ارشيف من : 2005-2008

الأزمة عادت الى المربع الأول: "اسرائيل" تحاول رسم قواعد جديدة والفلسطينيون يحاولون حماية جبهتهم الداخلية

الأزمة عادت الى المربع الأول: "اسرائيل" تحاول رسم قواعد جديدة والفلسطينيون يحاولون حماية جبهتهم الداخلية

الانتقاد/ اقليميات- 1129- 30 ايلول/ سبتمبر 2005‏

غزة ـ عماد عيد‏

لم يتوقع أحد أن تنفجر الأوضاع في قطاع غزة وتعود الى مربع الصفر بهذه السرعة، اي بعد اسبوعين فقط من انسحاب او اعادة نشر آخر جندي صهيوني من قطاع غزة الى ما وراء الحدود مع الاراضي المحتلة عام 48، أو ما يعرف بالخط الاخضر. لكن هذا ما حصل بالضبط على مدار أيام الاسبوع المنصرم، بعد أن أقدمت قوات العدو الصهيوني على اغتيال ثلاثة من قادة سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي في بلدة علار في طولكرم شمال الضفة الغربية، الامر الذي حدا بسرايا القدس في القطاع للرد الفوري بإطلاق نحو اثني عشر صاروخاً تجاه مستعمرة سديروت وعدد من المواقع العسكرية الصهيونية شمال وشرق قطاع غزة، في رد أولي بحسب بيانات وتهديدات حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري.‏

وبحسب المحللين والمراقبين، فبرغم أن إطلاق الصواريخ من قبل الجهاد أخل بقواعد اللعبة التي بدأت بالتشكل في قطاع غزة عقب الانسحاب، لكنه كان متفهماً من قبل غالبية الأطراف المشاركة في هذه اللعبة، أي السلطة الفلسطينية أولاً والعدو الصهيوني والطرف المصري باعتباره الطرف المشرف والوسيط على ما يجري في القطاع.. وعليه فإن ما جرى ليس هو الفتيل الذي أشعل الازمة وأدى بالامور الى ما هي عليه، بل ان ما حصل في المهرجان الحاشد الذي نظمته حركة حماس شمال قطاع غزة احتفالاً بالانسحاب والانفجار الذي وقع خلال العرض العسكري الذي نظمته في هذا المهرجان، كان الشرارة التي أدت بالامور الى التدهور.‏

الانفجار الذي قُتل فيه عشرون فلسطينياً ثلاثة منهم من أعضاء كتائب القسام المشاركين في العرض وأصيب أكثر من مئة، فاجأ الجميع حتى منظمي المهرجان أنفسهم الذين كانوا يعتبرون ان هذا العرض الكبير هو ختام لعروض الانتصار والانسحاب الصهيوني من قطاع غزة.‏

وبحسب وقائع الاحداث فإن الانفجار كان شرارة على الصعيدين الداخلي والخارجي، اي مع الكيان الصهيوني ومع السلطة وفتح، وبالتحديد وزارة الداخلية، وذلك على خلفية أسباب الانفجار الذي قالت وزارة الداخلية إنه ناجم عن خلل او عطل فني في السلاح، وتحديداً الصواريخ المستخدمة في العرض، وليس من غارة اسرائيلية كما قالت حماس، ما أدى الى تفجير غضب حماس التي أرادت نهاية ناجحة لهذا العرض لنقل رسائل كثيرة في غالبيتها داخلية، تحديداً الى السلطة الفلسطينية والجماهير الفلسطينية في سياق استثمار الانسحاب الصهيوني.‏

وبقيت وجهات نظر الجانبين من اسباب الانفجار على حالها برغم صدور نتائج التحقيق الذي فتحته وزارة الداخلية الفلسطينية، والذي أصر على انه ناجم عن خلل فني..‏

تفاعلات هذه القضية لم تترك أمام حركة حماس التي أكدت أنها غارة صهيونية، الا محاولة البرهنة على صدقية روايتها من خلال اطلاق سيل من القذائف الصاروخية تجاه اهداف صهيونية في الأراضي المحتلة عام 48، تبعتها سلسلة غارات جوية نفذتها المقاتلات الصهيونية بشكل تدريجي مترافقة مع تهديدات من قبل المسؤولين الصهاينة بما هو أسوأ للضغط على قادة الفصائل والسلطة من اجل اتخاذ موقف سريع من قضية التهدئة والتنظير للموقف الصهيوني الذي نظر له هؤلاء المسؤولون إبان الانسحاب من القطاع، بأن أي اطلاق لصواريخ من القطاع يعني رد مزلزل من قبل العدو، وهو ما حاول الكيان نقله من خلال الغارات ومن خلال إدخال وسائل قتالية جديدة تمثلت في الغارات الوهمية وكسر حاجز الصوت بالطائرات المقاتلة الجديدة، ما ساهم الى حد كبير في فرض أجواء خاصة في قطاع غزة، الى جانب التعزيزات العسكرية وحشد وسائل قتالية مختلفة الى الحدود مع القطاع..‏

