ارشيف من : 2005-2008

أمل اللقاء يبدد ظلام الأسر: هو وهي على موعد مع الفجر.. برغم قسوة السجان وعتمة الزنزانة

أمل اللقاء يبدد ظلام الأسر:  هو وهي على موعد مع الفجر.. برغم قسوة السجان وعتمة الزنزانة

الانتقاد/ تحقيق من فلسطين- 1128- 23 أيلول 2005‏

غزة ـ أسماء أبو ناموس‏

"لا يعلم العشاق أين سيلتقون، في السجن أم في القبر؟ أم في ظل وردة؟".. بعيداً عن زحام الحياة وزخم الفوضى غير المنقطع اجتمعا هناك، برغم بعض خوذات وقضبان حديدية، لتنتصر إرادة القدر للمرة الألف على إرادة البشر. قلبان لم تسعهما الدنيا كلها احتواهما قفص لم يعتد على مثل هذه الأجواء من قبل.‏

عشق الأرض المتجذر في النفس الفلسطينية يمتد أكثر ليوحّد روحين لولا المشيئة الإلهية لكانا في جسد واحد، هناك حيث ظلام الأسر يخيم تكتنز المشاعر، ويتجدد أمل اللقاء بشريك الحياة ولو بعد حين.‏

منى العدرة‏

"هو لم يحاكم حتى اليوم، وأنا أعلم أن محكوميته لن تقل عن عشر سنوات في أحسن الأحوال، لكن سأنتظره مهما طالت المدة".. هكذا سريعاً ترد منى العدرة (23 عاماً) من مدينة الخليل على سؤال لنا عما إذا كانت على استعداد لأن تنتظر خطيبها محمد خليل زيدات (24 عاماً) حتى يخرج ليرى النور من سجن بئر السبع قسم هولي كيدار، أم أن اليأس بدأ يتسلل إلى قلبها؟..‏

"أنا أرى خطيبي مرة كل شهرين تقريباً، ما يخفف من طول الانتظار، أحاول كلما ألتقيه أن أصبّره، وفي المقابل يصبرني هو كذلك. لا شك في أننا نشعر أحياناً بنوع من التعب والضغط النفسي، لكننا حينما نتذكر الدقائق القلائل التي جمعت بيننا فيها مراسم الخطوبة داخل قاعة المحكمة تخفف عنا كثيراً، وتجعل من احتمالنا ماءً يروي الصبر إذا ما طلب الارتواء".‏

ترقب وانتظار‏

عام وشهران هي المدة التي قضاها زيدات خلف القضبان بانتظار المحاكمة، لم يذق فيها للسعادة طعماً إلا في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2004م، عندما كان على موعد مع جلسة المحكمة، فكان قدر الله أن يلتقيا.‏

تصف العدرة المشهد قائلة: "لم تكن سلطات الاحتلال تسمح لأكثر من شخصين بالدخول إلى قاعة المحكمة، ولأن علاقتي بمحمد لم تكن تتجاوز حديثاً بين الأهل، لم يكن هناك أي مبرر لدخولي القاعة.. دخل والد محمد ووالدته وبقيت أنا في الخارج أنتظر مع من حضر من أهالي الأسرى، كنت أسمع الحديث الذي كان دائراً داخل القاعة وأحاول استراق السمع علّني أحظى بهمسة عابرة يتلفظ بها محمد، طال انتظاري حتى لاحظ كل من حولي حال الترقب التي ألمّت بي، فخاطبني أحدهم قائلاً: "شو راح يصير يعني إذا دخلتي.. جرّبي".. تتابع العدرة: وبالفعل أخذت أفكر جدياً في هذه العبارة وقررت الدخول، تقدمت وفتحت باب القاعة ودخلت سريعاً ثم جلست بجوار أم محمد التي كانت تحاول إقناع المحامي بإدخالي".‏

وتتابع: "استمرت مراسم المحاكمة بشكل طبيعي حتى سأل القاضي محمد عما إذا كان يقر بلائحة الاتهام الموجهة إليه أم لا، فرد عليه بالنفي، عندها صرخ القاضي معلناً تأجيل الجلسة إلى الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2005م.. وسريعاً أخذ الجنود محمداً مكبلاً إلى خارج القاعة".‏

تستكمل العدرة سرد تفاصيل الحكاية: "وبمجرد أن أخذه الجنود لم أتمالك نفسي فاندفعت باتجاه القاضي وحدثته بالإنجليزية: كنت أتمنى أن أحدثك بالعبرية لكنني لا أجيدها، لذا سأتحدث إليك بالإنجليزية، وأرجو أن تفهمني مع أني على يقين بأنك ستفهمني من ملامح وجهي.. وبدأت أشرح له طبيعة العلاقة بيني وبين محمد وطلبت منه أن نجري مراسم الخطوبة في قاعة المحكمة "ونلبس المحابس".. تعجب من جرأتي ثم استأذنني ليتبين رأي مسؤول الأمن.. تحدثا بالعبرية فلم أفهم شيئاً، غير أن القاضي أخبرني برفضه، ثم أشار إليّ أن أحاول التحدث مع مسؤول الأمن بنفسي".‏

ربع ساعة "حلوة"‏

وكأن شيئاً في نفس العدرة دفعها لتتحدث وبث في قلبها قوة جعلتها تخاطر أيضاً وتحاول إقناع مسؤول الأمن.. تردف قائلة: توجهت إلى مسؤول الأمن وسألته إن كان بإمكاني أن أخاطبه بالإنجليزية فردّ عليّ "شوي شوي"، ففهمت أنه يجيد العربية، فبدأت أقنعه وألح في طلبي إلى أن وافق، "ولكن بشرط أن يعود محبس محمد معكم، لأن دخول أي معدن إلى السجن أمر مرفوض تماماً". وافقت على الشرط وخرجت مسرعة أبشر الأهل في الخارج، وقد ارتسمت على مبسمي ابتسامة عريضة قرأوا فيها بشائر الخير".‏

