ارشيف من : 2005-2008

استشهاديون أحياء يزورون أماكن خاضوا فيها عمليات استشهادية:قبلوا الارض التي قاتلوا عليها وظلوا مصرين على ان تبقى اسماؤهم مجهولة

استشهاديون أحياء يزورون أماكن خاضوا فيها عمليات استشهادية:قبلوا الارض التي قاتلوا عليها وظلوا مصرين على ان تبقى اسماؤهم مجهولة

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1127 ـ 16 أيلول/ سبتمبر 2005‏

غزة ـ عماد عيد‏

وسط الجموع التي تدفقت نحو الأراضي المحررة في المستوطنات الاسرائيلية، كان هناك العشرات من المطاردين الذين كانوا من أكثر الناس فرحا برحيل الاحتلال.. فهم جاؤوا إلى حدود هذه المستوطنات في السابق بحثا عن أهداف إسرائيلية يمكن أن يقاتلوا فيها الاحتلال، وأرسلوا بأعداد أخرى من الاستشهاديين نحو المستوطنات الإسرائيلية للاشتباك مع جنود الاحتلال من دون أن يتمكنوا من الاستماع للتفاصيل الدقيقة للعملية التي يستشهد منفذوها في الغالب.. ولكن الأمر المثير أن عدداً من هؤلاء الاستشهاديين دخل بالفعل إلى المستوطنات واشتبك مع جنود الاحتلال وعاد من جديد إلى غزة بعد أن قتل أعداداً منهم..‏

اليوم يعود هؤلاء الاستشهاديون من جديد إلى المستوطنات، ولكن لا متسللين، إنما كمواطنين عاديين.. يجولون بعيونهم في تلك الاماكن التي أزالت "اسرائيل" معالمها، ويتذكرون كيف خاضوا المعارك وكيف انتصروا.‏

الاستشهادي أبو محمود‏

يقول أبو محمود، وهو عضو في سرايا القدس: "كان حلمي أن أنفذ عملية استشهادية داخل المدن الفلسطينية المحتلة عام ثمانية وأربعين، ووافقت القيادة بعد أشهر طويلة، فبدأت أتلقى التدريب على طرائق الهجوم والقنص والرصد الدقيق لأكثر من شهرين، بحيث أصبحت جاهزاً لخوض مثل هذه العمليات، وخرجت في أول مهمة نحو مستوطنة نحال عوز واقتربت من سيارة اسرائيلية وأطلقت النار عليها بشكل مباشر وأصبت من فيها، لكن السيارة لم تتوقف والجيب العسكري الذي كان يرافقها لم يتوقف، فانتظرت وقتاً قصيراً قبل أن يأتيني الأمر بالمغادرة، فعدت لأنتظر عملية أخرى.. مع أنني لم أكن أتوقع إلا الشهادة، لكني فوجئت بعملية الاستشهادي رامي البيك الذي خرج في عملية استشهادية مشتركة مع مجاهدين من حماس وفتح، فذهبت معاتباً القيادة التي وعدتني بعملية قريبة، إلى أن جاء الرابع والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر من عام ألفين وثلاثة، حيث خرجت للتنفيذ.‏

تفاصيل العملية‏

يصف أبو محمود المشهد قائلاً: "مستوطنة نتساريم كانت الهدف بعملية مشتركة مع حماس، حيث تكثفت التدريبات العسكرية على رمي القنابل بالتحديد.. بقيت أنتظر الإشارة للبدء مدة شهر ونصف الشهر، كنا نتحينّ الفرصة في يوم يكثر فيه الضباب ليحجب الرؤية نوعاً ما، وهو ما يسهّل علينا مهمتنا. وفي صباح يوم الخميس الثالث والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر ـ أي في اليوم الذي يسبق العملية ـ هاتفني الأخ أبو مجاهد وأخبرني أن هذا اليوم هو يوم بداية التحرك، توجهت إليه وانتظرنا المجاهد الشهيد سمير فودة من كتائب القسام ثم توجهنا إلى المستوطنة وتوقفنا قرب أحد الأبراج السكنية في مدينة الزهراء لأداء صلاة العصر، وانتظرنا حتى أذان العشاء.. صلينا ونمنا حتى تمام الثالثة من فجر الجمعة يوم التنفيذ المقرر، ليبدأ التحرك فعلياً في تمام الثالثة والنصف من فجر ذلك اليوم.. سرنا حسب خطتنا المقررة مشياً على الأقدام، قطعنا السلك ودخلنا، ثم بدأنا نحبو حتى صرنا على بعد 20 متراً من برج المراقبة. توقفنا قليلاً، فأشرت على سمير أن ادخل أولاً، فإذا سمع صوت إطلاق للنيران يعود، وإذا رأى الوضع مناسبا يلحق بي. وبالفعل بدأنا بالتقدم بعد أن رأينا الوضع الكامل يسمح بذلك، على مسافة مترين فقط وجدنا أربعة أنواع من الأسلاك المختلفة، إضافة إلى كاميرات للرصد والتصوير، قطعنا الأسلاك ودخلنا، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن أماكن وجود الجنود داخل المغتصبة.‏

