ارشيف من : 2005-2008

مبعدو بيت لحم.. ينتظرون سماع صوت "المسحراتي" بين أهلهم

مبعدو بيت لحم.. ينتظرون سماع صوت "المسحراتي" بين أهلهم

غزة ـ أسماء أبو ناموس‏

مرارة الإبعاد تختلط بالفرح باستقبال أول شهر رمضان يزور الأراضي الفلسطينية بعد تحرير جزء من أرض الوطن، مع هذا "لو أعطونا كل غزة مش راح نتنازل عن العودة لبيت لحم"، هكذا بصوت واحد نطق بها كل من المبعد ناجي عبيات (32عاما) والمبعد مؤيد جنازرة (23عاما) والمبعد مجدي دعنا (28عاما)، وهم يتطلعون بصمت إلى اندحار قوات الاحتلال عن أرض قطاع غزة، ويستذكرون في الوقت ذاته أربعين يوما قضوها في غياهب العذاب والمجهول لا سيما في ظل تجدد أمل العودة القريبة الى بيت لحم بعد ان عاد عدد من المبعدين الى الضفة.‏

كنيسة المهد‏

شرود العين وتشتت الفكر كان كفيلاً لرواية مشهد مؤلم، كنيسة المهد هي الشاهد الوحيد على تفاصيل الوجع فيه... يقول جنازرة: "في إبريل من عام 2002 كانت محافظات الضفة المحتلة على موعد مع عملية "السور الواقي"، وكان لبيت لحم النصيب الأكبر منها، ذلك عندما لجأ العديد من المواطنين للاحتماء بقدسية وحرمة كنيسة المهد إلا أنها كانت بمثابة المصيدة".‏

ثمانية شهداء ـ من بينهم قارع أجراس الكنيسة ـ وسبعة وعشرون جريحا وتسعة وثلاثون مبعدا ـ منهم ثلاثة عشر لدول أوروبا وستة وعشرون إلى قطاع غزة ـ حصيلة صمود الأربعين يوما تحت الحصار...‏

ذكريات جميلة يختزنها عبيات في ذاكرته، يستذكرها سريعا ثم يجد نفسه أمام سؤالنا: كيف تصف لنا واقع حياتكم هنا في قطاع غزة في رمضان تحديدا؟ يعدل جلسته، ويقول: المشكلة ليست الضفة وغزة، المشكلة هي الإبعاد في حد ذاته، فحتى لو كنا في نابلس على سبيل المثال وأهلنا في بيت لحم سنشعر بذات الطعم للاغتراب والبعد عنهم".‏

أما شهر رمضان هذا العام فيبدو أنه يأخذ منحى آخر بالرغم من أنه شهر الصوم الرابع الذي يمر علينا في غزة، يضيف عبيات "في هذه الأيام تحديدا من رمضان تطرح قضيتنا على مائدة التفاوض للمرة الرابعة، ونحن نمر بوضع سيئ وصعب للغاية، وكذلك الأهل في بيت لحم ما زالوا ينتظروننا على أحر من الجمر، نعيش في شهر رمضان حالة من المد والجزر، أما أهلنا في غزة لا ننكر أنهم يكرموننا ويعاملوننا أكثر من الأهل، لا نلقى منهم إلا الحب والاحترام وكل التقدير". ويوافقه جنازرة الرأي قائلا: "في بداية الإبعاد شعرنا باحتضان أهل غزة لنا فقد استقبلونا ورحبوا بنا أفضل الترحاب، ولكن الآن وبعد مرور ما يقارب السنوات الثلاث والنصف نشعر فعلا أن ظلام البعد يزيد والاهتمام بدأ يقل، فيأتي شهر رمضان لتعود أواصر العلاقات الحميمة مع أحبتنا في غزة الذين يشاركوننا أفراحنا وأتراحنا، أما على صعيد المؤسسات المختلفة والجهات الإعلامية تحديدا فلم تعد تتعاون معنا حتى جمعيات الأسرى والصليب الأحمر، وكأن الأمر لم يعد يعنيها"...‏

