ارشيف من : 2005-2008
نتساريم فخ الموت عادت إلى أهلها بعد طول غياب... وذهب عنها الذين لا.. نحبهم
غزة ـ الانتقاد
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1127 ـ 16 أيلول /سبتمبر 2005
كثير من الصبية تراشقوا بثمار المانجا فيما كان يسمى مستوطنة نتساريم المخلاة، معتقدين
أنهم يعيشون حلماً، فامتداد بصرهم فيها لم يأت على نهاية شوارعها وأراضيها، ولكنهم بسرعة تستدرك عقولهم أسوار المنازل الرمادية التي تصطدم بها أبصارهم، والتي تعيدهم بسرعة إلى الواقع في منازلهم الضيقة في حين تحجب عنهم أشعة الشمس أو أي مساحة خضراء ولو صغيرة فور ارتطامها بتلك الأسوار والأسطح المتواضعة.
فضيق الشوارع والأزقة التي مر بها هؤلاء الأطفال في مخيمات الشاطئ، جباليا، المغازي، البريج، والنصيرات وأحياء الزيتون والشجاعية والتفاح بغزة، قادمين إلى فسيح الأرض في نتساريم، وقاطعين عشرات الكيلومترات، ضربت رؤوسهم بنوع من الدهشة والغرابة المتلازمين بعدم التصديق انهم عاشوا بمساحة ضيقة جداً ليعيش قرابة 300 مستوطن فقط في مساحة كانوا يعتقدون أن وجودها بالخيال...
الحاجة عائشة عبد القادر حميد (65 عاماً) اتصلت هاتفياً منذ الفجر بمهجة قلبها حسب تعبيرها، وهو ابنها المطارد في الجزائر لتعلمه أن شمس الحرية أشرقت على غزة.. قالت: "أنا فرحانة كثير بس لسّة ما في سلام إلا لما تتبيض كل السجون الإسرائيلية من المساجين".
أما الطفل محمد السموني (12 عاماً) القادم من حي الزيتون، وهو الحي الذي أشبعته مستوطنة نتساريم المحيطة اجتياحاً وقصفاً وقتلاً على مدار أعوام الانتفاضة الخمسة الماضية، وجدته يقتلع جسماً إلكترونياً معلقاً على سياج إلكتروني واحد من عدد كبير من الأسيجة الملتفة حول المستوطنة..
ويبدو من حديثه انه يقتلع كل شيء يدل على الاحتلال أو على بقاياه انتقاماً لمقتل صديقه وسرقة أراضي عائلته لمصلحة تلك المستوطنة، وقال بلسان أكبر من عمره: "الحمد لله رجعت الأرض إلنا، وعمي قدم كل اوراق اراضينا للسلطة، وننتظر شو العمل وإنشاء الله برجع الحق لأصحابه".
أكثر من مليون وأربعمئة ألف فلسطيني لم يجرؤوا يوماً على الاقتراب من هذه المستوطنة أو السواتر الترابية المحيطة بها، عدا عن المقاومين الذين أشبعوها بضرب صواريخهم وقذائفهم، وأجبروها على الخروج مندحرة تحت نيرانهم، فيما كان المواطن العادي والشيوخ والنساء يسارعون حتى بمركباتهم للمرور من امامها خوفاً من ضرب النيران او قصف الدبابات المحيطة بها.
أقيمت المستوطنة في العام 1972 وكانت من أقسى المستوطنات على أهالي قطاع غزة حيث اقامها الاحتلال الإسرائيلي في أخصب الأراضي الزراعية والأغنى في المياه العذبة الصالحة للشرب قاتلاً بالقرب منها 114 مواطناً بينهم 17 طفلاً تقل أعمارهم عن 16 عاماً، وثمانية آخرين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً، ومن بينهم الشهيد محمد الدرة الذي قتل أمام عدسات الكاميرات على مفرق الشهداء الذي أشرفت عليه المستوطنة في الجهة الشرقية المطلة على شارع صلاح الدين، وخلال الفترة ذاتها، دمّرت قوات الاحتلال 105 منازل بشكل كلي و35 منزلاً آخر بشكل جزئي تقع على تماس معها.
امتدت المستوطنة في وسط القطاع إلى جنوبه من مدينة غزة لتأكل أراضي تعود للمواطنين من حي الزيتون، الشيخ عجلين، تل الهوى، وقرية المغراقة القرية الوحيدة بالقرب منها، كما أشرفت في جهتها الشرقية على الشارع الرئيسي في القطاع، وهو شارع صلاح الدين، وخلفت وراءها مفرق الشهداء الدال على حجم جرائمها التي اقترفتها بحق المواطنين وخاصة الأطفال، حيث اتخذها الاحتلال قاعدة عسكرية تتحكم بمدينة غزة والمحافظة الوسطى، وتشطر القطاع إلى شطرين، وقطنها فقط عدد قليل من المستوطنين، وعدد منازلها لم يتجاوز 60 منزلاً دمرها المحتلون قبل رحيلهم وقلبوها رأساً على عقب.
التدمير الإسرائيلي لمستوطنتهم وبأيديهم لم يزعج الأطفال الذين احرقوا فور دخولهم المستوطنة ما كان يسمى كنيساً لليهود قبل ان تكمل الجرافات تدميره.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018