفا لأحلام أبو صلاح الذي كان واحدا من مئات الفلسطينيين الذين ظلوا يعيشون أجواء الانتفاضة برغم رحيل الاحتلال، وبرغم الهدنة التي أعلنتها الفصائل قبل عدة أشهر.‏

يقول أبو صلاح (40 عاماً، متزوج وله عشرون ولداً وبنتاً من زوجتين): "الوضع على ما هو عليه قبل الانسحاب دون تغيير.. فقد قررت الاحتفال أنا وأبنائي وأبناء إخوتي في الأرض التي نملكها.. توجهنا للأرض فوجدنا أن جزءا كبيرا منها مصادر، وفي الأيام التالية فوجئنا بمصادرة عدد كبير من الدونمات، فللأسف الاحتلال لم يتغير ما زال موجوداً على الأرض، حاولنا زراعتها لكننا لم نقدر، على العودة اليها فقد أصبحت مناطق محرمة.. مكان اراضينا يعتبر منطقة عسكرية.. إطلاق قذائف الدبابات والصورايخ أمر شبه يومي، وقد أبلغنا الارتباط العسكري الفلسطيني أن مسافة 650 متراً مناطق ممنوع الاقتراب منها".‏

اتهامات نحو الجميع‏

ويرى أبو صلاح أن ما يجري ربما يكون ضمن اتفاقات بين السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي على إيجاد منطقة عازلة، وذلك لان المؤسسات الزراعية وحتى وزارة الزراعة لا تقدم مساعدات لإعادة زرع الأراضي إلا لمن تبعد أرضه مسافة خمسمئة متر عن الحدود، وهذا يعني من وجهة نظره أنها مناطق صفراء غير معلنة حتى اللحظة.‏

رحلة طويلة من المواجهة عاشها هذا المواطن من الجيش الإسرائيلي على أمل أن يعود إلى أرضه فيقول: "لي أربعون دونماً يعتاش منها 300 شخص .. الوالد الله يرحمه مات بسبب هذه الأرض، وأنا تعرضت للخطر عدة مرات وأعيش على أمل أن أعود إليها، والانسحاب لم يغير شيئاً، بل زاد سوءاً، نحن نرى مصادرة ارضنا وهناك جدار أسمنتي عازل يوضع فيها".‏

ويستذكر أبو صلاح تلك المواجهات حيث قام بتاريخ 5-3- 2001 بالاعتصام داخل الأرض هو وأسرته، وقام بتقييد كل طفل من أطفاله في شجرة من أشجار الزيتون، ولكن كل ذلك لم يرق لقوات الاحتلال التي واصلت أعمال التجريف.‏

إكرام زوجة أبو صلاح شعرت بعد الانسحاب بالأمل، وان أبناءها قد لا يتعرضون للخطر كما في الأيام السابقة، لكنها ما إن نظرت من نافذة بيتها حتى شاهدت الجرافات تسوي الأرض لإقامة منطقة عازلة تحتل جزءا من أرضها.‏

أما عن حال أطفالها فتقول: "أطفالي يمسون ويصبحون على أصوات الرصاص والقذائف العشوائية التي ترمي بها قوات الاحتلال الإسرائيلي بمختلف الجوانب المحيطة بالمنزل غير مهتمة بأن هناك أطفالاً في المنزل"، مشيرة الى أن طفليها محمد وأحمد كانت بداية نطقهما على كلمة "طخ"، وأنهما أصبحا يجسدان الرصاص والقذائف بجعلها قطعاً تنضم الى أثاث المنزل، وهذا الوضع لم يتغير سواء قبل الانسحاب أم بعده.‏

جدار عازل‏

جيش الاحتلال لم يكتف بإقامة منطقة عازلة من الأسلاك الشائكة، بل امتد عدوانه نحو إقامة جدار عازل على غرار ما يجري في الضفة الغربية، وتقضي الخطة الإسرائيلية بإقامة الجدار أولاً في شمال قطاع غزة بمحاذاة بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون، ثم الاتجاه شرقا نحو الحدود الشرقية مع قطاع غزة، وصولا إلى جنوب القطاع الذي أقيم عليه بالفعل جدار عازل قبل خروج جيش الاحتلال من غزة.‏

العمل في المرحلة الأولى من الجدار قارب على الانتهاء في شمال القطاع حيث تصل دبابات ورافعات إسرائيلية ضخمة يومياً، وتبدأ العمل طيلة أيام الأسبوع عدا السبت في وضع جدران بارتفاع ثمانية أمتار داخل الأراضي الفلسطينية بعمق يتراوح بين مئة ومئة وخمسين متراً، يليها منطقة بعمق خمسمئة متر اصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بمنع العمل فيها سواء على صعيد الزراعة أو حتى إقامة مبان، وهو ما يثير غضب سكان المناطق المحاذية للجدار.‏

أبو العبد قرموط مزارع في بلدة بيت لاهيا يقول: "منذ أكثر من شهر يبنون في هذا الجدار مع إطلاق نار كثيف نحو كل من يقترب.. كنا نراهم قبل أشهر وهم متوجهين لاجتياح غزة، أما الآن فالموت يصيب كل من يقترب. الجرافات تعمل بلا كلال، ولا تتوقف إلا يوم السبت.. اخذوا مئة متر بالعرض وربما أكثر".‏

ويصف قرموط الحياة هناك بالصعبة برغم الانسحاب الإسرائيلي. ويوضح‏

"الحياة صعبة، لو مرض احد أبنائي لا نستطيع إخراجه.. وننتظر طلوع النهار وكأن الاحتلال ما زال باقياً.. أرضي لا استطيع زراعة جزء منها، وأرض جيراني راحت بالكامل دون أن يعترض أحد على ما يجري".‏

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قال إن التحقيقات التي قام بها أثبتت أن قوات الاحتلال الإسرائيلي بدأت بعد سبعة أيام من إعادة انتشارها في قطاع غزة بأعمال تجريف وتسوية في المنطقة الواقعة شمال شرق بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة، ثم باشرت بوضع أنواع من التربة ومواد بناء بعمق نحو 200 متر داخل الأراضي الفلسطينية (تعود ملكية تلك الأراضي للعديد من العائلات الفلسطينية)‏

قبل أن تبدأ بوضع الأسلاك الشائكة في المنطقة كمقدمة لإقامة جدار فاصل على طول الشريط الحدودي على حساب آلاف الدونمات الزراعية الفلسطينية.‏

تهديد من الفصائل‏

الفصائل الفلسطينية هددت بتحويل تلك المنطقة إلى مزارع شبعا، وبتنفيذ عمليات عسكرية فيها على اعتبار أن غزة لم تحرر إذا أقيم الجدار، لكن حتى هذه اللحظة لم يبدأ الفلسطينيون باتخاذ خطوات احتجاجية ضد هذا الجدار على غرار ما يجري ضد الجدار المقام في الضفة الغربية.‏

2006-10-30