ارشيف من : 2005-2008

الحاج تركمان ما زال محتفظاً بقواشين الأرض:مخيمات اللجوء الشاهد الأبرز عليها.. النكبة تتجدد وحلم العودة باقٍ

الحاج تركمان ما زال محتفظاً بقواشين الأرض:مخيمات اللجوء الشاهد الأبرز عليها.. النكبة تتجدد وحلم العودة باقٍ

جنين ـ علي سمودي‏

اغرورقت عينا الحاج علي عيد تركمان بالدموع وهو يشاهد جثث الشهداء الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في بلدة قباطية في اليوم نفسه الذي تصادف فيه ذكرى الأيام المؤلمة والعصيبة التي عايشها في نكبة عام 1948، ولم يتمالك نفسه أمام هول المناظر المؤلمة وأخذ يردد ومن حوله بعض حفداؤه: "منذ النكبة يا صغاري ودمنا يراق ويُهدر ونذبح بدم بارد، ثم يخرج علينا صهيوني من البيت الأبيض ليقول إن الشعب الفلسطيني إرهابي.. ولكن تذكروا دوما أن دمنا ليس رخيصا، وأنكم أصحاب قضية عادلة، والنضال واجب على كل فرد فينا حتى نستعيد حقنا في أرضنا المغتصبة ونتحرر من ظلم وجحيم هذا المحتل الغاصب الذي سلبنا أرضنا وحقوقنا وحوّل حياتنا الى جحيم وحرمنا الفرح, فكيف نفرح!".‏

ذكريات اللجوء والنكبة‏

سارعت رفيقة درب اللجوء والتشرد والمعاناة الحاجة حليمة لإحضار فنجان قهوة لزوجها الذي لم يزل تحت وطأة الصدمة من تلك المناظر المفزعة، فارتشفها بسرعة وضم حفيديه (علي وعمرو) لصدره وقال: "58 عاما مرت على النكبة، ولكن للحظة واحدة لم تنس ذاكرتي صور المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية لسلب أرضنا وتحويلنا للاجئين، فقد كنا نعيش حياة سعيدة في قرية الغبية القريبة من حيفا ونعتمد على الزراعة وتربية المواشي حتى اكتملت فصول المخطط الصهيوني، فبدأت الهجمات على مدننا وقرانا.. وتذكروا أننا قاومنا ودافعنا عن أرضنا. ولكنهم بسبب الدعم والتواطؤ والخيانة العربية تمكنوا من احتلال أرضنا.. ولن أنسى المجازر عندما ذبحوا النساء والأطفال وسالت شلالات الدم وكوابيس الموت تطاردنا من منطقة لأخرى حتى انتهى الحال بنا مشردين ولاجئين، فلم أكد أفرح بزواجي من جدتكم حتى فقدنا أرضنا وانتهى بنا مطاف العذاب في مخيم جنين حيث ولد آباؤكم ثم أنتم لاجئين".‏

يحتفظ بقواشين أرضه‏

وكآلاف اللاجئين ما زال الحاج تركمان يحتفظ بقواشين أرضه البالغة مساحتها أربعين دونما في قرية الغبية التي اغتصبت عام 1948 ويقول: "احتلت العصابات الصهيونية قريتنا كباقي المناطق الفلسطينية وأقيمت قربها وعلى أنقاض منازلنا التي هدمت مستوطنة "مشمار هعيمك"، وأحضر إليها المستوطنون الذين اغتصبوها بينما يمضي العمر بنا وما زلت أتوق لرؤية قريتي والعودة إليها، فإن صورتها وذكرياتها ترافقني، وحلم العودة هو حياتنا".‏