"أحضر الجنود محمد مرّة أخرى، ولم يكن يعلم بما حدث ولمَ هو في المحكمة، فأسرعت إليه وحدّثته بما جرى، وبالفعل جرت مراسم الخطوبة التي كان الأقارب فيها شهوداً وأهالي المعتقلين الزائرين هم (المعازيم)".‏

وتصف العدرة هذه اللحظات بقولها: "ربع ساعة حلوة عشناها داخل المحكمة كانت من أمتع لحظات حياتي". وتستذكر قول المحامي وقتها: "المحاكم لم توجد فقط لخراب البيوت، اليوم نحن نعمر بيتاً في هذا المكان".‏

أحلام التميمي‏

هناك خلف كل جدار دمعة وحكاية تطبق عليها الزنازين، فحتى الأسر لم يكن مكاناً للالتقاء بين أحلام التميمي (25 عاماً) وخطيبها نزار سمير التميمي (28 عاماً)، وكلاهما من بلدة النبي صالح في قضاء رام الله.‏

حسين التميمي أحد أقارب أحلام تحدث إلينا وروى القصة قائلاً: اعتقل نزار عام 1993م بتهمة قتل مستوطن وحكم بمؤبد قضى منه ثلاثة عشر عاماً داخل معتقل عسقلان، وكلنا كان يعلم برغبته في الارتباط بأحلام، لكن أسره أبعده عنا وعنها، وبقيت أحلام تعيش على أمل الإفراج عنه، إلى أن جاء العام 2003م الذي اعتُقلت فيه أحلام وحُكم عليها بستة عشر مؤبداً، قضت منها حتى الآن عامين في سجن هداريم، ليصبح طيف الأمل يصاحبهما معاً، ويبقى هذا الطيف أسيراً معهما.‏

مراسم الخطوبة‏

ويستطرد حسين في حديثه عن محاولات الأهل للتقريب بين نزار وأحلام برغم القضبان فيقول: تتابعت محاولاتنا لإجراء مراسم خطوبة رسمية ولو داخل السجن، وبناءً على رغبة منهما تقدمنا بطلب رسمي الى إدارة السجون، وبعد عناء شديد جاءت الموافقة.. وبتوكيل من نزار لوالده ومن أحلام لوالدها استكملت الإجراءات المطلوبة، وبعدها توجهنا جميعاً إلى مكان اعتقالهما مصطحبين معنا خاتمي الخطوبة التي جرت بشكل رسمي في مراسم حضرها الكثير وشهدها المتوكل طه".‏

وبرغم شرعية العلاقة التي أصبحت تربط أحلام بنزار، تحول الإجراءات الصهيونية دون تواصلهما باللقاء وجهاً لوجه، أو حتى بمجرد المكالمة الهاتفية. يضيف حسين قائلاً: لا تحصل زيارات بين نزار وأحلام، ونحن نحاول نقل أخبارهما لهما أثناء زيارتنا لهما".‏

وحول ما يخططون لفعله يقول حسين: بقي أن نستكمل عقد الزواج، وبعدها يعلم الله ما سيكون.. كل ما نقول إن أياً منهما يصر على ألا يتخلى عن الآخر مهما طالت الحياة داخل جدران الزنازين، وما دام هذا هو اختيارهما فلهما ما أرادا".‏

فيروز الضبة‏

ليست حكايا نسمع عنها ونقرأها كلمات على صفحات تقلبها أيدينا لحظات ثم تنقضي، بل هي واقع يعيشونه، هم يحتسون فيه حلاوة برغم مرارة المذاق.. فما زالت عيون فيروز الضبة (22 عاماً) ترحل كل يوم إلى العتبات المقدسة، فربما صادفها طيف ابن عمها وخطيبها المقدسي الأصل طارق الضبة (24 عاماً).‏

سألناها عن تفاصيل القصة التي جمعت بينها وبين طارق.. كانت تتنهد لحظة ثم تتذكر لحظة جميلة فتبتسم مرة أخرى وتقول: ثلاثة شهور مرت على فترة خطوبتنا التي كادت تكتمل فرحتنا بها لولا القيد والزنزانة ومرارة البعد".‏

.. "ثلاث سنوات من أصل خمس وعشرين مدة الحكم الكامل على طارق قضاها خلف أسوار معتقل الرملة، كنت دائمة الاستفسار عن أخباره وأحواله من بعيد، إلى أن جاء الموعد الذي ارتأى فيه الأهل ضرورة جعل علاقتي بطارق رسمية، فبدأوا يسعون جاهدين لإتمام خطوبتنا. وبالفعل بتوكيل من طارق لوالده تقدمنا بطلب إتمام الخطوبة بشكل رسمي، وبتصريح من سماحة الشيخ تيسير التميمي تمت خطبتنا".‏

قد يتساءل القارئ: ما الذي يجعل فتاة في مقتبل عمرها تنتظر خمسة وعشرين عاماً، ومن يدري ربما تمتد الفترة، إلا أن رد فيروز لا يدع مساحة من الوقت تمر للتعجب، فهي ترد بكل ثقة: "المحبة الصادقة التي يكنّها كل منا للآخر كفيلة بأن تجعلنا ننتظر مدى الحياة".‏

2006-10-30