ارشيف من : 2005-2008
تحقيق من فلسطين المحتلة:زراعة العنب في غزة بين مطرقة "العناء" وسندان "الاحتلال"
العدد 1117 ـ 8 تموز/ يوليو 2005
غزة ـ أحمد أبو عقلين
"نتعب على محصول العنب طول العام وتدمره الجرافات الإسرائيلية خلال ساعات".. بهذه الكلمات عبر المزارع أبو يوسف شملخ من منطقة الشيخ عجلين الساحلية جنوبي مدينة غزة عن ممارسات قوات الاحتلال بحق حقول العنب التي تمتلكها عائلته وتعتبرها مصدر رزقها منذ عشرات السنين، وهو يشير بيده إلى عشرات الدونمات التي كانت مزروعة بالعنب ودمرتها جرافات الاحتلال الإسرائيلي.
وتنتشر حقول العنب على طول الخط الساحلي المحاذي للمستوطنات الإسرائيلية وسط قطاع غزة، الأمر الذي أمسى خطراً محدقاً على أصحاب تلك المحاصيل، خاصة أن عشرات العائلات الفلسطينية تعتبر موسم جني محصول العنب الذي يبدأ مع حلول شهر يوليو/ تموز موسماً للرزق والبيع من أجل جلب قوتهم وقوت أبنائهم، في ظل واقع اقتصادي مرير فرضه الاحتلال الإسرائيلي من خلال إغلاق الحواجز ومنع الفلسطينيين من دخول الخط الأخضر للعمل.. إضافة إلى كون زراعة العنب ثقافة تتوارثها الأجيال الفلسطينية في غزة منذ أبعد العصور.
الخطر يحيط بنا
وقد أكد المزارع أبو يوسف شملخ (35 عاماً) أن الأخطار التي يواجهها زارعو العنب كبيرة، خاصة أن معظم الأراضي التي تنتشر فيها حقول العنب تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية من كل جانب، "الأمر الذي زاد من الخطر الداهم الذي يلاحقنا ويحيط بكروم العنب التي نفرح بحصادها كما تفرح الأم عندما ترزق بمولودها بعد تسعة أشهر من الحمل والتعب".
وأشار شملخ إلى أن الجيش الإسرائيلي قام في العام 2004 بتجريف مئات الدونمات المزروعة بالعنب التي تمتلكها عائلته منذ أكثر من 110 أعوام، وتقع بالقرب من مستوطنة نتساريم".
وأضاف: "الوقت الذي قامت فيه جرافات الاحتلال بتدمير أشجار العنب كان قبل أيام قليلة من قطف الثمار وبيعها للتجار، والخسارة التي لحقت بنا جراء هذا التجريف بلغت أكثر من 400 ألف دولار.
ويضيف شملخ وهو يشير بيده إلى مستوطنة "نتساريم" الملاصقة لحقله جنوبي مدينة غزة: "أكثر ما يلحق بنا الضرر وجود المستوطنات الإسرائيلية حول حقولنا، فدائماً نذهب إليها خائفين من نيران جنود الاحتلال ودبابتهم التي استباحت أعنابنا.. وكثيراً ما يجبرنا إطلاق النار على الفرار من مزارعنا، أو تحاصر الدبابات أراضينا فتمنعنا من الاقتراب منها، الأمر الذي يتسبب في تلف المحصول الذي يحتاج لمتابعة مستمرة، وبالتالي تحصل الخسارة الاقتصادية لنا".
كما أكد الكثير من أصحاب ومزارعي العنب أن من ضمن المخاطر التي يواجهونها إغلاق قوات الاحتلال للحواجز الواصلة بين مدن ومخيمات قطاع غزة، الأمر الذي يعيق وصول التجار إليهم لشراء العنب ويؤدي إلى تلف هذا المحصول.
العنب.. مراحل العناء
ويمر العنب بمراحل عديدة الى ان يصبح ثمره ناضجة يستطيع التجار شراءها من المزارع وعرضها في الأسواق لبيعها للمستهلكين، حيث يظهر من خلال هذه المراحل مدى التعب والإرهاق الذي يواجهه المزارعون الذين يتخذون موسم العنب مصدراً للرزق وجلب المال.
