ارشيف من : 2005-2008
الخطوة الدبلوماسية الباكستانية: فوائد إسرائيلية والتفاف على القضية الفلسطينية
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1127 ـ 16 أيلول / سبتمبر 2005
يمثل الاتصال الباكستاني الإسرائيلي في الأول من الشهر الحالي ما بين وزير خارجية باكستان خورشيد قاصوري ووزير خارجية الكيان الصهيوني سيلفان شالوم، اختراقاً واسع الدلالات حققته "الدبلوماسية" الإسرائيلية على صعيد منظومة علاقاتها الخارجية مع العالم الإسلامي، يفترض به أن يؤسس لتداعيات ممتدة في أكثر من مجال تجاه القضية الفلسطينية وتجاه "الحضور" الصهيوني في العالمين العربي والإسلامي.. أقل ما يقال فيه انه يساهم في إلغاء حضور القضية الفلسطينية كقضية مركزية محورية صادّة للتغلغل الصهيوني في العالم الإسلامي، الذي طالما لعبت فلسطين دوراً مركزياً في منع حكام الدول الإسلامية من إقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي.
على الرغم من عملية الربط الباكستانية للخطوة الدبلوماسية تجاه "إسرائيل" بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إلا أن سياقات الاتصالات الباكستانية الإسرائيلية التي سُربت في الإعلام الإسرائيلي، والتي لم ينكرها الحكم الباكستاني، بل وأكدها أيضاً، يظهر أن لا علاقة للظرف السياسي الحالي بالخطوة، بل هي تأتي تتويجاً لمسار طويل من الجهود المتبادلة بين الطرفين دون غياب الراعي الأميركي عنها في الآونة الأخيرة.. وفي هذا الصدد نشر الإعلام الإسرائيلي جملة من محطات الاتصال البينية التي يمكن تلخيصها على الشكل التالي (هآرتس 2/9/2005):
سبق لـ"إسرائيل" وباكستان أن أجرتا حواراً هادئاً امتد سنوات عبر قنوات متعددة، وقد تولى الموساد الإسرائيلي هذا الحوار طول هذه المدة، حيث أوكل الى الجهاز نقل الرسائل المتبادلة ما بين الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيس الحكومة الإسرائيلية آرييل شارون وغيره..
أجرت وزارة خارجية كل من "إسرائيل" وباكستان اتصالات في العقد الأخير توصف بالدائمة، تولاها ممثلو الوزارتين في الأمم المتحدة في كل من نيويورك وجنيف.
في العام 2003 التقى وزير المواصلات الإسرائيلي افرايم سنيه مبعوثاً للرئيس الباكستاني في لندن.. وتحادث رئيس الحكومة الباكستانية مع وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم خلال المؤتمر الاقتصادي في دافوس.
في العام 2003 التقى مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية بنظيره الباكستاني في نيويورك، وهو لقاء امتدادي للقاءات من هذا النوع قام بها المدراء العامون للخارجية الإسرائيلية سابقاً.
وتنقل الصحيفة عن مصادر أسمتها بالسياسية تصف هذه الاتصالات بأنها ذات مضمون سياسي ترتكز على العلاقات المستقبلية بين البلدين، والعبرة بحسب هؤلاء هي "أن يؤدي اللقاء الحالي إلى مأسسة العلاقات بين الطرفين"..
ما تشير إليه الصحيفة وما لا ينكره الحكم الباكستاني، يشير إلى أن الظرف السياسي الحالي المتمثل بالانسحاب من قطاع غزة ليس سوى تبرير باكستاني للواقع الحالي الذي وصلت إليه الاتصالات الباكستانية الإسرائيلية نتيجة مسار طويل، وبالتالي فالانسحاب من غزة هو لتعمية الشعب الباكستاني والمنتقدين المتوقعين للخطوة الباكستانية.
