ارشيف من : 2005-2008
الجيش الاسرائيلي خرج من أرض القطاع والاحتلال باقٍ على الحدود والسماء والأرض:غزة في يوم التحرير ما زالت قلقة على المستقبل
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1127 ـ 16 أيلول /سبتمبر 2005
غزة ـ عماد عيد
كانت عقارب الساعة تشير الى مرحلة جديدة عندما اقتربت من الثانية من فجر يوم الاثنين الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري، بانسحاب آخر دبابة وآخر جندي صهيوني من قلب قطاع غزة باتجاه الأراضي المحتلة عام 48، وأصبحت غزة بعدها خالية من الاستيطان، غير مثقلة بالجنود المدججين بالسلاح.. واختفت من تفاصيل الحياة الصغيرة فيها معالم العسكرة والثكنات العسكرية الصهيونية.
انتظر المواطنون طويلاً مع جنود الأمن الوطني الذين كانوا محضّرين لاستلام هذه المستوطنات بعد انسحاب قوات الاحتلال منها، وكانوا يعدون الثواني، وعندما جاءت الإشارة انقضوا كالسيل الجارف ولم تنفع محاولات الأمن الوطني الفلسطيني في منعهم من الدخول حتى تتمكن فرق الهندسة من إجراء فحص ومسح واستكشاف للمستوطنات خشية وجود ألغام أو قنابل أو أجسام مشبوهة يمكن أن تنفجر وتخلف قتلى وجرحى في صفوف المدنيين الفلسطينيين.
وهنالك كانت مشاهد الفرحة والتعجب والهستيريا بعد أكثر من ثمانية وثلاثين عاماً من الاحتلال، كانت المستوطنات خلالها تشكل عالماً من الألغاز والمجهول، وكانت بمثابة كابوس يومي من القتل والخوف والاجتياحات وتدمير البيوت واصطياد النشطاء والمقاومين، وتجنيد العملاء ونشر المعاناة على مدار الساعة في صفوف المواطنين.
بعد كل هذه السنين والمعاناة كانت المشاهد التي رأيناها مبررة: هتافات "الله أكبر"، التهليل، الصراخ والجري على الأقدام على غير هدى، لأن أحداً لا يعرف تضاريس هذه المستوطنات، ولأن الجنود قبل مغادرتها كانوا قد خربوا كل شيء، وفككوا مصابيح الكهرباء واقتلعوا أعمدتها، حتى الطرق داخل المستوطنات جرفوها بجرافات خاصة.
البعض اصطفوا على هيئة صفوف المصلين في أول الدخول وسجدوا طويلاً شكراً لله على هذه المعجزة، والبعض الآخر أخذ من الرمل الذي طحنته جنازير الدبابات وأخذ يقبّله وينثره على جسده ورأسه، والبعض الآخر انتظر حتى وصل الى قلب كنيس يهودي وافترش سترته وصلى بداخله، وبدأ بعدها يقول: يجب تحويل الكنيس الى مسجد.
أبو محمد رجل مسنّ كان في غاية الانفعال عندما كان يسابق الشباب وهو يجري، ثم توقف قليلاً وسجد من دون ان يستقبل القبلة، ثم أخذ التراب الذي سجد عليه ووضعه على رأسه وجسده وهو يصرخ: "عادت لي أرضي.. عادت لي أرضي".
في تجمع مستوطنات غوش قطيف المساحات التي كانت القوات الصهيونية تحتلها كبيرة والمسافات شاسعة، وفيها أمضى الفلسطينيون الليل ووصلوه بالنهار من دون نوم وهم يتجولون لعشرات الكيلومترات سيراً على الأقدام. أحياناً يجدون بقايا مبانٍ ومنشآت تركها الجيش الصهيوني خلفه، ثم يواصلون المسير ويضلّون الطريق، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى عند البنايات ذاتها، لكنهم يصرون على السير في اتجاه آخر حتى يتعرفوا الى معالم هذه المنطقة التي غيرتها القوات الصهيونية..
احتفال للفصائل العسكرية
الصورة الأخرى من المشهد كانت في العروض العسكرية التي نظمتها فصائل المقاومة الفلسطينية داخل المستوطنات.. وكانت بعض المجموعات قد تجهزت على هيئة مواكب سيارة في جيبات وبكامل عتادها قبل الدخول بساعات، مثل كتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس، وسرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الاسلامي، وكتائب "أبو الريش" المحسوبة على حركة فتح.. ولم تفوّت فرصة الدخول من اللحظات الأولى الى قلب المستوطنات.