يقول عبد اللطيف أبو رخية (45 عاماً) من سكان مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، ويعمل في ضمان وزراعة العنب: "العمل في زرع العنب وحصاده ليس هيناً، بل هو أشغال شاقة تستمر على مدار العام من خلال مراحل متعددة وخصوصيات مختلفة لكل مرحلة".
ويردف أبو رخية الذي كان يجلس مع أبنائه وسط حقله في منطقة الشيخ عجلين متحدثاً عن المراحل التي تمر بها زراعة العنب إلى أن تصبح ثمرة: "عند نهاية كل موسم عنب نقوم بالتحضير للموسم الذي يليه، فنبدأ بالخطوة الأولى وهي (القشبرة)، أي قطع الأغصان الفاسدة التي تحملها الشجرة لإعطاء الأغصان الجيدة فرصة النمو، حيث تبدأ هذه المرحلة من بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر حتى نهاية شهر كانون الثاني/ يناير".
ويضيف: في المرحلة الثانية الممتدة حتى نهاية شهر شباط/ فبراير نقوم بعملية تقليب الأرض وحرثها بالفأس، وهي ما نسميها بعملية (التعشيب)، ثم نقوم بتسميد الأرض بالسماد الكيماوي. كما تتم في المرحلة نفسها عملية (التقليم) التي تعني قطع أغصان الشجرة مع ترك 20سم من الغصن للمساعدة في نمو الشجرة".
ويرى المزارع أبو رخية أن فصل الشتاء هو الفيصل الذي يحدد مدى نجاح محصول العنب أو فشله، مضيفاً: إذا كان فصل الشتاء شديد المطر نتفاءل بالخير ونستبشر بأن حمل أشجار العنب سيكون جيداً، وبالعكس اذا كان موسم الشتاء شحيح المطر".
وعن المرحلة الثالثة في زراعة العنب يقول: في شهر نيسان/ أبريل تبدأ فروع العنب بالنمو وتستمر حتى نهاية شهر أيار/ مايو, حيث نبدأ بعملية رش العنب بالمبيدات والأدوية أيضاً حسب مراحل تستمر حتى قطف العنب. فيُرش بأدوية مضادة للديدان وأخرى تساعد في المحافظة على عناقيد العنب سليمة دون تلف".
ويتابع: "بعد نمو أغصان العنب تأتي مرحلة (التسنيد)، وهي عملية رفع شجر العنب عن الأرض بواسطة عصي خاصة. إضافة الى عملية إبعاد فروع الشجرة بعضها عن بعض لتهويتها".
وقال مزارع العنب أبو رخية: "إن ظهور ونضوج ثمار العنب يبدأ مع نهاية شهر حزيران/ يونيو، حيث نقوم بعملية (التوريق)، أي استئصال أوراق شجرة العنب التي تحيط بالعناقيد وإبعاد العناقيد بعضها عن بعض لتنمو بالطريقة السليمة". مشيرا الى ان هذه الطريقة تساعد المزارع في تقليل إمكانية إصابة العنب بالأمراض التي تكثر في شهر حزيران/ يونيو بالذات.
ويمضى قائلاً: "بعد عملية التوريق نقوم برفع أطراف شجر العنب من الجوانب لإعطائه فرصة التعرض للشمس والهواء ولمنع فساد العناقيد، وهذه هي المرحلة الأخيرة قبل جني المحصول". موضحاً أن موسم قطف العنب وبيعه للتجار يبدأ في أوسط شهر حزيران/ يونيو، ويستمر حتى نهاية آب/ أغسطس.
أما المزارع ماهر الفراني (37 عاماً)، فيؤكد أنه في موسم القطف والبيع يتوافد عشرات التجار إلى حقول العنب لمعاينة المحصول وتقييمه والمساومة على سعره. مضيفاً: "أسعار العنب في غزة تختلف بحسب نوعه، فهناك العنب (القريشي) الذي هو أشهر أنواع العنب وأغلاها سعراً، يليه العنب (الدبوقي) ثم العنب (الأسود الطويل), حيث يعود تفضيل هذه الأنواع لرغبة المستهلكين".