شهر رمضان.. عام من البعد‏

على سفح جبل مطل على كامل مدينة بيت لحم تقف نظرات المبعد دعنا، لتمده بوحي الطبيعة الرمضانية في الضفة، التي سرعان ما تصطدم بواقع استمرار الإبعاد في غزة "لم يختلف رمضان هذا العام عن الرمضانات الثلاثة التي سبقته، ونحن في أحضان غزة، سوى زيادة عام جديد من البعد عن الأهل في محافظات الضفة الحبيبة، في رمضان نستذكر كل الأحبة، لا سيما الصحبة الطيبة التي تعطي الشهر الفضيل رونقا غير عادي، ونحن نتحدث عن صحبة امتدت لما يقارب الخمسة عشر إلى عشرين عاما، إنها صحبة منذ الطفولة ونعومة الأظافر، ناهيكم عن السهرات الشبابية بين الأحراج والجبال التي يكسوها بساط من الأخضر، وهذا لا شك نفتقده في غزة، بالإضافة إلى لمّات الأهل والأقارب، وأجواء "العزائم" التي تسود أجواء بيت لحم المتميزة بقلة الكثافة السكانية".‏

...أما المبعد عبيات فيصر على أن أجواء رمضان لا تكاد تنفصل عن الأجواء السياسية العامة "أقبل أن أعيش مطاردا على أن أعيش مبعدا، فأنا لي من الإخوة ثلاثة أحدهم شهيد ترك خلفه سبعة من الأبناء، والآخر مطارد وله ثمانية أبناء، والثالث مبعد إلى إيطاليا وله سبعة أبناء، ولي من الأبناء خمسة جميعهم في الضفة، بالإضافة إلى والداي المريضين وزوجتي، وإذا ما فكروا في زيارتي فإن عليهم السفر إلى الأردن ومنها إلى مصر، ومن ثم إلى قطاع غزة وفي ذلك خطر عليهم، كما أني لم أرَ ابني الصغير منذ إبعادي، أليس من حقي أن أراه، وأقبله في صباح أول يوم من رمضان، أليس من حقي اصطحابه إلى صلاة التراويح، أليس من حقي إرشاده للآداب الرمضانية؟!.. الإبعاد شتت شمل عائلتنا وفرق روابطها حتى في أيام الشهر الفضيل"...‏

تأقلمنا لكننا لن نتنازل عن العودة‏

من ناحيته يقول دعنا وهو الابن الوحيد بين ثماني أخوات: "والدتي تركت أخواتي الثماني في بيت لحم وجاءت لتعيش بجواري، ومجرد وجودها جعلني أشعر بوجود رمضان أصلا، ونحن على اتصال دائم مع الأهل يوميا بعد صلاة العشاء والتراويح، وكذلك نتواصل مع الإخوة المبعدين إلى أوروبا، نتواصل معهم عبر البريد الالكتروني بصورة شبه يومية، أما حول علاقاتنا مع المعارف والأصدقاء في غزة فهي ولله الحمد وطيدة، لكنها ليست إلى درجة الأصدقاء في بيت لحم، ونحن كمجموعة من المبعدين بالرغم من تفاوت العقليات واختلاف الانتماءات نحاول التخفيف عن بعضنا البعض، باعتبارنا جميعا أبناء قضية واحدة".‏

ويستدرك عبيات قائلا "كل ما نتمناه ونحن في رمضان أن نحتفل بالعيد بين الأحباب الذين طالما انتظرونا وانتظرناهم، والمناشدة للرئيس محمود عباس ما دام على موعد مع لقاء مرتقب مع شارون ألا يوافق على عقد اللقاء إلا بعد تحديد مطالب واضحة، تتضمن حق عودة المبعدين واللاجئين والإفراج عن كافة الأسرى جميعا دون استثناء، يكفينا ثلاث سنوات كل عام نقابل سيناريو جديداً مخيباً للآمال، نحن نطالب بشيء ملموس".‏