في البداية أخذنا ننظر داخل مدرعات وجيبات عسكرية كانت متوقفة في المكان، لعلّنا نلمح أحداً من جنود الاحتلال داخلها، لكننا لم نجد أحدا. كان على بعد 15 متراً تقريبا محرك كهرباء إضافة لمحطة وقود، ولكننا أيضا لم نجد فيهما أحدا. زحفنا ثانية مسافة تصل الى 100 متر حتى وصلنا إلى ساحة فارغة تماماً وبجوارها قاعدة عسكرية، بحثنا على مدار خمس عشرة دقيقة حتى وصلنا إلى (كرفانات) العدو التي كان عددها ثلاثة في المكان، وهنا رآنا أحد الجنود الذي قرأنا في ملامح وجهه الذعر والدهشة من رؤيتنا، فأشرت إليه بالصمت، كنت أنوي ان أمسكه على أن يهدده سمير بالسكينة ليدلنا على أماكن التجمع، بعدها دخلنا القسم الأول من (الكرفان)، فتح سمير الباب ورجع للخلف، فخرجت إحدى المجندات التي لم تتمكن من الهمس ولو بكلمة لشدة صدمتها حين رأتنا، فأومأنا لها أن تصمت مهددين إياها بالسلاح، ومرت لحظات سريعة تحركت بعدها يدي وضغطت على الزناد وأطلقت النار عليها.. فعندما يكون المجاهد في تلك الأماكن يشعر بأن الله يسخر له من يطلق النار عنه، وبعد أن تأكدنا من مصرعها خطر لنا أن نأخذ زيّها العسكري، ولكن حتى لا يفسر الموضوع سلباً عدلنا عن ذلك، واستمرت مهمتنا، حيث أصبحنا متمكنين من موقع وجودنا، فاختبأنا في مكان نرى من خلاله الجميع ولا يرانا أحد.. عدنا ثانية لـ(الكرفان)، رأينا مجندة أخرى، فأفرغنا فيها عدة رصاصات، ولمحنا جندياً يحاول الاختباء من أنظارنا تحت غطاء يسترق النظر من تحته، فأطلقت عليه رصاصتين، ثم عدت وبدلت المخزن، ففوجئت بخروج مجندة ثالثة سرعان ما أطلقت عليها الرصاص أيضاً، فأصيبت وفرّت إلى داخل (الكرفان) وهي تصرخ، هنا خرج سمير ولحقته، فرأينا ضابطاً في الخارج، وكغيره أشرنا له بالصمت مهددين إياه بما معنا من ذخيرة، فأفرغ فيه سمير ما يقارب ثلاثين رصاصة.. ولشدة إطلاق النار تمزقت الخيمة، وارتفعت أصوات الجنود في (الكرفانات) الأخرى بالسب والشتم على شارون شخصياً، لدرجة أن أصوات صراخهم كانت أعلى من أصوات الرصاص نفسه.. خرجنا للساحة وجلسنا فوق إحدى التلال، حينها استشرت سمير في أن نعود، محاولاً إقناعه بأن مهمتنا الجهادية قد انتهت، لكنه رفض قائلاً: "إحنا جايين نستشهد". وفي أثناء الحديث وصل إلى المكان جيب عسكري، فانسحب كل منا في اتجاه، لا أعلم بعدها ما الذي حدث مع سمير، أما أنا فمن شدة التعب والإرهاق خلعت الحذاء ورميت القنابل وقررت أن أخرج بكل ما أحمل مهما كانت النتيجة.. طالت المسافة جداً ولم أستطع أن أكمل السير، خاصة أن العملية استمرت ساعة كاملة داخل المستوطنة، فأخذت أمشي قليلاً ثم أزحف، حتى قطعت مسافة 700 متر مكشوفة من دون وجود أي ساتر لولا عناية الله لي. في منتصف الطريق تذكرت أخي سمير، كنت على يقين تام بأنه خلفي، فأكملت المسير إلى أن وصلت عند أبراج الزهراء، انتظرته قليلاً لكنه لم يأتِ، فتقدمت حتى اجتزت 50 متراً تقريباً داخل مدينة الزهراء، عندها بدأ إطلاق النار العشوائي من كل مكان من المغتصبة نحو كل المنطقة المحيطة، واستنفرت كذلك الشرطة الفلسطينية التي تمكنت من رؤيتي، فلحقت بي وأوقفتني، فشهرت السلاح داعياً إياهم الى ألا يطلقوا النار ولا يلحقوا بي أي أذى.. وبقينا جميعاً بانتظار سمير الذي كان قد استشهد على بعد سبعين متراً من أبراج الوقائي المتاخمة لأبراج الزهراء، ما يدل على أنه نجح في الانسحاب وقُتل نتيجة إطلاق النار العشوائي عليه.‏