حلم العودة‏

خلال رحلة اللجوء رزق تركمان بعشرة أبناء، منهم خمسة ذكور "لم يسلم أحد منهم من الاعتقال الإسرائيلي" كما يقول، ويضيف: "زرعت في قلوبهم وعقولهم حلم العودة فحملوه معهم ولم يتوانوا عن النضال في سبيله مما جعلهم عرضة للاعتقال، واليوم تأتي ذكرى النكبة ولديّ أكثر من 50 حفيدا, فقد حاولوا تصفية قضيتنا ومسح وجودنا بالمجازر، ولكن شعبنا كان دوما أقوى من المحتل. وبرغم تقدم السن بي فإني لم أعد أشعر بالقلق على حلم حياتي وحلم كل فلسطيني، فحفدائي يحملون راية العودة، وما عجزنا عن تحقيقه سيتحقق برغم المؤامرات والاحتلال", وهو ما أكده حفيده الصغير عمرو عثمان تركمان (14 عاما) الذي أمسك يد جده بحرارة وقال: "لا أعرف الغبية، ولكن جدي جعلها جزءاً من حياتي وحلمي الأجمل، لذلك أقول له اطمئن لأني سأحمل راية جدي وأجدادي وحلم العودة".‏

تصاعد الحرب الإسرائيلية‏

وتحت شعار: "العودة حق مقدس لا تنازل عنه" يحيي الفلسطينيون في الأراضي المحتلة ذكرى النكبة لهذا العام في وقت تتصاعد فيه الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني باتجاهين، كما يقول عبد الرازق أبو الهيجاء رئيس اللجان الشعبية في مخيم جنين, الأول استمرار جرائم القتل والاغتيال والاجتياحات واحتلال المدن والمخيمات، والثاني الحصار التجويعي الذي أدى الى تردي الأوضاع المعيشية في الأراضي المحتلة، وخاصة في المخيمات التي لا تتوافر فيها أي مقوّمات للحياة.‏

ويضيف: "المخيمات لا تتوفر فيها أي منشآت أو مراكز للعمل ويعتمد اللاجئون فيها في حياتهم على الزراعة والتوظيف والعمالة, وتعاني المخيمات من ارتفاع معدلات البطالة بشكل خطير للعام الخامس على التوالي، في وقت تعاني فيه من شح في المساعدات".‏

استهداف المخيمات‏

خاض اللاجئون في المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية خلال العقود الماضية وخاصة خلال سنوات الانتفاضة الخمسة والمعارك عنيفة مع قوات الاحتلال "التي حاولت استغلال الوضع لتمرير حلولها التي تستهدف شطب قضية اللاجئين وتدمير مقومات معيشتهم" كما يقول عدنان الهندي رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين.‏

ولأن المخيمات كانت معاقل للانتفاضة والمقاومة وانطلقت منها غالبية العمليات الاستشهادية، تعرضت لأبشع الهجمات الإسرائيلية وخاصة مخيم جنين، حيث كانت المجزرة الشهيرة بعد المعارك العنيفة التي خاضها المخيم، والتي قتل فيها من الجنود ما يفوق عدد قتلى الاحتلال في جميع حروبه مع العرب (قتل 32 جنديا اسرائيليا خلال اسبوعين)، كما دمر الاحتلال البنية التحتية ومقومات الحياة في جميع مخيمات الضفة الغربية بشكل أدى الى تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفقر والعوز والبطالة.‏

وقال ماجد هليل من اللجان الشعبية في شمال الضفة: "إن أوضاع اللاجئين في مخيمات الضفة مأساوية فقد استخدم الاحتلال كل الأساليب لتدمير مقومات الحياة، وارتكب المجازر وشن حملات الاعتقال والتخريب في مخيمات جنين وطولكرم وبلاطة وعسكر والفارعة والأمعري والدهيشة والجلزون ولم يسلم تجمع للاجئين من الاستهداف والتدمير ذي الأبعاد السياسية التي هدفت لتمرير المخططات التصفوية لقضية اللاجئين ومحاولة توطينهم وإجهاض حلم وحق العودة خاصة بعد توقيع اتفاقية جنيف التي كان الموقف الفلسطيني موحدا في رفضها وإدانتها والتحذير من مخاطرها.‏