بين التعب و الخسارة
ويشير مزارعو العنب إلى أن الأكلاف التي تحتاجها عملية زراعة العنب في مراحلها المختلفة باهظة جداً مقارنة بالأرباح التي تعود عليهم. يقول المزارع الفراني: "كل دونم واحد من العنب يحتاج أكلافاً تقدر بـ1500 دولار، ناهيك عن مبلغ مماثل ندفعه لمالك الأرض الذي نضمن (نستأجر) منه كروم العنب, بينما الأرباح التي نجنيها من بيع العنب لا تتجاوز الـ100 دولار للدونم الواحد.. (الدونم ألف متر مربع)".
ويستدرك قائلاً: "أسعار ضمانات العنب مرتفعة جداً بسبب تنافس المزارعين عليها وعدم وجود فرص عمل بديلة في ظل الوضع السيئ الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي". مشيراً إلى أنه في كثير من الأحيان لا يسترد مزارعو العنب رؤوس أموالهم التي دفعوها خلال موسم العنب، مرجعين السبب في ذلك إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية اللازمة لمراحل زراعة العنب كالأدوية والمبيدات وأجور العاملين واختلاف أسعار العملات، خاصة في فصل الصيف.
ويضيف المزارع الفراني: "نحن نضمن أشجار العنب بالدينار الأردني، وعند بيع المحصول نبيعه بالشيكل الإسرائيلي، بينما يرتفع سعر الدينار في أيام جني العنب، الأمر الذي يخلق فرقاً كبيراً بين عملية البيع وعملية الضمان التي يمكن ان تجعل الضامن لكروم العنب يُمنى بخسارة فادحة.. إضافة الى ارتفاع أسعار الأدوية والمواد المستخدمة في عملية رش المحصول ومعالجته".
زراعة العنب.. ثقافة
ويرى المزارع عبد اللطيف أبو رخية ان زراعة العنب عبارة عن ثقافة ورثها عن آبائه وأجداده، مؤكداً تمسكه بهذه المهنة برغم مخاطرها الاقتصادية والأمنية. يقول: "أنا وأسرتي نعمل في زراعة العنب منذ 35 عاماً، حيث بدأت رحلتي معه منذ كنت طفلاً أساعد والديّ في حقلهما، ومنهما تعلمت المهنة وأتقنتها.. فضمان العنب وزراعته بالنسبة الي وإلى عائلتي أصبح شيئاً من (الإدمان)، برغم أننا نخسر فيه أحياناً، فلا يمر صيف إلا ونضمن فيه العنب".
كما يؤكد أبو رخية ان كروم العنب هي المصيف الذي يقصده أبناؤه الصغار لقضاء العطلة الصيفية, والبديل عن المخيمات والرحلات الترفيهية التي يذهب إليها الأطفال في هذه الفترة من الصيف. مشيراً الى ان أبناءه محرومون من ذلك كله بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه أسرته.
ويضيف المزارع: "من ضمن الثقافة التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا اقتطاع جزء من محصول العنب لتوزيعه على الجيران والأصدقاء، وعمل أصناف مختلفة من المأكولات بواسطة العنب، مثل مربى العنب والخل، إضافة الى العصير، واستخدام أوراقه في عمل (الدوالي) الذي يعد من أشهر الوجبات الغذائية التي يحبذها المواطنون في قطاع غزة".
من جانبها قالت الزوجة أم محمد أبو رخية وهي تشير بيدها إلى عناقيد العنب التي التف أبناؤها الصغار حولها للمساعدة في قطفها: في موسم حصاد العنب يزداد العبء على كاهلي أضعافاً، فهناك الأسرة وهناك هم زوجي المسكين الذي يضع روحه على كفة ورزقه على كفة أخرى".
وتضيف: "عندما يأتي موسم حصاد العنب أنزل مع أولادي إلى كرم العنب ونعمل مع زوجي بكل إخلاص وتفانٍ عظيمين، حيث يأخذ كل منا جانباً من العمل، فيقوم أبنائي بجني الثمار مع أبيهم، بينما أقوم أنا بعمل الشاي والطعام لهم، وأشارك أحياناً في العمل داخل الحقل".
وأكملت: "دوري بالأساس يتمثل في الوقوف إلى جانب زوجي معنوياً وتخفيف ما يلمّ به من هم وتعب أثناء جني المحصول، فهو يحمل هماً كبيراً من يوم ضمان العنب حتى آخر عنقود يجنيه، مع ما يصاحب ذلك من اعتداءات صهيونية بين الزمنين".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018