وبعيداً عن الدوافع الحقيقية وراء المسعى الباكستاني للتقرب من "إسرائيل"، حيث لا يغيب الحضور الأميركي في خلفيته وحرص الحكم الباكستاني على استمالة واشنطن من خلال البوابة الإسرائيلية، من المفيد الإشارة إلى أبرز ما يراه الإسرائيلي من فوائد تخدمه نتيجة الخطوة الباكستانية، حيث يُظهر تتبع جملة من التعليقات والتصريحات الإسرائيلية في هذا الشأن النقاط التالية:
ـ يُنظر إلى باكستان في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يحتل عنصر الأمن موقعاً متقدماً فيه، على أنها دولة إسلامية نووية ومصدر تهديد لا يصل إلى الخطر نظراً لعوامل وظروف متعددة جغرافية وسياسية وغيرها.. وبالتالي خلص الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي إلى محاولة تطويع باكستان، بمعنى الالتفاف على التهديد المتمثل فيها بمحاولة التواصل معها وتحييد ما تمتلكه من مقومات تهديد للدولة العبرية، منعاً من تحوله الى خطر. وبالتالي فإن خطوة باكستان تُعد نجاحاً بيّناً للاستراتيجية الإسرائيلية..
ـ تُعد الخطوة الباكستانية نجاحاً إسرائيلياً في الالتفاف على العائق الأساسي الذي كان يصد كل محاولات "إسرائيل" في إقامة علاقات مع معظم الدول الإسلامية الكبرى، والمتمثل بالقضية الفلسطينية، إذ فتحت طريقاً التفافياً عليها لا تمر بالضرورة عبر حل القضية.. وهذا يعني أن "إسرائيل" نجحت في تحييد ما يشكل ورقة ضغط عليها، وبالتالي فإن الادعاء الباكستاني بأن الخطوة تأتي في مصلحة القضية الفلسطينية هو ادعاء صحيح شكلاً وفارغ مضموناً، إذ لا يشكل ذلك تشجيعاً لـ"إسرائيل" على المضي في طريق التسوية، إلا إذا كانت مقاربة المسائل بين "الدول" تتم عبر الإقناع وليس أوراق الضغط، وهي مقاربة مسلوبة المقوّمات مع دولة كـ"إسرائيل" لا تفهم إلا منطق القوة، كما تدل التجارب التاريخية السابقة معها.
ـ من الواضح أن دافع الحكم الباكستاني وراء خطوة الاتصال العلنية التي قام بها تجاه "إسرائيل"، باعتبارها بوابة دخول أمام باكستان الى الولايات المتحدة الأميركية، هو دافع حاضر ومفهوم لدى الإسرائيليين، وبالتالي ستسعى "إسرائيل" إلى استغلال هذا الدافع بأقصى ما يمكنها في العلاقات البينية، وستعمل بالتأكيد على تسهيل وصول الحكم الباكستاني إلى مآربه، ما دام ذلك يؤمن لها إيجاد سابقة تخدمها في تشجيع الدول الإسلامية الأخرى لإقامة اتصالات معها..
ـ أخيراً، تساهم الخطوة الباكستانية في خدمة موقع آرييل شارون في الداخل الإسرائيلي، وتحديداً في المنافسة القائمة بينه وبين بنيامين نتنياهو على رئاسة الليكود، وبالتالي رئاسة الحكومة القادمة، وخاصة أن التظهير الاعلامي الإسرائيلي لهذه الخطوة جرى وضعها إسرائيلياً في إطار الفوائد المتأتية من خطوة الانسحاب من قطاع غزة، في ظل الانعكاس السلبي للانسحاب عليه (شارون) في معركته الداخلية على رئاسة حزب الليكود، باعتبار أن النجاح الدبلوماسي مع بلد إسلامي كباكستان يعزز من موقعه ومن مواقفه أمام الناخبين، باعتبار أن الخطوة الباكستانية هي نتيجة للانسحاب، ما يعني أن الحكم الباكستاني يدفع بخطوته هذه إلى مزيد من الالتفاف الشعبي حول خيار شارون السياسي تجاه الفلسطينيين، وهي فائدة لشارون ولسياسته بالتأكيد.
يحيى دبوق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018