ارشيف من : 2005-2008
تأجيل لقاء "أبو مازن" ـ شارون: هوّة واسعة ورهانات خاطئة
يحيى دبوق
لم يكن الإعلان عن "تأجيل" لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون والرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" إعلاناً مفاجئاً برغم تكثيف الجهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي بما خص اللقاء، إلى درجة اعتبر واقعاً غير قابل للتغيير، فما كان سينتج عن اللقاء هو فشل يزيد في حجمه حجم الفشل المتبيّن في تأجيله.. إلا أن التأجيل ـ وعدم الإلغاء ـ إلى ما بعد إتمام زيارة "أبو مازن" إلى واشنطن يطرح تساؤلاً حوله: هل الزيارة وما ستتضمنه من نتائج ستكون كفيلة بتليين المواقف المتعارضة بين الجانبين؟ وهل يستطيع "أبو مازن" أن يستجلب موقفاً من الإدارة الأميركية خارج إطار التنسيق والتعاون المتماهي ما بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بما خص نقاط الصراع بين "إسرائيل" والفلسطينيين؟
ابتداءً من المفيد الإشارة إلى أن اللقاء هو الثالث في سلسلة اللقاءات الفاشلة بين الطرفين، وبالتالي فإن فشل هذا اللقاء يُكمِّّل فشل لقاءين سابقين لم ينتج عنهما شيء، كانا قد أُجريا قبل تنفيذ الانسحاب من قطاع غزة، في إشارة واضحة إلى حجم الاستنكاف الإسرائيلي عن تقديم ما يسمونه تسهيلات للسلطة الفلسطينية، ناهيك عن أن السلطة الفلسطينية نفسها ظهرت بمظهر مستجلب عروض تنازلية أكثر من جهة تصر على حقوق جراء تقليص وتقزيم المطالب، وهو واقع ترد في الأداء برغم التصريحات الفلسطينية المعاكسة لذلك.
ما هي دوافع الطرفين لـ"تأجيل" اللقاء؟ وما هي المصلحة أو الرهانات التي بنى كل طرف موقفه عليها، بحيث أدت إلى التأجيل؟
لجهة السلطة الفلسطينية يكمن دافع التأجيل ـ وربما الإلغاء أيضاً ـ في المراهنة على إمكانية تفعيل ضغط أميركي ما على آرييل شارون من خلال زيارة "أبو مازن" إلى واشنطن، خاصة أن من مصلحة الإدارة الأميركية توفير كل الفرص والإمكانيات لمواجهة الساحة الداخلية الفلسطينية وحركة حماس تحديداً، في ظل الاستحقاقات الداخلية القادمة (الانتخابات التشريعية).. فمن مصلحة "أبو مازن" أن يبرز أنه حقق شيئاً ما من خلال رهانه على الإدارة الأميركية، وأن هذه الرهان مُجد وهو خيار بديل بوجه خيار المقاومة، هذا من جهة.. من جهة ثانية يستفيد "أبو مازن" أيضاً في إدخال الأميركيين على خط الاتصال مع الإسرائيليين، بعد استنكاف أميركي واضح أتى في مصلحة الإسرائيليين الذين يتمكنون في استفراد السلطة في وجه أقل الحقوق الفلسطينية بداهة، ومن ضمنها حقوق الفلسطينيين باعتبارهم بشراً، وليس طرفاً سياسياً أو صاحب حق.
لجهة آرييل شارون، من مصلحته أن لا يجري تفسير أي تسهيلات يقدمها للسلطة الفلسطينية باعتبارها تسهيلات جرت بضغط أميركي، فهو يهتم بأن تبقى الإدارة الأميركية طرفاً مراقباً أكثر من كونها طرفاً فاعلاً ومؤثراً، إلا بما يعني الضغط على الطرف الفلسطيني بالتأكيد.. من هنا كان يفترض بآرييل شارون أن يقدم تسهيلات للفلسطينيين قبل زيارة "أبو مازن" لواشنطن.. لكنه رفض ذلك، حتى انه رفض المطالب الفلسطينية المقلصة التي تقتصر على 20 أسيراً فلسطينياً ونقل السيطرة على مدن في الضفة الغربية كان التفاهم قائماً عليها سابقاً في شرم الشيخ (شباط/ فبراير الماضي). وهي تسهيلات على حجمها القليل، كان سيكفل لشارون تسهيل مهمة الالتفاف ومواجهة المطالب الأميركية بتقديم مثل هذه التسهيلات، التي قد تنتجها زيارة "أبو مازن" لواشنطن.
وبرغم أن آرييل شارون يقرأ جيداً السياسة الأميركية تجاه "أبو مازن" بضرورة تعزيز موقعه في الساحة الداخلية الفلسطينية ـ وهو ما دفع الجيش إلى التوصية بإطلاق سراح أسرى ـ لكنه يعلم أن سياسة الدعم الأميركية هي سياسة مزدوجة تهدف إلى تعزيز موقعه هو أيضاً في الساحة الداخلية الإسرائيلية، وبالتالي، وبمعية الانسحاب من قطاع غزة، فقد أمكن شارون أن يراهن أيضاً على أن الإدارة الأميركية لن تتجاوز في مطالبها السقف الذي يؤثر في موقعه داخلياً، لأن في مصلحة الإدارة الأميركية أن يبقى آرييل شارون على رأس الليكود وعدم الخروج منه، تجنباً لتعزيز وضع معارضيه وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو الذي يظهر موقفاً أكثر تشدداً قبالة المطالب الفلسطينية والأميركية أيضاً بما خص كل التسهيلات التي يجري الحديث عنها، حتى تلك المطالب المقلصة والمقزّمة.
وما بين رهان آرييل شارون ورهان محمود عباس، وبرغم الظروف والرؤية المختلفة التي تساهم في إطلاق المواقف بناءً على هذه الرهانات، إلا أن عيوب موقف "أبو مازن" والسلطة الفلسطينية عموماً بالرهان على الطرف الأميركي، لا يتساوق مع التجربة التي تثبت أن التماهي الأميركي مع الموقف الإسرائيلي، حتى اذا أقدم الإسرائيلي على تجاوز سقوف وضعتها الإدارة الأميركية نفسها كخطوط حمر، وفي أكثر من محطة مشابهة في حركة الصراع، هو أكبر بكثير من أي رهان فلسطيني.. وهو واقع يتحمل مسؤوليته كل من السلطة الفلسطينية والنظام العربي بشكل عام.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1131 ـ 14 تشرين الاول/ اكتوبر 2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018