ولكن بعد أقل من 24 ساعة على الانسحاب لم تعد هذه الفرحة تعتلي الهامات كما كانت في اللحظات الأولى، وبقيت الحشود تتوجه نحو الأراضي التي كانت مستوطنات وتعبر عن فرحتها، ولكن ليس بالقدر نفسه.
وعندما سألنا أحد المواطنين عن ذلك قال: "إننا فرحون جداً بهذا الانتصار، ونشكر الله على ذلك، لكننا ما زلنا قلقين: ما هو حال معبر رفح؟ هل ستكون السيطرة لنا أم ستبقى سيطرة ما للصهاينة؟ ما هو مستقبلنا؟ هل ستكون لنا دولة مستقلة كبقية البشر: الحدود، المياه، القدس، أقاربنا من اللاجئين في مخيمات الشتات؟! كل هذه أسئلة لا نجد أحداً يجيب عنها، ولذلك تجد الناس يخلطون بين الفرح والقلق.
وربما هذا هو الشعور نفسه الذي يسكن السياسيين من السلطة الفلسطينية ومن الفصائل لعدم وضوح الرؤية حول المستقبل، وهذا ما عبرت عنه تصريحات الرئيس محمود عباس الذي دعا "اسرائيل" الى استكمال الخطوات باتجاه المفاوضات حول القضايا الرئيسة وقضايا الحل الدائم. وقال: إن الحلول الجزئية لا تصنع سلاماً ولا تدوم.. وذلك في خطابه الذي تلا الانسحاب الإسرائيلي بيوم والذي وجهه بهذه المناسبة. وكذلك عبرت عنه كل التصريحات التي صدرت عن الفصائل الفلسطينية خلال احتفالها بدحر العدو عن قطاع غزة.. فحركة الجهاد الاسلامي اعتبرت ـ على لسان القائد فيها الدكتور محمد الهندي في مؤتمر صحافي وخلال عرض عسكري ضخم في قلب مستوطنة نتساريم ـ ان الانسحاب ليس كاملاً حتى الآن.. وقال الهندي في المؤتمر الأول الذي عقد داخل ما كانت تسمى مستوطنة: ان الحركة تراقب عن كثب ما يجري وتقيّم الموقف، وفي ضوء ذلك سوف تحدد موقفها وكيف ستتعاطى مع المرحلة. لكن القادة العسكريين للحركة في العرض نفسه قالوا إن السلاح لن يسلم الى أي جهة، وإن المشوار ما زال طويلاً.
في حين قالت حركة حماس خلال مسيرة ومهرجان خطابي في مدينة غزة ان الانسحاب يجب ان يكون كاملاً، ويجب أن تعود السيطرة على المعابر فلسطينية، وإلا فإن الانسحاب ليس كاملاً.
كتائب الأقصى وكل الأذرع العسكرية أكدت ان المعركة الآن تتركز لتحرير الضفة الغربية والقدس، وأن الوسائل القتالية التي تسببت بتحرير القطاع بدأت الأجنحة المسلحة في نقلها الى الضفة الغربية لاستخدامها في المعركة ودفع العدو الى الانسحاب من كل الأرض الفلسطينية.. ويبدو ان مشكلة المعبر لم تجد لها حلا حتى الآن، وأن الأمور هي أكثر تعقيداً مما تخيل البعض، فما زالت "إسرائيل" مصممة على إغلاقه ستة أشهر قبل أن ينتقل الى مكان آخر، في حين يرفض الفلسطينيون نقله أو أي سيطرة اسرائيلية عليه. أما المصريون فما زالوا يقترحون حلولاً وسطاً، لكنها ما زالت مرفوضة من قبل الطرفين الفلسطيني والصهيوني، وهو على ما يبدو الذي دفع المصريين الى نشر قواتهم بحسب الاتفاق مع الحكومة الصهيونية على الحدود المصرية الفلسطينية بعكس ما كانت تطالب به الحكومة المصرية بألا تنشر هذه القوات إلا بعد الانسحاب الكامل للإسرائيليين وإيجاد حل لقضية المعبر.. وهو ما يعني ان المشكلة ما زالت مستمرة، وأن المعركة التفاوضية مفتوحة على مصراعيها لحسم كل قضايا الخلاف، بما في ذلك الميناء والمطار والمعابر، والتواصل الجغرافي بين الضفة والقطاع، فضلاً عن قضايا الحل الدائم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018