وقد لوحظ من قبل كل المراقبين ان العامل الداخلي الصهيوني كان حاضراً في عمليات القصف المستمرة التي أطلق عليها العدو اسم "أول الغيث"، ابتداءً بقصف بعض المنشآت ومن ثم اتساعها لتشمل عمليات اغتيال لكوادر من المقاومة، وصولاً الى اغتيال قائد سرايا القدس جنوبي قطاع غزة محمد الشيخ خليل المطلوب الأول للعدو الصهيوني في يوم التصويت على مشروع تقديم الانتخابات داخل حزب الليكود الذي تقدم به نتنياهو.. وربما كان هو العامل الأهم في قلب الامور لمصلحة شارون داخل مركز حزب الليكود برغم ان كل التوقعات واستطلاعات الرأي وحتى قناعة معسكر شارون في الحزب، انهم كانوا مقبلين على معركة خاسرة لا محالة، ولذلك كانوا يطرحون حلولاً لما بعد هذه الهزيمة، مثل الانشقاق وتشكيل حزب جديد. الشيخ خليل هو الشهيد الرابع من العائلة نفسها وتتهمه القوات الصهيونية بالضلوع في قتل وإصابة عشرات الصهاينة الجنود والمستوطنين، والإشراف على عشرات العمليات الاستشهادية، وآخرها العملية المشتركة في مستوطنة موراج، التي قتل فيها ستة صهاينة وأصيب عدد آخر.. ومن أهم العمليات التي كان مسؤولاً عنها هي تفجير دبابة صهيونية على الحدود المصرية الفلسطينية أدت الى مقتل ستة جنود.. وبحسب المراقبين والمحللين فإن حركة حماس لم تكن ترغب في تفاقم الامور الى هذا الحد، وإنما كانت راغبة فقط في موجة من التوتر وعودة الامور الى ما كنت عليه، باعتبار ان حماس تتهيأ للمشاركة في الانتخابات التشريعية، لكن العكس هو الذي، حصل فقد اعتقل العدو المئات من قادة وأنصار الحركة وحركة الجهاد الإسلامي، بمن فيهم مرشحو حماس للانتخابات التشريعية، وهذه واحدة من الرسائل القوية التي تلقتها حماس.. أما الرسالة الثانية التي لا تقل أهمية، فهي قصف مدرسة دار الأرقم التابعة لحماس بطائرات (أف 16) والذي جعل حماس تفكر ملياً في ان الطائرات يمكن ان تقدم على قصف مبان في الجامعة الإسلامية.. هاتان الرسالتان اللتان جاءتا في سياق القواعد الجديدة للعبة في القطاع هما اللتان دفعت حماس بحسب المراقبين الى تبنيها بشكل عاجل لقرار منفرد، جددت فيه تمسكها بالهدنة وفق اتفاق القاهرة ووقفها لكل عملياتها انطلاقاً من القطاع دون قيد او شرط، ومن دون تنويه لحقها في الرد على العدوان الصهيوني المستمر، وهو ما جعل حماس تبدو كأنها انصاعت للشروط الإسرائيلية بمعزل عما يحدث عن الأرض.‏

لكن البعض رأى في ذلك براغماتية وذكاءً سياسياً سحب الكثير من الذرائع من يد شارون وحكومته لشن المزيد من الغارات ضد البنية التحتية للحركة وقادتها ورموزها.‏

الا ان ذلك لم يمنع وزير الحرب الصهيوني موفاز من اطلاق تهديد بأنه سيواصل حملة الاغتيالات ضد حماس رغم موقفها الجديد. وعلى ما يبدو فإن هذا التصريح وغيره الى جانب الاستمرار في الغارات الحقيقية والوهمية تهدف الى الاستمرار في الضغط على حماس وبقية الفصائل لدفعها الى القبول بالقواعد الصهيونية الجديدة.‏

2006-10-30