ارشيف من : 2005-2008
نهاية الجغرافيا الأيديولوجية للكيان الإسرائيلي بعد 38 عاماً من الاحتلال: غزة حرّة
الانتقاد/مقالات ـ العدد 1127 ـ 16 أيلول / سبتمبر 2005
تنتقل غزة بعد 38 عاماً من وضعية الاحتلال الى وضعية الحصار.. الترجمة العملية لهذا الانتقال: حرية في الداخل، وقيود حديدية على العلاقات البينية والعلاقات مع المحيط العربي والخارج، هنا السجان بات خارج المعتقل.
المعتقل بات أكثر حرية في ادارة شؤون نفسه وإدارة علاقاته مع باقي المعتقلين. ومع ذلك فإن انتقال السجان الى الخارج يساوي الكثير، لأنه تعبير عن حصاد في حقلين، وأن الاعتبارات تخص كلاً منهما: الحقل الفلسطيني حيث الحرية هي ثمرة خالصة لكدح الشعب الفلسطيني ومقاومته وعرقهما، وثمرة خالصة لصبر طويل وجهاد مرير.. الـ(38) عاماً تعادل أربعة أجيال فلسطينية.. هي عنوان لا غبار عليه على طبيعة الصراع مع العدو الإسرائيلي، بما هو صراع تاريخي، لا تأتي فيه الإنجازات دفعة واحدة، وإنما تتراكم لبنة فلبنة، وصولاً الى الإنجاز النهائي والكامل. معنى آخر لـ(38) عاماً، هو أن لا مجال لليأس في الصراعات التاريخية، منطق هذا النوع من الصراعات مفتوح على أمل مستديم. المعنى الآخر أيضاً لإنجاز الـ(38) عاماً، هو أن الخلل في موازين القوى قد يطيل أمد المعركة، لكنه لا يحسمها.. كما أن موازين القوى لا تُحتسب بمعيار واحد، وإنما بمعايير مركبة، وبالتالي من الخطأ الاستراتيجي تبسيط الصراع مع العدو الإسرائيلي أو اختزاله ببعد واحد، وإهمال الأبعاد الأخرى.
دفع السجان الى الخارج سيعيد تعريف الذات فلسطينياً وفق منطق الإنجاز نفسه، الإنجاز بما هو قدرة واقتدار تشكل الإرادة نصابه الحقيقي، والأمل نصابه الآخر. كما أنه يفرض على المحرر تحديات ثقيلة ذات صلة وثيقة بأمانة الحرية نفسها، هذه الحرية التي لم تأت منّة، وإنما مجبولة بالعرق والدم والتضحيات الجسام، أي أمانة نبتت لها وشائج من لحم وعصب، وسرت فيها روح هي روح الحياة نفسها. أمانة من هذا النوع تنوء بها الجبال، ولا يصلح لحملها أي أحد، بل من كان أهلاً لمسؤولية كهذه.
من هنا، فكل الشعب الفلسطيني، كل ألوان طيفه وقواه، مسؤولون أخلاقياً بالدرجة الأولى عن كيفية التصرف بهذه الأمانة، عن كيفية حفظها والبناء عليها كمستند للمستقبل. الشرط الأخلاقي هنا ضروري، لأنه وحده يحمي الإنجاز من الشطح السياسي والسلطوي معاً، والكفيل تالياً بإبقاء الأمور في نصابها الصحيح.
في الحقل الإسرائيلي يبدو طعم الحصاد علقماً، مرّ المذاق، وتبدو الحسابات متناقضة حتى العظم.
من يستحضر صورة المستوطنين الصهاينة وهم يُرحّلون من مستوطناتهم، يجد نفسه أمام محاولة لمحاكاة التهجير البابلي في المخيلة الصهيونية. الصورة هنا ليس لها علاقة فقط بتظهير الكلفة الإنسانية تحصيناً لما بعد وتكبيراً للأثمان، وإنما لها علاقة وثيقة أيضاً بزعزعة الوعي الصهيوني، من خلال زعزعة يقينياته ومسلّماته الأيديولوجية، أو ما يطلق عليه إسرائيلياً بمنطقة المقدس الإسرائيلي.
هذه الزعزعة التي أخذت تقيم في الحد الفاصل ما بين الجغرافيا الأيديولوجية للكيان الإسرائيلي والجغرافيا السياسية له.. إنها تعبير عن نهاية الجغرافيا الأيديولوجية لمصلحة الشروع في صياغة الجغرافيا السياسية. هذا التعبير لا ينظر اليه على الأقل من اليمين الإسرائيلي والاتجاهات الدينية الصهيونية، لا بوصفه ترجمة لسلسلة انكسارات متتالية بدأت مع الانسحاب من سينا، ومرت بالاندحار عن لبنان، وصولاً الى الانسحاب من غزة، هنا تكمن الرؤية التشاؤمية التبشيرية التي ترى ان عداً تنازلياً لوجود الكيان الإسرائيلي قد بدأ، ولن يتوقف من الآن فصاعداً.
من هنا فالاندحار من غزة هو أكثر من مجرد فعل تكتيكي عسكري موضوع في سياق استراتيجي ما كما هو في مخيلة شارون، إنه آثار عميقة النتائج الاستراتيجية على المحتوى النفسي والعقيدي والأيديولوجي والاجتماعي للكيان الصهيوني. هذا الواقع يشكل أحد مداخل تفسير ما سيحدث لاحقاً، فشارون عندما يرفع الصوت عالياً في مسألة المستوطنات في الضفة والقدس، ويرسم حداً نهائياً لحدود التراجعات، ويتكلم عن المكافآت المجانية الكبيرة على خطوة الانسحاب من غزة، لا يعيد رسم خارطة الكيان وإعلان تدشين المرحلة الثانية من التوسعية الإسرائيلية فقط، وإنما يحاول أيضاً إعادة النصاب السيكولوجي والأيديولوجي والسياسي للكيان الإسرائيلي.
في المحصلة، نحن أمام صورة يتقاسمها مشهدان متقابلان: مشهد الفرح بالانتصار والزهو به، الفرح بالتحرر ولو النسبي، ومشهد الاندحار الممزوج بخيبة معلنة ومستترة أيضاً.. ومن بين هذين المشهدين ثمة صورة أخرى لواقع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ستنبلج، وكأننا أمام لحظة شروق الشمس، حيث يأخذ نورها يلتهم الليل رويداً رويداً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018