ارشيف من : 2005-2008

"براء" تنضم لنادي الأسيرات الفلسطينيات بصرخة حياة أقوى من الظلم:ولادة جديدة خلف القضبان

"براء" تنضم لنادي الأسيرات الفلسطينيات بصرخة حياة أقوى من الظلم:ولادة جديدة خلف القضبان

جنين ـ ميرفت صادق‏

تمردت الأسيرة الفلسطينية سمر إبراهيم منسي صبيح (22 عاماً) على السجن والسجان وكتمت دموعها وأحزانها وهي تمضي مقيدة اليدين بسلاسل الحقد الإسرائيلية نحو غرفة العمليات التي فرض عليها أن تنجب مولودتها الأولى فيها محاطة بالسجانات معزولة وبعيدة عن زوجها المعتقل أيضاً وعن عائلتها التي رفضت قوات الاحتلال منحها تصريحا لتشاطرها اللحظات الأصعب في حياة كل امرأة أثناء الإنجاب.‏

"لا توجد كلمات تصف مشاعري, ولكني أشعر بمزيج من الحزن والفرح.. الحزن لأن فرحتي بالحلم الذي انتظرته وزوجي سيتحقق، ولكن وكلانا نرزح في جحيم القيود والسجن، وأول مولود لنا سيرى النور وهو معتقل أيضاً ولن يتمكن والده من مشاهدته. والفرح لأن السجن لن يوقفنا ولن يجهض أحلامنا, فبرغم السجن والسجان وكل إجراءات الظلم والعقاب ما زلنا نصر على الحياة ورفد الوطن بالأبناء.. ففرحي كبير برغم حزني، لأن حياتنا مستمرة لا تكبلها قيود أو سجون".‏

كانت تلك الكلمات الأخيرة التي قالتها سمر لمحاميتها بثينة دقماق التي حضرت الى مستشفى مائير الإسرائيلي لمتابعة ولادة سمر بعدما رفضت قوات الاحتلال السماح لزوجها وعائلتها بمشاركتها تلك اللحظات.‏

وقالت دقماق لـ"الانتقاد": "فوجئت بمدى صلابة وإيمان سمر، فقد كانت معنوياتها عالية جدا وهي تعي بشكل واضح أن ولادتها بحاجة الى عملية قيصرية. أمسكت يدي بحرارة، ولن أنسى كلماتها عندما جاء السجانون لنقلها الى غرفة العمليات، فقد كانت تطلب مني طمأنة زوجها حول وضعها ورفع معنوياته.. كما وجهت التحية الحارة لكل الأمهات الفلسطينيات، وشكرها لجميع الذين وقفوا معها وحاولوا مساعدتها لتتخلص من جحيم القيود والإنجاب في بيتها".‏

وأضافت دقماق: "لكنها كانت حزينة لأنها ستنجب بالقيود، وقالت لي: أتمنى أن أتمكن من وضع مولودي من دون سلاسل أو قيود حسبما وعدت به من قبل إدارة سجن تلموند بفك قيودي أثناء العملية".‏

لحظات الانتظار الأصعب‏

اقتيدت سمر المحكومة بالسجن مدة 28 شهراً الى غرفة العمليات وسط حراسة مشددة في الوقت الذي كان فيه زوجها الأسير رسمي صبيح (23 عاماً) يعيش لحظات هي الأصعب في حياته، والتي تكشف وتؤكد مدى ظلم وعدوانية الاحتلال وعدم احترامه لقانون أو إنسانية الإنسان, "فقد اعتقلوا زوجتي وهي حامل وأخضعوها للتحقيق من دون مراعاة لقانون أو ضمير، وبإرادة الله ورعايته نجت من أساليب التحقيق الرهيبة التي مورست بحقها.. ولكن عندما بدأت مخاض الإنجاب تقدمت بعدة طلبات عن طريق مؤسسة مانديلا إلى مصلحة السجون للسماح لي بحضور الولادة، وبرغم موافقة مصلحة السجون إلا أن إدارة سجن النقب والمخابرات ماطلت في منحي التصريح بشكل متعمد, للانتقام مني ومن زوجتي وكل فلسطيني! فأي قانون أو شريعة هي التي تجيز هذه الجريمة؟ كنت أنتظر وزوجتي لحظة إنجابها بسعادة وفرح".‏

