ارشيف من : 2005-2008
أطفاله يسرحون ويمرحون وضحكاتهم تتصاعد إلى عنان السماء:قطاع غزة يستقبل أول رمضان من دون احتلال
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1130 ـ 7 تشرين الاول/اوكتوبر 2005
غزة ـ خضرة حمدان
في كل ناحية من قطاع غزة تتلمس مظاهر الفرح البالغ بحلول شهر رمضان المبارك من دون احتلال جثم على صدر الأهالي ثمانية وثلاثين عاماً، وأشبع حياتهم قتلاً وتدميراً وتجريفاً، وابتلع الأخضر واليابس ولعب بالدماء.. واليوم بعد أن سحب الاحتلال مستوطنيه من القطاع، عاد الأهالي والأطفال يمتلكون كل الوقت والمساحات الخضراء للعب والمرح دون خوف من قصف مروحي أو قذيفة مدفعية..
في بلدة بيت حانون التي تنقلت فيها الدبابات الإسرائيلية على مدى الأعوام الماضية، وخاصة في الخمسة الأخيرة، لم تعد تتوق لأي واحدة منها، أو لصوت مجنزراتها، أو لرؤية الدماء والأشلاء.. وبحلول رمضان الأول بعد رحيل المحتل يستيقظ الأطفال بشكل يكاد يكون جماعياً على صوت المؤذن في مساجد البلدة، وينطلقون بالدق على الطبول والأطباق، حاملين الفوانيس الرمضانية في تعبير بالغ عن فرحة لم يعيشوها قط لعدم جرأة أحدهم على الخروج من منزله، وإلا كان هدفاً جيداً لرصاص القناصة الإسرائيليين، أو فريسة لقذائف المدافع الثقيلة.
أما غزة، فقد خرج الى شوارعها فور الإعلان عن دخول الشهر الفضيل عدد من الأطفال، وأشعلوا الألعاب النارية، وعلت ضحكاتهم تعبيراً عن الفرحة به، دون طائرة إسرائيلية تحلق في سماء المدينة التي أخليت كما باقي محافظات القطاع من مظاهر الاحتلال والمستوطنين.
وتكاد الفرحة تعم كل الشوارع التي تحاول استقبال الشهر بوجه جميل بعد غياب الاحتلال، بانطلاق مدفع الإفطار لهذا العام دون تدخل من أصوات مدافع أخرى، حيث قامت بلدية غزة بوضعه أمام بوابتها الرئيسية في مظهر غاب كثيراً عن المواطنين الذين يبلغ عددهم قرابة ستمئة ألف مواطن، تظهر من بينهم الفئة العمرية للأطفال الذين تكتظ بهم شوارع غزة، فيما يعكف الأهالي على التزوّد بالمواد التموينية والتزيين أمام منازلهم وحولها وجعلها سارّة للأعين.
ولا يكاد الطفل محمد ذو الأعوام الأربعة ينهي لعبة نارية حتى يطالب بغيرها، ويلتحق سريعاً بدائرة من الأطفال يتبادلون الضحكات والصراخ والمزاح، فيما لا يتساءل بعضهم عن كنه شهر رمضان بعد زوال الاحتلال من غزة، فهم يدركون هذه المعاني دون وسيط لإخبارهم، آملين أن لا ينغّص فرحتهم قصف صاروخي أو سقوط ضحايا أو غارة وهمية استمر الاحتلال على تبنيها كسياسة عقاب جماعي لسكان القطاع ولإرعابهم، وخاصة الأطفال والنساء من بينهم، حيث يدرك الأهالي جيداً أن الاحتلال قام بهذه الغارات فقط بعد أن سحب مستوطنيه وأطفالهم من القطاع خوفاً عليهم من آثار هذه الغارات.
وفور إعلان دخول شهر رمضان قام آلاف المواطنين بأداء صلاة التراويح في مساجد غزة والمحافظات القريبة منها، حيث انطلقت حناجرهم مسبحة بحمد الله ومهللة بالنصر الذي تحقق في المدينة وقطاعها بعد زوال الاحتلال، داعين ان يتحقق ذلك في القريب العاجل بتحرير المسجد الأقصى، معبرين عن أملهم بالصلاة فيه وخاصة في شهر رمضان والجمعة الأخيرة منه. فيما شهدت الشوارع في المدينة فجر أول يوم من شهر رمضان وفوداً من المصلين الكبار الذين يصطحبون أطفالهم لأداء صلاة الفجر الأولى من هذا الشهر في المساجد القريبة من منازلهم باطمئنان ومن دون وجل او خوف من غدر الاحتلال الذي ينصب مدافعه قرب حدود القطاع.
وكانت غزة قد ظهرت بأبهى زينتها في الأيام القليلة الأخيرة لاستقبال الشهر المبارك، حيث لوحظت الاستعدادات الكبيرة.. فيما عبر المواطنون عن فرحتهم برمضان مختلف عن السنين الماضية التي وقعت فيها المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي لـ38 عاماً متواصلة، وقطعت فيها الأحياء بعضها عن بعض، كما حوصرت بعض المخيمات القريبة منها وفُصلت عن المدينة.
ويقول المواطن أبو عصام: "لم أرَ يوماً مشابهاً ليوم إعلان دخول هذا الشهر.. ففي رفح حيث أقطن انطلقت التكبيرات من المساجد وتبادل الأهالي والأصدقاء التهاني والتحيات والمباركات، وانطلق الأطفال الذين استطاعوا الحصول على الفانوس عندما فتحت الحدود بين مصر ورفح إلى الشوارع، مهللين ومعلنين عن فرحتهم بهذا الشهر".
وتشهد أسواق القطاع إقبالاً من قبل المواطنين لشراء مستلزمات بيوتهم، حيث يجول المواطنون خلال النهار والليل على نحو متواصل في الأسواق والمحال التجارية لاستكمال حاجياتهم لهذا الشهر، من الأجبان واللحوم والفواكه المجففة والمشروبات، في زيادة ملحوظة للطلب على هذه المشتريات سنوياً، ولكن بصورة أكبر هذا العام، حيث انفتاح الأسواق مع تخلص المواطنين في قطاع غزة من الاحتلال الذي كان يقطع أوصال القطاع إلى ثلاث مناطق.
المواطن أبو غسان (أربعون عاماً) يقول: "قد يكون هذا العام الأول الذي لن نشهد فيه اعتداءات قوات الاحتلال من قصف صاروخي عند سماع الأذان او عند الفجر، ومن قطع للكهرباء خاصة في أوقات السحور والإفطار".. معبراً عن أمله مع أطفاله بأن يعم الأمان والاطمئنان خلال هذا الشهر، حتى يستطيع المواطن أن يصل رحمه دون خوف من إغلاق فجائي للطرق او تحليق للطائرات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018