ارشيف من : 2005-2008

الشرطة تبرىء قاتلي الفلسطينيين: جرائم إسرائيلية من دون قتلة

الشرطة تبرىء قاتلي الفلسطينيين: جرائم إسرائيلية من دون قتلة

الانتقاد/ اقليميات- 1128- 23 أيلول/ سبتمبر 2005‏

شكل قرار الشرطة الإسرائيلية الأخير المتعلق بعدم وجود أدلة تدين أفراد الشرطة الذين قتلوا 13 فلسطينياً أعزل من فلسطينيي العام 1948 خلال تظاهرات وأحداث تشرين الأول 2000، شكل علامة إضافية على مدى العنصرية الإسرائيلية وازدواجية المعايير ومدى الصلافة والوقاحة التي يتسم بها هؤلاء، خاصة أن لجنة تحقيق رسمية أخرى "لجنة أور" كانت قد أكدت وجوب محاكمة القتلة، ما يشير إلى أن تحقيقات الشرطة أريد منها ـ واقعاً ـ أن ترمم ما ذهبت إليه اللجنة السابقة.‏

وتعود جذور المسألة إلى التظاهرات التي شهدتها أراضي العام 1948، والتي قام بها الفلسطينيون في حينه تعبيراً عن تضامنهم واستنكاراً لعمليات القتل واسعة النطاق التي أقدمت عليها القوات الإسرائيلية مع بدء انتفاضة الأقصى في أيلول 2000.. إذ واجهت الشرطة الإسرائيلية المتظاهرين العزّل بالرصاص الحي، حيث شاركت وحدات من القناصة في عمليات القتل، الأمر الذي أدى إلى استشهاد 13 فلسطينياً بدم بارد من دون أي مسوّغات شرعية سوى في قاموس الشرطة الإسرائيلية التي تشرّع عمليات كهذه إذا كانت موجهة نحو العرب، برغم المعزوفة الإسرائيلية الرسمية التي ترى أنهم مواطنون في "دولة إسرائيل".‏

وحدة التحقيق في الشرطة ـ والمفارقة هنا أن الشرطة تحقق مع أفرادها، وهو إجراء لا يتوافق مع أي شرعية ومنطق قانوني ـ علّلت قرارها بأنه يأتي جراء رفض أقرباء القتلى التعاون، إضافة إلى أن المكلفين بالتحقيق لم يزوروا مسرح الأحداث في الأيام الأولى لها نتيجة خوفهم على حياتهم!! وبالتالي خلصت الوحدة الى أنه لا دليل كافياً يسوِّغ إحالة أفراد الشرطة المتهمين إلى المحاكمة، خاصة أن القرار يرى أن خطراً حقيقياً تعرض له هؤلاء دفعهم إلى الدفاع عن النفس!! علماً بأن المتظاهرين كانوا جميعاً من العزّل ومجردين من أي نوع من الأسلحة.‏

وبرغم أن "المحققين" يقرون بأنهم استمعوا إلى مئات الإفادات من رجال الشرطة والمواطنين الذين شهدوا الأحداث، وأن البعض منهم شهد عمليات القتل أيضاً، إلا أنهم لا يرون دافعاً قانونياً لاتهام القتلة وتحويلهم إلى المحاكمة. وقد جاء في القرار أن وحدة التحقيق لم تجد "بشكل قاطع أدلة تكفي للإدانة في محكمة جنائية"!! والأكثر وقاحة هو أن القرار يتضمن تعليلاً فريداً من نوعه: "من العسير معرفة من هم عناصر الشرطة الذين كانوا في مكان الحادث، وكيفية انتشارهم والمهامّ التي كانت موكلة إليهم"!.. علماً بأن مثل هذه المعلومات لا يمكن أن تخفى ـ إلا عمداً ـ عن أي جهاز شركة في أي دولة.‏

الوقاحة الإسرائيلية تتعزز إذا ما استحضرنا قرارات لجنة أور، التي قرر إيهود باراك في حينه تشكيلها (كرئيس للحكومة الإسرائيلية)، نتيجة الضغط الكبير الذي مورس عليه في الداخل والخارج، خاصة أن التظاهرات والأحداث التي رافقتها وُوكبت من قبل الإعلام الإسرائيلي. واللجنة المشكلة ـ لجنة أور ـ التي تحددت مهمتها في فحص كل ما جرى في أحداث تشرين الأول 2000، قدمت تقريرها في أيلول 2003 وضمنته مجموعة من التوصيات لتحسين العلاقة مع "الأقلية العربية" في مجالات عدة.‏

واعتبرت اللجنة في حينه أن المتهمين ـ أفراد الشرطة ـ لم يتعرضوا للخطر، ولا يوجد مبرر يدفعهم إلى إطلاق النار الحيّ على المتظاهرين.. بل إنها رصدت في إطار التحقيقات نتيجة الشهادات والاعترافات، عشر حالات كانت الشبهة فيها واضحة بأنه لم يكن هناك أي مبرر لإطلاق النار بقصد القتل. وخلصت اللجنة إلى التوصية بالتحقيق في مسؤولية قائد لواء الشرطة في حينه "أليك رون"، وقائد منطقة المروج "موشيه فلدمان"، وهما المسؤولان عن المصادقة بشكل مباشر على إصدار أوامر إطلاق النار في كل الحالات التي جرى التحقيق فيها من دون أي مبرر.‏

بعد عامين من خلاصات لجنة أور، قرر محققو الشرطة الإسرائيلية الآن أن لا دليل يثبت أن الضباط الثلاثة قد أخطأوا في قراراتهم المتعلقة باستخدام النار، وأُغلق الملف لعدم كفاية الدليل!.. ما يعني أن لا ثمن لروح أي إنسان غير يهودي بحسب القانون والممارسة الإسرائيلية، برغم وضوح الضحية ووضوح هوية المجرم، خاصة عندما يوكل للقاتل مهمة التحقيق مع نفسه (الشرطة تحقق مع الشرطة).. وهو ما يؤكد أيضاً أن ديمقراطية "إسرائيلية" هي بالفعل ديمقراطية لليهود، وهي يهودية لغير اليهود..‏

دليل جديد على العنصرية الصهيونية سجلته الشرطة الإسرائيلية في قرارها، وهو دليل يذكّر كل من لا يريد أن يتذكر، بأن هذه السياسة هي امتداد للمجازر الصهيونية بحق الفلسطينيين منذ ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي، مروراً بمجزرة دير ياسين (1948) وكفر قاسم (1956) ويوم الأرض (1976) وغيرها من المحطات العديدة التي تذخر بها الذاكرة..‏

برغم كل ذلك، تصرّ "إسرائيل" ـ والبعض أيضاً ـ على أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط!..‏

يحيى دبوق‏

2006-10-30