شهادة أخرى‏

المجاهد أبو عمر تحدث عن تجربة أخرى: "كانت مهمتي في البداية رصد الهدف على خط كيسوفيم الصهيوني، استمر الرصد قرابة عشرة أيام، وبعد أن أتممنا مهمة الرصد بدقة اتفقنا على أن يكون يوم الجمعة العشرون من كانون الأول/ ديسمبر من عام ألفين واثنين هو موعد التنفيذ. وبالفعل، ففي العاشرة والنصف من صباح ذلك اليوم ركبت أنا والأخ المجاهد الآخر سيارة سوبارو، كان الجو ماطراً والأوضاع المناخية صعبة، توكلنا على الله وانطلقنا، كنا على اتصال دائم بالقيادة.. وقبل الوصول إلى مكان الهدف بحوالى مئتي متر ارتدى كل منا جعبته العسكرية وامتشق سلاحه الشخصي، إضافة إلى خمسة مخازن رصاص اصطحبناها معنا. بقينا بالزي المدني منعاً للشكوك ولتسهيل المهمة من دون أن تشعر قوات الاحتلال بأدنى خطر يقترب.. اقتربنا من الهدف واتخذنا مكاناً آمناً، بدأت بعض سيارات المستوطنين تمر من المكان، وكنا كلما مرت واحدة نخبر القيادة عبر الهاتف التي كانت تدعونا للتريث قليلاً، إلى أن وصل إلى المكان جيب من نوع "جيمس" رصاصي اللون وسيارة أخرى بيضاء، أخذنا الأمر بالتنفيذ وبدأنا إطلاق النار بصورة مكثفة باتجاه السيارتين، حتى وصل إلى المكان جيب عسكري وتبادلنا إطلاق النار معه في اشتباك مسلح استمر قرابة دقيقة ونصف الدقيقة، أفرغنا خلالها المخازن الخمسة.. بعد ذلك بدأنا بالانسحاب من تحت السلك المحيط بالمكان، وأخذ الجنود الصهاينة ينادون علينا عبر مكبرات الصوت: "ارموا السلاح"، رفضنا واستكملنا عملية الانسحاب، بعدها اختبأنا تحت شجرة، وهناك وضعنا سلاحنا وما تبقى معنا من ذخيرة. استغرقت مدة الانسحاب ما يقارب عشرين دقيقة، وعندما تمكنا من الابتعاد عن مصدر إطلاق النار أوقفنا سيارة عمومية، وبسرعة ابتعدنا عن مكان الخطر تماماً.. نحن على يقين أن العدو تكبد العديد من الخسائر التي حاول التستر عليها، فقد رأينا القتلى والجرحى خلال عملية الاشتباك، غير أن العدو لم يعترف إلا بمقتل اثنين من المغتصبين الصهاينة، بينهم عميد الحاخامات إسحاق عراما (45 عاماً).‏

اليوم عاد أبو عمر الى المكان نفسه وهو يشعر بالعزة لأنه ساهم في تحقيق الانتصار، وحقق أمنيته بتقبيل الارض التي قاتل عليها.‏

2006-10-30