تواطؤ الوكالة‏

وبينما كانت المخيمات تتعرض لحملات التدمير والعدوان الإسرائيلية، اتبعت وكالة الغوث الدولية سياسة وصفها الفلسطينيون بالمتواطئة مع المحتل، وقال أحمد الأسعد من لجان الخدمات الشعبية في مخيم الفارعة: "في ظل الآثار الخطيرة الناجمة عن العدوان والنقص الخطير في مستلزمات الحياة والمعيشة، بدأت وكالة الغوث في التراجع عن تأدية خدماتها وواجباتها في رعاية شؤون اللاجئين، فمارست سياسة التقليص في الخدمات ولم تقدم إلا القليل القليل، في وقت فقد فيه السواد الأعظم من اللاجئين لقمة عيشهم وبدأت العيادات التابعة للوكالة تعاني من نقص في المستلزمات الصحية، بينما توقفت الوكالة عن توفير احتياجات المدارس والطلبة اللاجئين، وأوقفت المساعدات المادية والعينية التي كانت تشكل مصدر دخل لغالبية اللاجئين".‏

وقال عطا أبو ارميلة من لجان المخيمات الشعبية: "هذه المواقف أكدت تواطؤ الوكالة وبدء تخليها عن دورها الإنساني المحض في رعاية اللاجئين وشؤونهم، مما يؤكد ان المجتمع الدولي يقف مع "إسرائيل" في حربها التجويعية ضد شعبنا، والمبرر وجود عجز في ميزانية الوكالة.. ولكننا نعتبرها مبررات واهية تؤكد وجود بعد سياسي في القضية".‏

لا بديل عن العودة‏

وبرغم ظروفهم الصعبة وتصاعد ممارسات الاحتلال القمعية بحقهم فإن اللاجئين يجمعون على التمسك بحق العودة.‏

وقالت اللاجئة بشرى الأمين من مخيم جنين: "استشهد اثنان من أبنائي، وثلاثة آخرون يقبعون خلف القضبان الإسرائيلية، وهدم منزلي مع مئات المنازل في المخيم، ولكن برغم جراحنا وآلامنا نقول للعالم إننا لن نتوقف عن النضال حتى تنتهي نكبتنا، ومهما مورس علينا من ضغوط فلن نتخلى عن حق العودة".‏

وفي مخيم طولكرم قالت اللاجئة سمر عبد الله: "جميع أبنائي أمضوا فترات طويلة من حياتهم في السجون مناضلين في سبيل الحق المغتصب، وتأتي ذكرى النكبة لتفتح جراحنا وتؤكد حقيقة واحدة برغم ذلك كله: "لن يضيع حق وراءه مطالب"، ليعتقلونا ويشردونا ويقولوا عنا إرهابيين، فنحن نفتخر إذا كان نضالنا الإرهابي طريقنا لتحرير فلسطين".‏

أما شريف سليمان من مخيم الدهيشة فقال: "كلمة واحدة أقولها للعالم الذي تآمر علينا في النكبة وما زال مستمراً في مؤامرته: بعد كل هذه السنوات لم يولد الفلسطيني الذي يخون العهد والوصية ويفرط بحق العودة، سنعود الى حيفا وتل الربيع والخالصة".‏

أما محمود الأمير من مخيم الجلزون فقال: "توفي والدي الذي ينحدر من حيفا ولسانه لا يتردد عن القول: ادفنوني في حيفا، ولم نتمكن من تحقيق حلمه.. ولكن أطفالي وحفدائي لن يتخلوا عن حلم والدهم، فلسطين لنا مهما مارسوا من حصار وتجويع وظلم وعدوان، سنبقى نناضل حتى العودة".‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1162 ـ 19 ايار/مايو 2006‏

2006-10-30