ارشيف من : 2005-2008

شهيداً على طريق القدس: فتحي الشقاقي قائداً حسينياً

شهيداً على طريق القدس: فتحي الشقاقي قائداً حسينياً

الانتقاد/ ذكرى الشهيد الشقاقي ـ العدد 1133 ـ 28/10/2005‏‏

في 17/5/1987 نفذت مجموعة من حركة الجهاد الإسلامي عملية نوعية تمثلت بالفرار من سجن غزة المركزي، وهذا الفرار يعتبر ضربة قاسية لأجهزة الأمن الصهيونية وقواته العسكرية المسيطرة سيطرة تامة على قطاع غزة منذ العام 1967، ويتابع أفراد هذه المجموعة عملهم الجهادي بتنفيذ سلسلة من العمليات البطولية ضد جيش الاحتلال، إلى أن يكتب لهم القتل في 6/10/1987 ليرتفعوا شهداء في سبيله، وليؤسسوا باستشهادهم انتفاضة شعبية عارمة ضد الاحتلال قال فيها الدكتور فتحي الشقاقي "إنّ الانعطاف البارز في خطوة إبعادي كان في 17 أيار/ مايو 1987 عندما استطاع 6 من أعضاء الجهاد الإسلامي الفرار من سجن غزة المركزي حيث اعتبرت سلطات الاحتلال أنّ ثمّة دوراً لي في هذه الحادثة فتمّ ترحيلي إلى سجن آخر". إن يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1987 هو بداية الشرارة للانتفاضة، ففي هذا اليوم دارت المعركة البطولية التي خاضها أربعة من أبطال الجهاد الإسلامي ضد استخبارات وجنود العدو على أبواب مدينة غزة (الشجاعية).‏‏

في هذا الوقت كنا نتلقط أخبار الشعب الفلسطيني من خلال وسائل الإعلام الغربية، ولكن أدبيات النضال الفلسطيني كانت تصلنا عبر الكثير من الطرق المختلفة و"الملتوية"، وقرأنا الكثير عن المناضلين الفلسطينيين كالشيخ عبد العزيز عودة والدكتور الشقاقي وأهم الكتيبات: السنة والشيعة ضجة مفتعلة، ومجلة الطليعة والمختار الاسلامي التي كانت تصدر من مصر، والكثير من المجلات المختلفة.‏‏

في العام 1989 أخرج ـ بالقوة الاحتلالية ـ الدكتور الشقاقي من سجنه في فلسطين المحتلة إلى بوابة زمريا في البقاع الغربي، ومن هناك نقل بسيارة للصليب الأحمر الدولي إلى مقرّه قرب زحلة حيث توجهنا وقمنا باستقباله والعودة معاً إلى بيروت، وهنا لا أخفي المشاعر التي كانت تغمرني ولم أصرح عنها فرحاً بلقائه، وغصةً لأنه أخرج من فلسطين حيث كنا نتمنى اللقاء في القدس.‏‏

في بيروت استقر الدكتور وبدأ نشاطه الفكري والسياسي والجهادي، وكان شديد الحرص على التواصل الدائم وبأي طريقة مع أخوته في فلسطين تارة عبر الرسائل المكتوبة (الكبسولة) أو عبر الهاتف على ندرته، وكانت المكتبات محجته اليومية، وشراء الكتب بعناوينها المختلفة من أدب وفكر وسياسة وباللغة الانكليزية، ولم ينس أنه طبيب جراح فكان يعطي هذا الجانب جزءاً من وقته للقراءة، ويوماً بعد يوم تستطيع القول ان غرفة بكاملها تحولت إلى مكتبة تستطيع أن تطلب منها العنوان الذي تريد حول الصراع العربي الصهيوني من روبيرت فيسك إلى محمد حسنين هيكل وغيرهما.‏‏

معرض الكتاب العربي السنوي كان ينتظره ويخصص له اياماً لزيارته، وفي أحد الأيام توجهنا معاً إلى المعرض على دراجة نارية حتى لا تضيع الساعات المخصصة للزيارة، وذلك بعد تعطل السيارة التي كان يفترض أن تُقلنا.‏‏

الكتاب لا يغادر يده, يستمر في القراءة لغاية الساعة الثالثة فجراً بشكل يومي، ويطرح فكرة ما للنقاش ويريد الرد حتى ولو بكلمة عامية كما كان يحصل مع أبي حمزة. وفي هذا الوقت يستمع إلى الشيخ إمام المصري ويستمتع بكلماته الساخطة على الأنظمة العربية وجيوشها، ويتوقف كثيراً عند سماعه إمام في حفلة له يغني على مدرجات مدينة قرطاج في تونس حيث يصرخ ويقول "يزيد ولاّ الحسين" (ع)، وهنا يقول أبو إبراهيم: أكيد الحسين فهو الذي يؤسس للعمل الفدائي في وجه الظلم والظالمين. ويروي قصة حصلت معه في الزنزانة الإفرادية "استيقظت من النوم فجأة وأنا أخاطب الإمام الحسين وأقول له لقد وقفت بوجههم وقلت والله لا أقر إقرار العبيد ونحن معك ولا نستطيع إلا أن نردد معك ونكون مثلك شهداء".‏‏

هذا غيضٌ من فيض العلاقة التي استمرت لسنتين بعد إخراجه من فلسطين أكتبها وفاءً له ولخط الشهداء في ذكرى استشهاده، وأذكر بكلمة قالها في ذكرى حبيبه سيد شهداء المقاومة الاسلامية السيد عباس الموسوي "إن حركة يستشهد أمينها العام لا يمكن أن تنكسر".‏‏