ويضيف: "الأشد مرارة أنهم لم يكتفوا بعقابنا وتفريقنا في السجون، بل ورفضوا السماح لأي من أقارب زوجتي بحضور عملية الولادة. كما ان إجراءات الاحتلال على الحواجز منعت شقيقة زوجي من الوصول للمستشفى بعدما تمكن نادي الأسير الفلسطيني من تأمين تصريح لها، ولكن الجنود أوقفوها واحتجزوها بشكل متعمد لتعيش زوجتي تلك اللحظات وحيدة محاصرة بالسجن والسجان, فظروف المستشفى لا تختلف عن السجن".‏

الهاتف لغة التواصل‏

ومما خفف من حزن وألم الزوج الأسير أنه نجح في متابعة تفاصيل عملية الولادة كما يقول عبر الهاتف مع المحامية دقماق.. ويضيف: "برغم الظروف الصعبة استمررت في الاتصال مع المحامية لحظة بلحظة ولم أتمكن من الهدوء لخوفي الشديد على حياة زوجتي، ومررت بلحظات مريرة شعرت فيها بالموت والاختناق والغضب حتى أعلمتني المحامية أن العملية نجحت ورزقت بمولودة أسميتها بالاتفاق مع زوجتي براء، لتكون شاهدة على الظلم الإسرائيلي الذي لا يمتلك أدنى قيم الإنسانية, ولتكون عنوانا للبراءة التي حاولوا أن يسلبوها إياها, فكل لحظة تشكل تعبيرا عن واقع معاناة شعبنا ومدى ظلم الاحتلال وقسوته".‏

قهر احتلالي‏

المحامية دقماق التي كانت الوحيدة التي حظيت بمتابعة عملية سمر تقول: "إنها حكاية أخرى في زمن القهر الاحتلالي, فقد منعتني الشرطة من مرافقة سمر الى غرفة العمليات، وسمحوا لي بمشاهدتها في غرفة الانتظار.. لم أقف موقفاً في حياتي العملية طوال سنوات في متابعة قضايا الأسرى كتلك اللحظة، خاصة بعدما فشلت كل محاولاتنا لإحضار زوجها أو أحد من أقاربها، فذلك كان سيعني الكثير للأسيرة سمر التي عبرت عن سعادتها بعدما استعادت وعيها من العملية وضمت الى صدرها طفلتها، التي للأسف ستعيش لحظات من عمرها في الأسر الذي يختطف والديها.‏

ظروف غير إنسانية‏

وشددت دقماق على ضرورة ان تكثف المؤسسات الإنسانية من تحركها لإنقاذ سمر ومولودتها من جحيم السجون، لأن ظروف الاعتقال مأساوية ولا يتوافر فيها أدنى متطلبات المولود أو والدته. وتضيف: "هناك ثلاثة أطفال يحتجزون مع أمهاتهم في السجن في ظل ظروف اعتقالية وصحية وغذائية سيئة جدا، وهؤلاء الأطفال يحرمون من أبسط حقوق الطفولة ويتعرضون لأقسى أنواع القهر والحرمان، مثلهم مثل أمهاتهم الأسيرات. كما أن هناك عشرات الأمهات الأسيرات يُحرمن من عناق واحتضان أطفالهن أثناء الزيارة".‏

رحلة المعاناة‏

تنحدر الأسيرة سمر من معسكر جباليا في قطاع غزة حيث وُلدت وعاشت وتخرجت من الجامعة الإسلامية وحصلت على دبلوم شريعة وأصول الدين, وتزوجت من الأسير الإداري رسمي جبر صبيح بعد رحلة معاناة وخطوبة استمرت 6 سنوات، اضطرت خلالها لتأجيل زواجها بسبب إجراءات الاحتلال. وفي حزيران 2005 وبعدما حصلت على تصريح لزيارة أقاربها في طولكرم، تزوجت من ابن خالها وانضمت إليه في المدينة. وبعد أربعة شهور من الزواج ـ كما تقول حماتها نجاح عباس صبيح "أم نضال" ـ وتحديدا في 29/9/2005 اقتحمت قوات الاحتلال منزلها وقامت باعتقالها برغم كونها حاملا في الشهر الثالث.‏