المبعد عزيز عبيات‏

إذا كان الإبعاد مصيبة فالمصيبة الأكبر لو كان الإبعاد ابعادين، إبعاداً عن الأهل وإبعاداً من أرض الوطن إلى بلاد تبكي على أطلال مجدها الإسلامي، هناك في أرض الفردوس المفقود "الأندلس" أو أسبانيا يعيش المبعد عزيز عبيات (34 عاما) في أجواء من المضايقات الأمنية كما يصفها حيث يقول: "نعيش كأي غريب عن بلده, لكننا نعاني بالإضافة إلى ذلك من المضايقات الأمنية المفروضة علينا من قبل أجهزة الأمن الأسبانية, فعلينا إثبات الوجود أسبوعيا لدى الأمن الأسباني, نمنع من مغادرة المدينة إلا بإذن من الأمن, نمنع بتاتا من مغادرة الأراضي الأسبانية, حاولت إكمال دراستي الجامعية للحصول على الدكتوراه، وتسجلت في إحدى جامعات مدريد, لكني منعت من الذهاب إلى هناك بسبب الإقامة الجبرية التي نعاني منها, نمنع من العمل, يتم تجديد الإقامة الموقّتة لنا سنويا، ولكن يتم تأخير حصولنا عليها حتى تشرف مدتها على الانتهاء".‏

رمضان الأندلس‏

بعد أن كانت منارة الإيمان أصبحنا نبكي على أطلالها، لتصبح مجرد أرض ننبش عن بعض تراثها كلما دبّت في أوصالنا نخوة الإسلام للحظة سرعان ما تتلاشى بعد أن يملّ الإنسان من كثرة اصطدامه بمرارة الواقع، الذي كان من المفترض أن يكون إسلامياً "هنا في أسبانيا تختفي كل المظاهر التي اعتدنا عليها في بلادنا، من فوانيس وجمعات الأهل، وروحانية الصيام في هذا الشهر الفضيل، تخيلوا لا توجد مساجد في أسبانيا، والسبب لا يعود لقلة عدد المسلمين فيها، بل الى كثرة عدد السكان من الديانات الأخرى الأمر الذي يظهر عدد المسلمين قليلا".. "كل مجموعة من المسلمين تبحث عن مكان تحت الأرض تقيم فيه الصلاة، بعيدا عن الأنظار لممارسة الشعائر والطقوس الدينية لا سيما في رمضان، نكاد لا نشعر بشهر رمضان في أسبانيا".‏

حتى السفارة مقصرة...‏

"بشكل عام لا نشعر بالراحة ولا بالاستقرار, ونحيا على أمل العودة السريعة إلى بلادنا, التعامل معنا يختلف عند الشعب الأسباني عنه لدى الحكومة, فالشعب يتعامل معنا بكثير من الود والتعاطف, أما الحكومة تتعامل معنا كإرهابيين موجودين على أرضها لأسباب استثنائية, حيث أصدرت قوانين استثنائية للتعامل مع وجودنا على الأرض الأسبانية (وهذا كان من قبل حكومة أزنار اليمينية المتطرفة السابقة), وبعد استلام الاشتراكيين للحكم لم يغيروا شيئا لتحسين أوضاعنا, وخاصة أن وزير الخارجية الأسباني الحالي السيد موراتينوس هو من رعى عملية إبعادنا منذ الحصار داخل الكنيسة, والأمور التي وعدنا بها خلال اجتماعنا في قبرص لم يتحقق منها شيء, ونحن لا نستثني تقصير السفارة الفلسطينية في هذا الجانب, فباستطاعتهم العمل أكثر مع السيد موراتينوس لتحسين ظروف إقامتنا".‏

العودة حق شرعي‏

"نحن نطالب بالعودة الفورية إلى بلدنا وأهلنا، وهذا حق شرعي وطبيعي وليس منة من المحتلين". وعلى أمل العودة اختتم عبيات حديثه معنا بهذه الكلمات مؤكدا "نحن تم إبعادنا قسرا وظلما وعدوانا من بيت لحم، ونفينا إلى دول الشتات بعيدا عن أهلنا وعائلاتنا, لذلك نجدد المطالبة بالعودة إلى بيت لحم في اقرب وقت".‏

الانتقاد/ تحقيقات / العدد1131 ـ 14 تشرين الاول/اكتوبر 2005‏

2006-10-30