الشقاقي في سطور‏‏

ولد فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي في العام 1951، في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين/ قطاع غزة، وهو من قرية زرنوقة القريبة من يافا بفلسطيـن المحتلة عــام 1948 والتي هجرت منها عائلته بعد تأسيس الكيان الصهيوني على الشطر الأول من فلسطين.. والده كان الابن الوحيد لجده الذي كان إماماً للمسجد في القرية التي نشأ فيها، وقد اهتم بتربيته تربية دينية، وكان والده يحضّهم كثيراً على الصلاة، كما كان يرتل القرآن أمامهم. توفِّيت عنه والدته وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكان أكبر إخوته.‏‏

درس العلوم والرياضيات في جامعة بيرزيت وعمل مدرساً في القدس ثـم درس الطب في مصر وعمل طبيباً في القدس أيضاً.. انخرط في العمل السياسي والنضالي منــذ وقــت مبكر، وانخــرط فـي نشاطـات تنظيمية منذ منتصف الستينيات.‏‏

عام 1968 التحق بالحركة الإسلامية في فلسطيـن، وفي نهاية السبعينيات أسس مـع عــدد مـن إخوانه حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، واعتبـر مؤسساً للتيار الإسلامي الثوري في فلسطين. أشرف على مجلة المختار الإسلامي الصادرة في القاهرة في أصعب الظروف تحت إسم عز الدين الفارس، وقال مراراً في مهرجانات عديدة "لقد تربينا على كتب الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) يوم كنا في فلسطين المحتلة في السبعينييات، وفكر الإمام الخميني (قدس سره)".‏‏

اعتقل في عــام 1979 فـي مصــر بسبــب تأليفــه كتابــاً عــن الثورة الإسلامية في إيران. واعتقل مرة ثانية في مصر في العام 1981 بعد اغتيال المقبور أنور السادات للاشتباه بأن له علاقة بالحركة التي نفذت العملية، واُبعد من مصر فعاد إلى فلسطين المحتلة حيث عمل أوّلاً طبيباً في أحد مستشفيات القدس المحتلة، كما اعتقل في فلسطيــن أكثـر مـن مرة عــــام 1983 و 1986، ثم فتح عيادة خاصة في غزة وأطلق حركة الجهاد الإسلامي.‏‏

اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني في غزة في العام 1983 وسجنته لمدة 11 شهراً لإصداره مجلة باسم الحركة، واعتقل مرة ثانية في العام 1986 وحكم عليه بالسجن أربع سنوات فعلياً وخمس سنوات مع وقف التنفيذ بتهمة التحريض على مقاومة الاحتلال، ونقل أسلحة والانتماء إلى حركة الجهاد.‏‏

يعتبر الشهيد الشقاقي "أن العامل الأساس لانطلاقة الانتفاضة هو الإسلام، خاصة بعد أن اقترب الشعب الفلسطيني من الإسلام، وبعد أن أدرك أنّ الطروحات العلمانية أخفقت في تحقيق أحلامه".‏‏

ويقول الشهيد الشقاقي "إن هذه المعركة حملت من الرموز والدلالات ما كان كافياً لإزالة الطلاء عن وعي وحس الشعب المسلم في فلسطين، فتفجّر هذا الوعي وهذا الغضب إلى تلك الانتفاضة الشعبية العارمة".‏‏

يضيف الشهيد "وكان نتيجة فرار الأخوة المجاهدين من السجن أن تكثفت العمليات العسكرية ضد العدو، وكانت ذروة هذه العمليات في 6 تشرين الأول 1987 عندما استشهد أربعة مجاهدين من الجهاد الإسلامي إثر عملية نوعية، فأخضعتني قوات الاحتلال للتحقيق داخل السجن بعد أن اكتشفت خيوط اتصال لي مع المجاهدين في الخارج، ومع ذلك استمرت اتصالاتي مع الاخوة في الخارج بطرق مختلفة حتى شهر تموز/ يوليو 1988 حين اكتشف العدو طبيعة تلك الاتصالات، فقرّر أن لا معنى ولا فائدة من وجودي حتى داخل السجن بفلسطين، وأصدر أمر الإبعاد".‏‏

تزوج من فتحية الخياط وهي من القدس وأنجب ثلاثة أولاد: اسماهم خولة، نسبة لابنة الإمام الحسين (ع) وإبراهيم، وأسامة.‏‏

ارتفع شهيداً برصاص الموساد الصهيوني بتاريخ 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1995 في مالطا أثناء عودته من ليبيا، حيث كان يسعى لإيجاد حل لمعاناة المبعدين الفلسطينيين، وفرَّ القاتل على دراجة نارية كانت تنتظره مع عنصر آخر للموساد حيث كان في انتظارهما قارب مُعدّ للهروب.‏‏

رحيل الشهيد القائد‏‏

رحل الشهيد فتحي الشقاقي إلى رفيقه الأعلى، وهو في الثالثة والأربعين من عمره ونقل الشهيد، بعد رفض العواصم العربية استقباله، إلى دمشق العرب التي فتحت له أبوابها، وفي فجر 31-10-1995 استقبله مئات الآلاف من السوريين واللبنانيين مع حشد كبير من الشعب الفلسطيني والحركات الإسلامية بكل فصائلها واتجاهاتها في كل الوطن العربي بعد وصوله أخيراً على متن طائرة انطلقت من مطار "جربا" في تونس بمبادرة من الرئيس الراحل حافظ الأسد، وتم التشييع في اليوم التالي 1-11-1995، وأودع الجسد الطاهر في روضة الشهداء في مخيم اليرموك وسط الهتافات والشعارات التي توعدت بالحفاظ على نهج الشهيد.‏‏

جعفر سليم‏‏

2006-10-30