وتضيف: "كان زوجها في عمله داخل أراضي الـ48، والمثير ان أكثر من 100 جندي شاركوا في اقتحام المنزل".. وتتابع: "جمعونا خارج المنزل تحت تهديد السلاح، وبعد تفتيشه سألوا عن سمر التي اقتادوها الى منزل مجاور، وبعد استجوابها أرغموها على العودة لمنزلنا وارتداء زي أبيض كان مع الجنود الذين انتظروها في الخارج، وفور عودتها اعتقلوها بينما قامت باقي القوة باقتحام منزلنا ومعهم كلاب بوليسية. ولم يكتفوا بتكسير محتوياته، بل صادروا كل شيء يتعلق بسمر، سواء جواز سفرها أو أشرطة فيديو حفل زفافها وصورها الشخصية والكمبيوتر, وتركونا وسط حيرة وقلق.‏

اعتقال الزوج‏

فور علم زوجها بالخبر ـ تقول أم نضال ـ عاد مسرعا لمتابعة الموضوع، ولكن بعد 24 ساعة فقط عاد الجند لاقتحام المنزل واعتقال زوجها الذي نُقل الى سجن النقب الصحراوي من دون تهمة أو محاكمة، ثم جرى تحويله للاعتقال الإداري حيث قضى ستة شهور، ثم مُدد لستة أخرى.‏

عمل غير إنساني‏

تقول أم نضال: "قلقنا كان كبيرا على حياة سمر لأنها حامل ولم تتلقى أي رعاية في السجن، حيث تعرضت للتحقيق والتعذيب وإصرار الاحتلال على اعتقال زوجها برغم عدم توجيه أي تهمة له.. ورفضه الإفراج عنها بسبب خطورة وضعها وإرغامها على الإنجاب في السجن عمل غير إنساني، ولكن نحن فخورون ببطولة ومعنويات سمر وزوجها، فقد تقبلت الأمر بشموخ وتحدٍ، ونشكر الله كثيرا ونتمنى أن يفرّج كربها وزوجها لتعود إلى بيتها. وإنني أناشد كل ضمير حي التدخل لوضع حد لهذه المأساة والتدخل الفوري للإفراج عن سمر, خاصة أنها وضعت مولودها البكر داخل السجن، لتكون العائلة كلها خلف قضبان سجون العدو الصهيوني".‏

ثلاث أسيرات أنجبن خلف القضبان‏

وإضافة لجهود وزارة شؤون الأسرى فإن مؤسسة مانديلا ونادي الأسير ومؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان بدأت حملة مكثفة للمطالبة بالإفراج عن سمر ومولودتها. وقال بيان صدر عن التضامن إن ثلاث فلسطينيات وضعن مواليدهن في السجون الصهيونية، إضافة إلى الأسيرة عطاف عليان التي تحتضن طفلتها عائشة داخل السجن. وأوضح الباحث في "التضامن" حامد بيتاوي، أن الأسيرة منال غانم كانت وضعت مولودتها نور، والأسيرة ميرفت طه وضعت مولودها وائل، والأسيرة الثالثة هي سمر صبيح ومولودتها براء. أما الوزير قبها فقال إنّ أكثر من 18 أمّاً فلسطينية يقبعن اليوم في زنازين السجون الصهيونية، ويُحرمن من متابعة أبنائهن، وعددٌ منهن يُحرَمن من زيارتهن أيضاً. وأشار قبها إلى أنّ عدد الأسيرات الفلسطينيات ارتفع إلى 145 أسيرة بعد حملة الاعتقالات التي طالت في الأسبوع الأخير عدداً من أمهات وشقيقات وزوجات المطاردين في شمال الضفة الغربية.‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1162 ـ 19 ايار/مايو 2006‏

2006-10-30